( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
ليس من السهل تخيّل حجم الخسارة التي منيت بهما الأمتين العربية والإسلامية، برحيل رجل دولة سار في طرقات السياسة العربية الوعرة، تظلله الحكمة في كل خطوة يخطوها، بأقدام راسخة برسوخ المبادئ والثوابت التي لم تقبل بوصلته الحياد عنها.

 

بوصلة أمير الكويت الراحل، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، لم تعرف أبداً ممارسات القفز على الثوابت الأخلاقية والسياسية والإنسانية، بمبررات "براغماتية" تجيز التخلي عن المبادئ بدعوى المواكبة الواهمة لسراب الانفتاح على المجهول الواعد الذي قد يرسل الأوطان وحضارتها لغياهب العبثية.

 

صاغت المحددات تلك شخصية غاية في الحرص على وحدة الأمة وشعوبها، ومبادئها، وحضارتها، وهويتها، رسمت على مدى ما يزيد عن الأربعة عقود تجربة الأمير الراحل، فكراً وسلوكاً، بعناوين من أهمها: خلق التوازنات الاستراتيجية، والتمسك بثوابت هوية الأمتين العربية والإسلامية، واستقلالية الهوية الوطنية، واتباع سياسات متوازنة استراتيجياً.

 

أولى الثوابت التي كانت تشير إليه بوصلة الأمير الراحل بحزم، الالتزام التام بمركزية القضية الفلسطينية للأمة العربية، ووضع الكويت في مقدمة صف الدول العربية الفاعلة في الدعم المقدم للفلسطينيين من أجل تمكينهم من الصمود في وجه المحتل حتى نيل حقوقهم، إضافة لدعمه الدول التي كانت على تماس مباشر في الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي كالأردن ولبنان وسوريا ومصر.

 

استمد الأمير الراحل صلابة مواقفه الداعمة للحق الفلسطيني من اعتبارات عدة، أبرزها إيمان الشعب الكويتي بانتمائه لأمته العربية، وتجذر علاقته بالأرض والمقدسات الإسلامية في أرض الأنبياء والديانات، وما لذلك من وشائج ثقافية ووجدانية، إضافة لعلاقة الشعبين الشقيقين، الكويتي والفلسطيني الأخوية، والتي تتسم بالعمق والترابط ذات التميز الكبير.

 

مواقف الأمير الراحل المستمدة من أصالة شعبه، والداعمة للقضية الفلسطينية تجسدت في وقوف دولة الكويت الدائم والمستمر، إلى جانب الفلسطينيين في المحافل الدولية، وخوضها للمعارك الدبلوماسية إلى جانب الشعب الفلسطيني، وتقديمها الدعم لأي قرار أممي في صالح الشعب الفلسطيني، وتصديها للقرارات التي تصدر عن مؤسسات دولية تغبن الفلسطينيين حقهم، وهو ما عبّر عنه السفير منصور العتيبي مندوب دولة الكويت الدائم لدى الأمم المتحدة، بعد تسلم الكويت لمقعدها غير الدائم في مجلس الأمن مطلع عام 2018، بقوله: "إن الكويت تعهدت ببذل كل المساعي والجهود لدعم القضية الفلسطينية باعتبارها قضية العرب والمسلمين".

 

وربما كان صوت رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، الذي صدح بكلماته أمام الوفد البرلماني الإسرائيلي، خلال المؤتمر الـ137 للاتحاد البرلماني الدولي، الذي انعقد في أكتوبر الماضي، بمدينة سانت بطرسبورغ الروسية، حين وصفهم بقتلة الأطفال، وطالبهم بالخروج من القاعة، يحمل نبرة أمير الكويت الراحل ورؤيته وموقفه، وشجونه إزاء ما يعانيه الفلسطينيون، وهو ما عبر عنه الأمير من خلال إشادته بتصرف الغانم حينها.

 

وليس من اليسير تناول كافة أشكال الدعم الكويتي السياسي والمادي في عهد الأمير الراحل من خلال مقالنا هذا، إلا أنه من المهم التطرق لمحطات، يمكن من خلالها وضع تصورات لعقائدية ومبدئية القضية الفلسطينية لدى الأمير صباح وأبناء شعبه، حيث تعتبر الزيارة التاريخية التي قام بها وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح خالد الحمد الصباح لدولة فلسطين منتصف ايلول/ سبتمبر عام 2014، وهي الأولى من نوعها لمسؤول كويتي رفيع المستوى، بمثابة تجديد التأكيد الكويتي على الموقف الداعم للشعب الفلسطيني حتى نيل حقوقه في الإستقلال، وبناء دولته على ترابه الوطني، وعاصمتها القدس الشريف.

