( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
ما زال الفكر الثقافي العربي الموسوم بأنه فكر ثقافي تقليدي يتدحرج نحو الأسفل متشظياً، نتيجة معاناته من الصدمة المعرفية الابستيمولوجية الخارجة عن محنة عدمية الانفتاح والحوار مع الآخر ، بل والانتقاص منه والإساءة إليه ، وبعد تبرؤ الثقافي من السياسي كون الثقافي يعتبر السياسي صاحب مصلحة (براغماتي) ويعتزُّ بأنانيتهُ، أي يعتبره (منخفضاً إلى مستوى نقابي) وهنا تتمظهر عملية الاستعلاء على الدونية ، وانتهاءً بعطالة السؤال الثقافي عن انتاج عوامل حراكهِ وجدلهِ وخروجهِ عن قلق الانطولوجيا والتدوين التاريخي ـ حسب رأي المفكر الراحل مطاع الصفدي ـ ، عبر هذا المنظور لم يعد الفكر الثقافي العربي حزباً إيديولوجياً حسب عبارات أنطونيو غرامشي الفيلسوف والمناضل الماركسي إيطالي الجنسية ،والذي يُطلق على فكره اسم الغرامشية التي هي فلسفة البراكسيس (النشاط العملي والنقدي _ الممارسة الإنسانية والمحسوسة)، بل أطلق عليه غرامشي حزب نفسَه يسمع رنين صوتهِ ، صوتَ مصلحتهِ الخاصة لأنه براغماتي بامتياز ، مصلحة عائلته الصغيرة وعائلته الكبيرة، شريحته الاجتماعية ، أو شخصهِ فقط، متحوِّلاً من جماعةٍ سياسيةٍ مفتوحةٍ إلى جماعةٍ نقابيةٍ أو عائلية مغلقة تمام الإغلاق ،هذا الفكر الثقافي العربي ( الواهن ) ما زال يعاني من اشكالات محنته المتفاقمة ازاء ايدولوجيا النصوص وفقهيتها (التطهيرية ) وهبوطها المتسارع غير المُقََّدس على أرض العُصاب الديني المتحجِّر والمنغلق على ذاته، وتاريخ المُدن السرانية التي تبطن ماهو أخلاقي ولا أخلاقي .. الفكر الثقافي الجديد أصبح ضحيةً غريبةً لهذه القراءة الاشكالية للتاريخ المتدحرج وتداول النص واشكالات مفاهيمه الإجرائية ،إذ فَقدَ إزاء لاعقلانيتهِ الكثير الكثير من اطمئنانه واستقراره ، ونمطه القياسي في التعاطي مع مفهومات الثورة ومفاعيلها ، والمُقَدَّس ، والأهلية والمعيش ، والحاكمية والسلطة الفاعلة المُسَيطرة ، والرفاهية اللا محدودة ،والايديولوجيا وماهيتها وارتداداتها ومفاعيلها إلخ ... ولاشكَّ أن َّمرحلة ما بعد الصدمة لم تزل غائمةَ ومخفيةَ ومرعبة في آن، بل تربض تحت التراب مدفونةَ وكامنة ، ولم يؤسِّس لها العقلُ( السسيو سياسي) العربي مقدماتِ وميكانزمات إجرائية متموضعة في الواقع المُعاش أو شرعيةَ في إطار التوافق بين البنى المعرفية الأبستيمولوجية والاجتماعية ، وبذلك وتؤمِّن للطبقة الحاكمة المسيطرة رضى الطبقات الأخرى الأدنى وقبولها بقيادتها لها دون احتجاجِ أو تذمُّر . وبهذا تكون قد تم تدجينها ، غير أنَّ ما يؤمِّن توحيد هذا كُلَّهُ هم المثقفون الذين تنميهم كل طبقة لتؤمِّن هيمنتها عبرهم وبمساعدتهم . فمهمَّةُ المثقفين هي نشر تصوُّر الطبقة للعالم أجمع وتأكيده في وجه مثقفي وتصورات طبقات النظام القديم المتهاوي، أو النظام الذي يرهص بالولادة. لقد ظلَّت هذه المرحلة مأخوذةَ بقوة جاذبة ونابذة في آنِ معاَ إلى آليات العنف الرمزي ،والنظام الطقوسي القائم على أساس قصديّة الهيمنة والموقف التاريخي،إذ فقدت الكثير من وقائعها وحضورها ، وبات حضورها باهتاً عبر ايهامات انتاجها الرمزي للقوة المتصاعدة ، والحكم، وبشكل تجاوز نسق التخمينات والتوقعات وحسابات الفكر الثقافي التقليدي ذاته. و لأنَّ الصراع على التماهي مع ثقافة السلطة التي تتمتّع بالمراوغة وعدم الثبات إلا من ناحية العنف وامتلاكها للقبضة الحديدية ، باتت الثقافات الاجتماعية و ( السسيو ـ سياسية ) و(السسيوـ ثقافية ) الهامشية (غير السائدة) تخوض حرب مواقع إلى ما لا نهاية .كما يؤكد ذلك انطونيو غرامشي مؤسس مفهوم ( الهيمنة على الثقافة كوسيلة للابقاء على الحكم في مجتمع رأسمالي ).