( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
لوركا لم يتجاوز الثامنة والثلاثين من عمره عندما تم اعدامه في الهواء الطلق دون اية مراسم دينية او رسمية . وذلك بعد أن ملأ مساحات واسعة في اسبانيا من انتاجه المسرحي وشعره الانساني . هكذا تسير الأمور في الحرب الأهلية , في كل حرب اهلية .
    ففي الأعوام ما بين 1936 و 1939 اشتعلت أو أضرمت نار (الحرب العالمية المصغرة ) في أسبانيا . هكذا تعارف البعض على تسميتها .حيث تجمعت تحالفات متعادية متقاتلة.جمعت كل أطياف ذلك المجتمع بكل اتجاهاتها الدينية والطائفية والقومية والآيديولوجية .
ففي مثل هذه الحرب – الحرب الأهلية - تغيب القيم الانسانية النبيلة ,ويسود الحقد , وتستيقظ روح الانتقام والانتقام المضاد , وتضطرب البوصلة وتتعطل , وتسقط الاخوة والصداقة , وتنمو وتترعرع البغضاء حتى في البيت الواحد والأسرة الواحدة , ويضيع الأمان , وتذوي وتذوب الأمانة , ويكثر الهلع , وتستيقظ شهوة القتل والتدمير , فتتآكل المدن وتنعدم معالم احشائها , وتلفظ ابناءها بعيدا , اما تحت الأرض او بعيدا في الاصقاع ,أو جوعى أو ثكالى أو ايامى او يتامى بين الأنقاض .
    قالوا : ( الحرب اشتباك بين فريقين لا يعرف احدهما الآخر ) . ولكن في الحرب الأهلية على العكس من ذلك . الكل يعرف من يقاتل , قد يكون أخاه , أو صديقه القديم ,أو جاره ,او التاجر الذي كان يتعامل معه ,او الموظف الذي كان يخدمه , أو معلم ولده او معلمه , او استاذه أو طالبه .أو عمه أو خاله أو ابن عمه أو ابن خاله . الحروب كلها مرتع خصب لنمو الحقارات . الا أن احقرها على الاطلاق هي الحرب الأهلية . في الحرب الأهلية يقدم العقل استقالته ويصّر عليها . ويذهب ماء الحياء ,وتقسو القلوب .
   في خضم هذه الأجواء في اسبانيا أُعدم فيديريكو غارثيا لوركا الشاعر والكاتب المسرحي والمؤلف الموسيقي والرسام ,والمعدود من بين أهم أدباْء القرن العشرين في 19/8/1936 وذهب كما ذهب الكثيرون غيره في تلك الحرب كماء غار بين الأحجار والرمال لا يستطيع احد الامساك به أو استرجاعه 
    لقد أُعدم لوركا ولم يعثر احد على جثته . وقد كان قد تنبأ, ارهاصا وبرؤية شاعرية, بمصيره ومصير جثته . فقال قبل اعدامه بزمن قبل الحرب :
( وعرفت أني قتلت .
وبحثوا عن جثتي في المقاهي والمدافن والكنائس .
فتحو البراميل والخزائن .
سرقوا ثلاث جثث ..
ونزعوا أسنانها الذهبية .
ولكنهم لم يجدوني قط )
      في الحرب الأهلية ليس ثمة منتصر اطلاقا ..هناك خاسر واحد هو الإنسان .