 

تلك الزيارة كرست شكلاً جديداً من أشكال الدعم، حيث تم خلالها إطلاق "اللجنة الفلسطينية الكويتية العليا المشتركة"، إلى جانب التوقيع على عدد من المذكرات المشتركة للتنسيق الدائم والتعاون المشترك على كافة الأصعدة، حيث أراد الأشقاء في الكويت من خلال ذلك التأكيد على الاعتبارية الاستقلالية لدولة فلسطين، والشكل الذي ستقوم عليه العلاقة بين دولتين مستقلتين، في مرحلة صعبة تشتد فيها العواصف التي يواجهها الفلسطينيون، ويناضلون من أجل الصمود أمامها حتى تجاوزها.

 

وفي تأطيرها للدعم المؤسسي، تقوم الكويت بتنفيذ برامج الدعم المختلفة من خلال "الصندوق الكويتي للتنمية" لأبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، عبر زيادة الواردات من فلسطين لدعم الاقتصاد الفلسطيني، فضلاً عن دعم الكويت المستمر للموازنة الفلسطينية، والتزامها بتقديم الدعم الدوري لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، بل وزيادة هذا الدعم في ظل الظروف المالية القاسية التي تعانيها الوكالة في الوقت الراهن.

 

يضاف إلى ذلك دعم دولة الكويت المستمر في عهد الأمير الراحل لقطاع غزة المحاصر، حيث قدّر الدعم الرسمي – ناهيك عن دعم المؤسسات الإنسانية والخيرية- حتى عام 2017 بنحو 200 مليون دولار أمريكي، بحسب بيانات حكومية فلسطينية، وتمثل هذا الدعم في "تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار وإصلاح البنية التحتية، فضلا عن المساهمة في تنفيذ مشاريع بناء وترميم مساجد ومدارس".

 

وتشمل مساعدات دولة الكويت خلال السنوات الماضية من عهد الأمير الراحل "تقديم مساعدات نقدية عاجلة لأصحاب البيوت التي دمرت بشكل كامل، خلال العدوان على غزة أعوام (2008، 2012، 2014)، وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية للجرحى، وتقديم المساعدات والطرود الغذائية للأسر التي نزحت عن بيوتها، فضلاً عن تنفيذ مشروع إعادة إعمار 202 وحدة سكنية في القطاع "التخصيص الرابع"، بأكثر من 6 ملايين دولار، وبتمويل من برنامج دول مجلس التعاون لإعادة إعمار غزة".

 

وقد عزّز الأمير صباح، رحمه الله، خلال فترة حكمه من تقديم الدعم الإنساني لأبناء الشعب الفلسطيني عبر تظافر جهود المؤسسات الرسمية والأهلية، بشكل متواز، فانطلقت مؤسسات العمل الخيري والإنساني الكويتية، في فضاء رحب أتاحه الأمير الراحل من أجل تقديم كافة أشكال الدعم الصحي والتعليمي والإغاثي والتنموي، حيث كانت وما تزال القضية الفلسطينية على رأس أولويات هيئات ومؤسسات العمل الخيري الكويتي، التي لم تتوقف يوماً عن تنفيذ مشاريعها الإنسانية، وتقديم المبادرات الرامية لتخفيف معاناة الشعب الفلسطيني ودعم احتياجاته الأساسية.

 

وفي سياقات العمل الإنساني، كانت القناعات لدى الأمير الراحل بأن عمل الخير من شأنه أن يعزز أركان ودعامات الدول، ويسهم في استقرارها السياسي والاجتماعي، ما يلخص جانباً من شخصية الأمير الذي يعتبر التزامه الأخلاقي والديني تجاه أداء فرائض الخير، المتمثلة في عون الإنسان لأخيه، لتتكرس كرؤية دولة وقيادة، استطاعت أن تعزز مكانتها السياسية والاقتصادية من خلال عمق استراتيجتها الإنسانية، حتى غدا الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، "أميراً للإنسانية" من خلال اعتراف أممي بمكانته ومكانة بلاده المعطاءة بلا حدود، ليتم تسمية الكويت كـ"مركز للعمل الإنساني" في سبتمبر/أيلول 2014.

 

سبق تكريم الكويت وأميرها بضع كلمات أكد فيها الأمين العام السابق للأمم المتحدة "بان كي مون" استحقاق الأمير وبلاده اللقب، قائلا بأن "الكويت أظهرت كرما استثنائيا تحت قيادة أميرها الشيخ صباح الأحمد، وعلى الرغم من صغر مساحتها، فإن قلب هذه الدولة كان أكبر من الأزمات والفقر والأوبئة"، ليكون التكريم شهادة أممية لمسيرة قائد شغوف بالعمل الإنساني منذ شغله المناصب الدبلوماسية والوزارية.

 

فقد سار عمله في مجال العمل الخيري والإنساني جنبا إلى جنب مع عمله الدبلوماسي على مدى عقود مضت من خلال ترؤسه للعديد من المؤسسات الإنسانية، داخل الكويت وخارجها، بدأ ذلك مع ترؤسه "دائرة الشؤون الاجتماعية" في خمسينيات القرن الماضي، والتي أصبحت وزارة فيما بعد، إضافة لترؤسه "الصندوق الكويتي للتنمية" الذي فتح من خلاله آفاق الدعم الإنساني لقطاعات أوسع من الدول والشعوب المنكوبة بالكوارث والحروب، فضلاً عن رئاسته "الفخرية" لجمعية الهلال الأحمر الكويتي التي تعد إحدى واجهات العمل الإنساني الكويتي البارزة.

