( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
من خلال متابعتنا الحثيثة للشؤون الأوروبية ، تبيَّن أنَّ الأزمة الصحية العالمية التي اجتاحت العالم جرّاء جائحة كوفيد 19 ( كورونا ) ، قد جاءت في ظروف صعبة جداً بالنسبة لمستقبل الاتحاد الأوروبي الذي يعاني من انشطارات حادّة بين أعضائه ، نتيجة للاختلاف حول المصالح ، وبسبب اختلاف وتضارب المقاربات بشأن السياسات الضرورية الواجب اتخاذها لمواجهة تداعيات الجائحة ، وذلك على الرغم من التفاهمات الظرفية والآنية التي تحدث بين الفينة والأخرى. وتكمُن حالات التحدي الأكبر بالنسبة لنا كمراقبين سياسيين وإعلاميين لتداعيات فيروس (كوفيد 19) كورونا على العلاقة ما بين جمهورية ألمانيا الاتحادية وفرنسا ،لاسيما أنهما ترمزان إلى ما بات يطلَق عليه اسم (المحرّك الأوروبي (بالنسبة لمشروع الوحدة الأوروبية ككل . في الحقيقة ما زال الثنائي الألماني ـ الفرنسي هما (المحرك الأوروبي) فهما الأغنى والأقوى من بين دول الاتحاد الأوروبي، ويؤثر هذا ( المحرِّك ) بشكلٍ قوي وحاسم في سيرورة الاتحاد الأوروبي ،ويُسهم في وضع خطة استراتيجياته كبرى وعميقة وفق منهج مدروس ومتفق عليه حتى الآن.
الجدير بالذكر في هذا السياق أن الثنائي الألماني ـ الفرنسي وهما (المحرّك الأوروبي)، والذي تعوّد الإعلام الفرنسي على تسميته بـ (الثنائي الألماني – الفرنسي) منذ سبعينات القرن الماضي، كان قد تأسّس في واقع الحال في مرحلة حكم الرئيس الفرنسي شارل ديغول (1890 - 1970) في فرنسا ، وفي ألمانيا في أثناء حكم المستشار كونراد هيرمان يوسف أديناور: Konrad Hermann Joseph Adenauer) كانون الثاني 1876 – 19 نيسان 1967 ، وكان سياسيًّا ألمانيًّا بارعاً خدم كأول مستشار لألمانيا ،لاسيما في الفترة ما بين 1958 و1963، وما زال تأثيره واضحاً بشكلِ حاسم وكبير في مسيرة الاتحاد الأوروبي ،هذا التأثير ما زال يُسهم في وضع إستراتيجياته وخططه الكبرى حتى الآن.هذا من جهة ، من جهةٍ أخرى فإنَّ ، أمين عام لجنة دراسة العلاقات الفرنسية الألمانية (Cerfa) كان قد أكَّد في هذا السياق ، أنَّ جائحة كوفيد 19 ( كورونا ) قد تسببت في أزمة صحية واسعة الانتشار ،وفي ركود اقتصادي غير مسبوق على المستوى الأوروبي، ويرى الباحث إريك أندري مارتان أن جمهورية ألمانيا الاتحادية التي سترأس المجلس الأوروبي خلال السداسي الثاني، تواجه عتاباً وانتقاداً متصاعدين من طرف عدد كبير من دول الاتحاد الأوروبي، بسبب مواقفها المتصلبة والمتشدِّدة بشأن المسائل الاقتصادية والمالية والتجارية ، وذلك في الوقت الذي تدفع فيها فرنسا نحو تحقيق تضامن مالي أكبر ، وإلى اعتماد سياسة جديدة مبرمجة ، تهدف إلى تدعيم السيادة الاقتصادية الأوروبية بشكلٍ كبير .
من هنا فإنَّ تداعيات وباء كوفيد 19 ( كورونا ) على هذا المحرّك ستكون لها آثارٌ سلبية حادّة على مسيرة الاتحاد الأوروبي، في مرحلةٍ بدأ فيها العدُّ التنازلي لمغادرة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الحكم ، وانتهاء دورها السياسي الفاعل ، وبات قطاع واسع من الشعب الألماني يرفض أن تتحمّل بلادهم عِبء المديونية الأوروبية التي وصلت إلى مستويات قياسية عالية في دول الجنوب، بخاصة في إيطاليا وإسبانية واليونان. 
وتسعى دول الاتحاد الأوروبي بكل ما تملك من إمكانيات على الرغم من ذلك ، أن تحافظ بصعوبة كبيرة على ما تبقى من أواصر الوحدة بين دول الاتحاد ، حيث توافقت خلال اجتماعين متتاليين جرى عقدهما في شهري ‏ آذار ونيسان هذا العام 2020 على حزمة أولى من الإجراءات الاقتصادية لمواجهة جائحة كوفيد 19 ( كورونا ) ، ومساعدة الدول الأكثر تضرراً من هذه الأزمة الصحية، وذلك قبل أن يتوصّل الثنائي الألماني- الفرنسي خلال اجتماع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون يوم 18 ‏ أيار إلى اتفاق جديد يقضي بتخصيص صندوق للتضامن بمبلغ 500 مليار يورو لدعم النمو الاقتصادي في دول الاتحاد الأوروبي المحتاجة . وعليه فإنه في الوقت الذي اعتبر فيه رئيس المجلس الإيطالي شارل ميشيل هذا الاتفاق خطوة مهمة في الطريق الصحيح، فقد علّق المستشار النمساوي، الذي ترفض بلاده كل اقتراح يهدف إلى التشارك في المديونية الأوروبية ودفع أموال من خزينة الدولة ، في تغريدة له على حسابه في تويتر ،على أنَّ هذه الخطوة هامة جداً ،مؤكداً أن مواقف الدول المعارضة لتقاسم المديونية مثل الدنمارك وهولندا، والسويد لم تتغيّر، مؤكداً استعداد هذه الدول إلى مساعدة الدول المتضررة من خلال إقراضها وليس من خلال المساهمة في تمويل مديونيتها، وكان الاتفاق الألماني - الفرنسي قد شدّد أيضاً، على أهمية استعادة السيادة الأوروبية وأخذ دورها الهام بين دول العالم ، حيث دعت الدولتان إلى إنشاء مخزون إستراتيجي أوروبي مشترك من الأدوية والمستلزمات الطبية يكون جاهزاً عند الضرورة.
لقد كانت المبادرة الألمانية ـ الفرنسية الأخيرة جيدة على الرغم من دورها الهام جداً كونها تأتي لدعم كل مخططات بروكسل الساعية إلى وضع ميزانية مالية ضخمة لإقراض بعض دول الاتحاد الأوروبي المتضرِّرة جداً من جائحة كوفيد 19 ( كورونا ) ، فإنها ستبقى غير كافية من أجل تحقيق إجماع كبير وكامل ، وإلى تجسيد كل الاتفاقيات المعقودة ، بخاصة في هذه المرحلة الحرجة بالذات التي يشهد فيها المحرِّك الألماني ـ الفرنسي تباطؤاً واضحاً نتيجة لتنامي وانتشار التوجهات القومية الشوفينية واليمينية المتطرفة ما بين ضفتي نهر الراين . حيث يتوقَّع الكثيرون أن يكون تأثير الانتخابات الرئاسية القادمة في فرنسا ، والانتخابات العامة في جمهورية ألمانيا الاتحادية بشكلٍ سلبي في ديناميكية وتحرُّك هذا ( المحرِّك ) وفي قدرته على قيادة الاتحاد الأوروبي.