( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
شهدت الأشهر الأخيرة توتراً حاداً بين اليونان وتركيا حول الحدود البرية والبحرية وحقوق التنقيب عن الغاز والنفط في شرق البحرالأبيض المتوسط . وغدا الجانبين على حافة الصراع الذي كاد يحتدم حرباً طاحنة دون هوادة . ومع ذلك، فإنَّ العديد من دول العالم والمجتمع الدولي بذلت المزيد من الجهود المتضافرة ، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية ألمانيا الاتحادية ،تلك الجهود حالت دون حدوث مزيد من التصعيد السياسي وحدة المساجلات السياسية والإعلامية. وعادت تركيا إلى طاولة المفاوضات مع اليونان مرغمةً نتيجة الضغوط الدولية ، عازمةً إزالة وصمة (مختلق المشاكل) عن نفسها. بعد أن طرحت منذ أكثر من خمسة عشر عاماً فكرة ( صفر مشاكل ) مع الآخر في العالم ، إلا أن هناك الكثير من الأمور التي لا يتفق عليها الطرفان اليوناني والتركي ، بما فيها ترسيم حدود الجرف القاري لكل منهما في شرق البحر الأبيض المتوسط ومناطقهم الاقتصادية الخالصة ومجالهم الجوي فوق بحر إيجه. ولا تتعلق أزمة التنقيب عن الغاز والنفط في شرق البحر الأبيض المتوسط على هاتين الدولتين وحسب، حيث إن هنالك دولاً أخرى،مثل: إيطاليا ومصر ، إذ لهما علاقة بالأزمة المتصاعدة ، إضافة إلى تضمنها لأبعاد سياسية متشابكة ومعقدة. . ولدى منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط أهمية جيو استراتيجية كبيرة منذ القدم، إذ كانت نقطة عبور تجارية واستراتيجية عبر التاريخ بالنسبة للمصريين واليونانيين والفينيقيين والفرس والرومان وسفنهم الحربية والتجارية .
وازداد الاهتمام بمنطقة شرق البحر الأبيض المتوسط باعتبارها منطقة غنية بالنفط والغاز في أواخر القرن العشرين، إذ قدَّر تقرير هيئة المسح الجيولوجية الأمريكية في عام 2010 وجود 3455 مليار متر مكعب من الغاز، و1.7 مليار برميل من النفط في هذه المنطقة الغنية جداً . وبخلاف الثروة الطبيعية التي تحتوي على جبال من الحديد والنحاس والكوبالت والفوسفات إلخ، تمثل هذه المنطقة أبرز نقاط عبور البترول والغاز من الشرق الأوسط إلى دول الاتحاد الأوروبي، إذ إنها تطل على ثلاث قارات هي آسيا وأوروبا وإفريقيا .وخلال الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية وبعدها، كانت ولا تزال هناك خلافات حول الحدود البحرية ومشاحنات حول أحقية الموارد والثروات الطبيعية، إلى جانب ضغوط جيوسياسية أخرى بالنسبة للعلاقات غير المستقرة بين اليونان وتركيا وقبرص وسورية والكيان الصهيوني .
من هنا بدأ يظهر الاضطراب الحالي بشكلٍ حاد وقوي إلى حدٍ كبير من اكتشاف رواسب ضخمة من الغازوالنفط الطبيعي في قاع البحر الأبيض المتوسط ، ويقدَّر أن حجم النفط المكتشف يبلغ نحو ملياري برميل، و4 تريليونات متر مكعب من الغاز الطبيعي، وتتحرك دول المنطقة جميعها بشكل طبيعي، لاستغلال هذه الثروات. وفي كانون الثاني من عام 2019، شُكّل كونسورتيوم للتنقيب عن الموارد يتألف من جمهورية مصر العربية وإيطاليا واليونان والأردن والسلطة الوطنية الفلسطينية والكيان الصهيوني ، من دون إشراك تركية من هذا الكونسورتيوم.هذا الأمر أثار حنق وغضب تركيا وقادتها ، لذا قامت الحكومة التركية بإرسال سفن التنقيب عن الغاز والنفط والحفر برفقة عدد كبير من السفن الحربية التابعة للقوات البحرية التركية. ودخلت سفينة التنقيب (أورتش رئيس) ما اعتبرته اليونان مياهها الإقليمية، خلال الصيف الماضي، ما رفع التوترات إلى مستوى حاد من جديد، أن الاتحاد الأوروبي أدان هذه التدخلات والاعتداءات التركية السافرة.
من الجدير بالذكر أن عمليات التنقيب في شرق البحر الأبيض المتوسط تديرها شركات روسية وإيطالية وأمريكية وفرنسية ، وهذا ما يضع دول هذه الشركات داخل دائرة التنافس الاقتصادي على الآبار المكتشفة. من جهته الاتحاد الأوروبي يسعى أيضاً إلى تعزيز أمن الطاقة، من غاز ونفط عبر تنويع مصادر الواردات، وتنويع طرق التوريد، إذ يُسهم غاز شرق البحر الأبيض المتوسط في تخفيف الاعتماد شبه الكلي لدول شرق وجنوب أوروبا على جمهورية روسيا الاتحادية ، ولهذا يحرص الاتحاد الأوروبي على تحقيق أقصى استفادة ممكنة من المنطقة. كما يهتم الاتحاد الأوروبي بمصالح الدول الأعضاء في الاتحاد مثل: اليونان وقبرص.