 

وأمام ما ذكر سالفاً من حقائق، لم يكن من المستغرب أن يشهد العمل الخيري والإنساني تنامياً كبيراً في عهد المغفور له، بإذن الله، الشيخ صباح الأحمد، بعدما قام بتوسيع نشاط بلاده الإنساني منذ توليه مقاليد الحكم عام 2006، ليزداد على اثر ذلك حجم المساعدات الإغاثية بشكل ملحوظ، حيث تم تخصيص ما قيمته 10% من إجمالي المساعدات الإنسانية للدول المتضررة من الكوارث الطبيعية أو الحروب، ثم تبع ذلك قرارات رسمية بمضاعفة المساهمات الطوعية السنوية الثابتة لعدد من الوكالات والمنظمات الدولية.

 

وفي إطار الجهود الإنسانية التي شهد لها القاصي والداني، استضافت الكويت مؤتمرات المانحين لدعم الأوضاع الإنسانية في عدد من الدول كسوريا والعراق، ودعمها جهوداً إغاثية كبيرة في اليمن، حيث قدمت الكويت إلى جانب رعايتها لفعاليات الدعم، دعماً مباشراً من خلال مؤسساتها الرسمية، إلى جانب الأهلية، التي هبت لنجدة الشعوب الشقيقة، بهدف التخفيف من مصابها، ومد يد العون لمحتاجيها.

 

ولا تبتعد السرديات التي تتناول التزام الكويت وأميرها الراحل، بقضايا الأمة، وبالثوابت الوطنية والقومية، وبالعمل الخيري والإنساني، عن أداء دور صانع الوفاق العربي، من خلال تفكيك عقد التخاصم والتنافر بين الدول العربية والإسلامية بعضها بعضاً، فليس غريباً أن نراه يقوم بدور "المكوك" المفاوض، والدبلوماسي الساعي لحل الإشكاليات، ورأب الصدع بين المتخاصمين، وتوحيد قرار وراية الأمة من أجل الحفاظ على قوتها وتماسكها.

 

وتشهد له في ذلك جهوده في حل الكثير من النزاعات العربية والدولية، من بينها "الوساطة بين مصر والسعودية لحل الصراع العسكري بسبب اليمن، وجهوده في حل قضية المطالبة الإيرانية بالبحرين، وبذل جهود واضحة في التوسط لحل النزاع الحدودي بين العراق وإيران حول السيادة على شط العرب، والمشاركة في جهود تقريب الفرقاء في الحرب الأهلية اللبنانية، والسعي إلى حل النزاع بين باكستان وإقليم البنغال، وبين شطري اليمن، والقيام بوساطة بين سلطنة عمان وجمهورية اليمن الديمقراطية، وقيادته عملية وساطة بين ليبيا والسعودية، إضافة لقيادته وساطة بين بغداد وطهران لوقف الحرب العراقية الإيرانية".

 

واختتم فقيد الأمة مسيرة الوفاق والتوفيق بين الأخوة بوساطته لحل الأزمة الخليجية التي بدأت عام 2017، بعد أن قطعت كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها مع قطر، وفرضت عليها حصارا، ليقوم أمير الوفاق، منذ بدايات الأزمة بجولات مكوكية رغم مرضه لتقريب وجهات النظر، ولرأب الصدع في الجدار الخليجي. 

برحيل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، رحمه الله، سيسجل التاريخ، بلا أدنى شك، سيرة رجل دولة فذ، سار ببلاده في طريق التقدم والازدهار والاستقرار، في محيط إقليمي لم يعرف الاستقرار منذ عقود، ظل ثابتاً صلباً حتى آخر يوم في حياته، و يختتم حياته بموقف شجاع و مشرف بتمسكه بعدالة قضية فلسطين بهذا الموقف التاريخي

و قد كان لسموه موقف ثابت في رفض المحتل الغاصب لفلسطين دوما عززه بما كشف عنه هذه الأيام بالكلمات الأخيرة لسمو فقيد الأمة الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح لأحد المقربين منه و في ذروة الضغوط الأمريكية لأنتزاع

التطبيع منه قائلا " اتريدني و أنا في التسعين من عمري أن أقابل ربي بالتطبيع مع هؤلاء الصهاينة و أبيع القدس، و الله لن أسجل على نفسي هذا العار أبدا"

ظل سموه تُمسك إحدى يديه بجمر المبادئ والثوابت الوطنية والقومية، بينما تفيض الأخرى بالعطاء والخير تجاه الإنسانية، تمد يدها بالعون والمساعدة حيناً، وتلملم الجراح، وتجمع شمل الأمة حيناً آخر.

رحم الله الشيخ صباح الأحمد الجابر و تقبله في عليين