بقلم / بلال الكسواني

لعلَّ المقاطعة هي الضربة الدقيقة لرأس الأفعى فالسياسة والساسة الغربيون ما هم إلا واجهة للشركات الكبرى العالمية مُتعددة الجنسيات ، وخلال الحملات الانتخابية لمُرشحي الحزبين الأمريكيين الشهيرين الجمهوري والآخر الديمقراطي تقوم شركات عملاقة بدعم وتمويل هذه الحملات . المقاطعة العربية والعالمية أشبه بصاروخ ذكي ودقيق موجه نحو رأس الأفعى ( الرأسمالية الأمريكية / العالمية ) ومن في فلكها .
إسرائيل من عصرٍ مضى ولا تنتمي إلى هذا العصر " عصر الاستعمار الاقتصادي "
الكيان الصهيوني من أواخر أوجه الاستعمار القديم ، قاعدة استعمارية متقدمة للعدد من الدول الغربية ، وهو مناط إدانة لها لأن تلك الدول تَنكَّرت لهذا الشكل الاستعماري المُستدام واستبدلته بالإمبريالية و بما تسميه التدخل العسكري كما حدث في العراق وأفغانستان .. إلى آخره فلم نعد نسمع عن دولة استعماريَّة تقول بضم دولة ما إليها أو ترغم بحقها في ذلك ، كما كانت فرنسا تقول عن الجزائر على سبيل المثال . أنهوا الاستعمار العسكري المباشر لأنه مُكلف وليس كما تدعي بريطانيا في مسرحية منح الاستقلال للهند ، أي ليس الدافع احترام سيادة الشعوب وحقهم في تقرير المصير وبناءً على ما سبق إن العرب قادرين دون حروب على جعل تكلفة وجود الكيان الصهيوني كبيرة جداً وتفوق فوائده بالنسبة للولايات المتحدة ، وذلك عبر الضغط الاقتصادي عليها ، والبراغماتية الأمريكية تقتضي آن ذاك التخلي عن الكيان الصهيوني بوصفه مشروعاً خاسراً ، وحتى إن أخذنا بقول من يقول أن نفوذ الحركة الصهيونية العالمية قوي في كل أماكن صناعة القرار ، فعلى الأقل سيحدث شرخ كبير وصراع بين الساسة الأمريكيين . المُذعنين لضغوطات الصهيونية العالمية من جهة ، و المنتهجين لمبادئ تعامل ( البراغماتية الأمريكية ) من جهةٍ أخرى . - إلى أية درجة امتازت حملة المقاطعة هذه وما آثارُها ؟
من أبرز ما امتازت به هذه الحملة مشاركة شريحة الشباب بشكل غير مسبوق تجاه قضية إنسانية خاصةً شريحة الشباب الجامعي وأهمية هذه الشريحة بالذات هي اتسامها بالنشاط والمعرفة بأحدث الوسائل التكنولوجية و بالتالي الترويج الهائل بأفضل وأحدث الطرق وأكثرها تأثيراً للحملة ، أي أن هذه الشريحة " دينامو مثالي " قادر على مواجهة ماكينة الإعلام الغربي المنحازة للكيان المجرم . إن شركات " السناكس " و " ساتر باكس " والمشروبات الغازية تستهدف فئة الشباب لأنها الفئة الأكثر استهلاكاً لمنتجاتها وبالتالي المُقاطعات من قبل الشباب جعلت هذه الشركات عبرة لمن لم يَعتبر.
- نتائج المقاطعة على الشركات :
من البديهي ألّا تُصرِّح الشركات عن الخسائر التي تكبدتها أو أن تبالغ في ادعاء محدوديّة تأثرها ، لأن مُجرّد اعترافها بخسائرها الضخمة سيُؤكد الجدوى العظيمة للمقاطعة و يجعلها تستمر وتتصاعد. 