من الواضح تماماً أنَّ نقطة الخلاف الأخرى في هذا الملف الشائك هي بين اليونان وتركيا حول ترسيم الحدود الإقليمية في بحر إيجه، حيث اقترح رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس توسيع حدود بلاده في البحر الأيوني على طول ساحلها الغربي من 6 أميال بحرية إلى 12 ميلاً بحرياً، وقد حذَّر الأتراك من أنه إذا حاولت اليونان توسيع حدودها بالمثل شرقاً، أي في بحر إيجه نحو تركيا، سيكون ذلك سبباً لاشتعال حرب بينهما ربما تكون طاحنة . ويبدو أن أردوغان يراهن على استقرار بلاده وأمنها الاقتصادي عبر هدير المدافع والصواريخ ، إذ إن الحرب الكلامية بين بلاده من جهة واليونان وقبرص من جهة أخرى مستعرة منذ عدة أشهر. وفي هذه الأثناء هدّد الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على أنقرة، بسبب أفعالها غير القانونية والشريعية في المنطقة. كما دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى وقف الإجراءات العدائية التركية ضد اليونان وقبرص ، مشيراً إلى أنها خط أحمر لا يجب تجاوزه أبداً . ومن المحتمل أن تكون الخلافات الحادّة بين اليونان وتركيا هي الأخطر منذ عدَّة عقود ، كما يأتي في وقت تمرُّ فيه تركيا بأزمة اقتصادية حادة مع انخفاض قيمة الليرة التركية، إلى مستوى قياسي منخفض جداً.أما المعارضة التركية فإنها تقول إن الرئيس التركي أردوغان يحاول تشتيت انتباه الشعب عن المشاكل الاقتصادية للبلاد، ويعتمد بشدة على اللعب على مشاعرهم الوطنية، من خلال خلق أعداء خارجيين، كما أنه يعمل على تعزيز حكم الرجل الواحد والقائد الواحد ، مما يضعف ما تبقى من الديمقراطية التركية خلال هذه العملية. إنَّ المتابع الحصيف لمجريات الأحداث الدائرة في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط يدرك أنَّ هناك العديد من السيناريوهات التي تصبًّ في مصلحة روسيا، لكنه في نفس الوقت يتسبب في حدوث انقسامات خطرة في حلف شمال الأطلسي ( الناتو)، التي تعد تركيا عضواً بارزاً فيه. ولم يكن هناك أي انسجام بين اليونانيين والأتراك في الاتفاقات السياسية على مر العقود الطويلة الماضية ، لكن نادراً ما تشتد الخلافات بينهما لتصل إلى هذا الحد،وتصطف فرنسا بقوة مع اليونان ، في حين تحاول ألمانيا التوسط في المسألة وإيجاد حل مناسب يرضي الأطراف المتنازعة . ونظراً لأنَّ أنقرة تشعر بأنها تبتعد شيئاً فشيئاً عن حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي، فإن ذلك يعزز نزعة الرئيس التركي أردوغان للعمل مع جمهورية روسيا الاتحادية ، على الرغم من خلافاتهما في الشأنين السوري والليبي، ويجعل بلاده أكثر ميلاً لشراء أسلحة متطورة من روسيا، كما فعلت عندما اشترت أنظمة الصواريخ (أس 400.( الولايات المتحدة تحاول العمل كوسيط بين تركيا واليونان وقبرص وفرنسا ، وبالفعل اتخذ وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو خطوة عندما زار قبرص واليونان مؤخراً، إذ أشار إلى الحاجة إلى حل النزاعات سلمياً، داعياً الأطراف المعنية إلى عدم تصعيد التوتر. من المفارقات الصعبة التي تشهدها البلدان المتنازعة هو إنَّ حدوث أي مواجهة بحرية ينتج عنها إطلاق سفن حربية تابعة لحلف شمال الأطلسي ( الناتو) النار على بعضها البعض ، تبدو نتيجة سيئة جداً لا يمكن تصوّرها، إلا أنَّ ذلك يبقى احتمالاً لا يمكن استبعاده، في حين يرى خبراء مختصون أن المنطقة قد تدخل في حرب باردة تشهد معارك اقتصادية وإعلامية وسياسية، وربما تشهد أيضاً تدخل عملاء ووكلاء محليين في الشأن الداخلي للدول. ولا يشير التاريخ السياسي إلى سبب للتفاؤل بهذا الشأن، إذ تبقى مياه البحر الأبيض المتوسط مصدراً للخلافات والنزاعات البينية ، وأحياناً أخرى تعدُّ مصدراً للمخاطر الجيوسياسية بين الدول المتشاطئة معه.