( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
استمرت الولايات المتحدة الأمريكية باتخاذ المزيد من الخروقات الخاصة بعمليات التجارة العالمية ، على الرغم من أنها موقعة على الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة بتاريخ 1 كانون الثاني عام 1948 ، وانضمَّت إلى منظمة التجارة العالمية في أوائل عام 1995 ، وفرضت ما يزيد عن 120 حالة حصار وحظر منذ الحرب العالمية الثانية . ونحن نعرف أنَّ عمليات التجارة العالمية تسير عن طريق تجنُّب الحروب التجارية ، وهي الوظيفة الأساسية لمنظمة التجارة العالمية. وجميع الدول الأعضاء داخل هذه المنظمة يتوافقون على كل بنودها ويتعهدون بعدم فرض حواجز أمام أي بضائع، أو خدمات من أي نوع، أو فرض رسوم تمييزية ظالمة ضد البضائع المستوردة.
إنَّ اعتماد الولايات المتحدة الأمريكية على سياسات الخروقات وهذا النوع من الأسلحة تستخدمها ضد الدول، خاصة من تراهم أعداءها في العالم الثالث، فإنها تنتهك حرية التجارة التي ليست بتجارة وليست بحرة كما وصفها ناعوم تشومسكي. وعلى الرغم من أن هذه الوسائل المعتمدة أمريكيا يتم انتقادها بسلبية كبيرة من أغلب دول العالم، وأيضا من مجلس منظمة التجارة العالمية، والمحكمة الدولية، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية ماضية في تجاهل الجميع دون مبالاة ولا رادع ، ولا تعير اهتماما للقوانين النظرية ذات الصلة بالاتفاقيات التجارية، التي إن تم تطبيقها يمكن أن تكون ملاذًا لضحايا الإجراءات التي تتخذها الولايات المتحدة الأمريكية، وتعويضا منصفا للأطراف المتضررة، ولكن لا أحد يطالب الولايات المتحدة بتعويضات ضرورية ، ويواجه التهديد الأمريكي بتهديد مماثل، يمكنه أن يكبج جماح مُضِيها في مثل هذه الأساليب الدولية. وقد فاقمت مرحلة دونالد ترامب الرئاسية، إلى ربط العلاقات التجارية وجرّها إلى قنوات غير اقتصادية، وفي سياق حصارها الاقتصادي والتجاري لجمهورية إيران الإسلامية ، قامت الولايات المتحدة في الأيام القليلة الماضية، بفرض غرامة مالية على الإمارات العربية المتحدة قدرها أربعمائة ألف دولار، بسبب تحليق طيران المطبّع الجديد مع حليفتها الكيان الصهيوني فوق المجال الجوي الإيراني، المحظور من وجهة نظر أمريكية، على الرغم من أنَّ دولة إيران كانت إلى أمدٍ قريب مصدر خير بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ، وأصبحت في نظرهم مارقة، بعد أن انسحبت من النظام الامبريالي عام 1979. ولم تعد تنفذ توصيات القيادة الأمريكية والبيت الأبيض أو تتبع الأوامر. ومنذ ذلك الحين وهي تُعتبرُ (شرا) في سياق النظر إلى تهديد القومية الاستقلالية من زاوية عدائية تماماً .واعتقادي الشخصي أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية تتمنى أن تعود إيران إلى زمن الشاه محمد رضا بهلوي، الذي أعادته إلى الحكم سنة 1953 بعد أن دبرت المخابرات المركزية الأمريكية ( CIA ) سي آي إيه، انقلابا للإطاحة بحكومة مصدَّق المحافظة، واعترفت المخابرات الأمريكية بمسؤوليتها عن ذلك عام 2013، وإن كانت العملية قد تمت بمشاركة المخابرات البريطانية.( SIS ) بخاصة في ظل وجود هوس المضاربة والاحتكار التجاري الذي كشف عن اقتصاد عالمي تعمه الفوضى وفقدان التوازن ومن ثم الخراب ، وأصبحت مسرحاً لنزاعات جيوسياسية عظمى يصعب تفاديها .وفي خضم لجم القوميات التحرّرية ، فقد أوصى مجلس الأمن القومي الأمريكي منذ العام 1958 بضرورة قيام الولايات المتحدة الأمريكية بالتحضير لاستخدام القوة، سواء بمفردها أو بالتعاون مع بريطانيا، لضمان الوصول إلى النفط المستخرج من وطننا العربي . واعتبِر نفط الخليج العربي ضرورة لا غنى عنها، لاستمرار التطور والتقدم الاقتصادي للولايات المتحدة الأمريكية ، ولدول أوروبا الغربية تحديداً، ولأجل ذلك واشنظن الدعم والمساعدة لبريطانيا، لاستعادة سيطرتها على الكويت والخليج العربي. وحرصت القوى الاستعمارية التقليدية على ضرورة إبقاء شعوب منطقة العربية بشكل ٍ خاص وشعوب منطقة الشرق الأوسط بشكلٍ عام ،أسارى لنمط اقتصادي بدائي، مع ضمان بقائهم في جهل وتأخر وتخلُّف ، يعانون الفقر المدقع والمرض والصراعات الإثنية والعرقية. ومن ثم الحروب الأهلية والمشاكل الحدودية. من جهة أخرى فإنَّ طبيعة العلاقات الدولية، تتحول النزاعات التجارية إلى حروب عقابية. والسلطة المحلية صارت مرتبطة بالسلطة الاقتصادية بشكلٍ أو بآخر ضمن تركيب الحكم في الدولة في العقود الأخيرة. وحقيقة التنافس المؤلمة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، تحوَّلت إلى حرب تجارية متواصلة، على الرغم من أنَّ تعامل الولايات المتحدة مع الصين في ما يخص العقوبات التجارية دائما ما كان يتم بمكر، حتى لا تُمَس الأرباح الأمريكية بعد أن فتحت الصين أبوابها للاستثمار الأجنبي،وانضمت بشكلٍ عملي إلى نادي الرأسمالية والسوق الحرة، وهما يخوضان صراعا جيوسياسياً بعناوين اقتصادية، وإن تجاوز التنافس مداه الأقصى ، سيخلّف آثاراً مدمرة. ومن الممكن فعلياً أن تصل الصين إلى تغيير موازين القوة عالمياً، والقطع مع الطريقة التي يتم بها توزيع القوة الاستراتيجية على مستوى العالم منذ عقود. وهي تدرك أن إضعاف الدولار كعملة الاحتياطي العالمي، هي المقدمة لإضعاف القوة الجيوسياسية للولايات المتحدة الأمريكية ، ووجود تغير في الأوضاع الحالية للاحتياط النقدي هو بمنزلة المعادلة الحاسمة. وعلى الأسواق أن تقبل بأي عملات احتياط جديدة. حتى لا تبقى تحت سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية ، مُعرضة للأزمات بشكل دوري، ويتواصل في سياقها ارتطام الحاجيات والضروريات البشرية بأيديولوجية متغطرسة.