برغم أننا لا نثق بما تحدثت عنه تلك الشركات إزاء خسائرها وهو حديث نادر حيث يغلب الصمت ، إلا أننا سنورد بعضاً مما نُشر :
تقرير ماكدونالدز (الربع الأول - Q1 2024 المنتهي في مارس 2024) صدر في 30 أبريل 2024. ذكر الرئيس التنفيذي كريس كيمبزينسكي أن النزاع في الشرق الأوسط تسبب في "تأثير كبير" على النمو الدولي، خاصة في الأسواق ذات الأغلبية المسلمة. بينما لم يُعطِ أرقامًا دقيقة عن الخسائر، أشار إلى أن الأداء في هذه الأسواق كان " ضاغطاً " على النتائج.
ومما ورد في التغطية الإخبارية والتحليلات عَبر مواقع بلومبرغ، رويترز، وول ستريت جورنال، فايننشال تايمز، سي إن بي سي، بيزنس إنسايدر ، نقتطف :
 Placer.ai
 Bloomberg هناك انخفاض حاد في حركة الزبائن في فروع ماكدونالدز وستاربكس في دول مثل مصر والمملكة العربية السعودية والأردن وتركيا وماليزيا في نوفمبر وديسمبر 2023 م مقارنة بالعام السابق.
*****
تاريخ نشر/ التقرير: أواخر فبراير/ مارس 2024 ( غطت نتائج الربع الرابع 2023 والربع الأول 2024 المبكرة ). المحتوى : نقلاً عن محللي بنك جيفريز Jefferies ، قدّرت التقارير أن مبيعات ماكدونالدز في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وإندونيسيا وماليزيا انخفضت بنسبة تصل إلى 50% في نوفمبر وديسمبر 2023 م مقارنة بالعام السابق. ذكرت أن التأثير استمر في يناير 2024 م .

الاستغناء
من أهم ما امتازت به حملة المقاطعة الأخيرة أنه من أطول حملات المقاطعة عبر التاريخ وتحولها إلى استغناء تام وهي تُذكّر بأعظم حملة مقاطعة تلك التي قادها غاندي ضد الشركة البريطانية المعروفة باسم " شركة تجارة الهند الشرقية " والتي أدت تداعياتها إلى استقلال الهند لاحقاً .
إن إدراك عددٍ من الشركات المُقاطَعة أنه قد تم الاستغناء عن مُنتجاتها جعلها تغلق بعض فروعها و بعضها تسلل إلى الأسواق العربية والإسلامية عبر شركات مُحدثة أخرى ليست مدرجة على قوائم المقاطعة .
*****
- المقاطعة الرسمية متنوعة الأوجه من قبل عددٍ من دول العالم والتي انضمت إلى المُقاطعة الشعبية وتزداد يوماً بعد يوم .
- تعرية النظام العالمي بشكل قلَّ مثيله حيث تكالبت منذ الأسابيع الأولى التي تَلت طوفان الأقصى ، أساطيل الغرب وشركات غربية كبرى لدعم الكيان الصهيوني المجرم ، مما أدى إلى تعرية النظام العالمي أمام الشعوب الغربية في أبرز الدول التي يتمركز ثقله فيها كألمانيا ، وقد اتخذ مكتب حماية الدستور الألماني لاحقاً إجراءات ضد الحركة الفلسطينية لـ "مقاطعة إسرائيل " (BDS) وقد بذل الكيان الصهيوني جهوداً لافتة للحد من تأثير هذه الحركة بعد أن عجز عن إيقافها ، وهو يدرك تماماً أن هذه الحركة وسواها سيظلون مُستمرين إلى أن تتحرر فلسطين .
ختاماً عزيزي القارئ لا تنسى أن التهافت لدعم الكيان بذروة التكنولوجيا و السلاح و أموال ضخمة و.. و.. و.. إلى آخره هذا التدفّق الهائل ما هو إلا نتاجُ خوفٍ على الكيان ، يَفضح هشاشته ويُبرز كم هو وجوده مُرتبط بأدوات الإجرام و بالإنعاش الاقتصادي والتضليل الإعلامي والسياسي.
calendar_month17/06/2026 07:33 am