( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
نتيجة التطورات والمتغيرات المتسارعة في العالم وفي وطننا العربي ،ونظراً لما يستجد من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية على المجتمع، تتزايد الحاجة إلى نوعٍ جديدٍ من المناهج التربوية والتعليمية والثقافية لمواجهة تلك التطورات الوافدة، والتي أصبحت تتجاوز قدرات وإمكانيات النظام التعليمي التقليدي العربي ، الذي تم وصفه بأنه يقف على حدود المعلومات القديمة المتكلِّسة والبالية في كثيرٍ من الأحيان، إذ لم يعد من المقبول على الإطلاق أن نتصوَّر أن يكون هناك منهج ثابت جامد على الدوام ، لا يستجيب لما تقتضيه عوامل التطوَّير والتغير والمراجعة. ومن أجل ذلك سعت العديد من الدول العربية إلى مراجعة أنظمتها التعليمية ومناهجها الدراسية التي مضى عليها عشرات السنين ،سواء كان ذلك استجابة منها للضغوطات الداخلية التي تحتِّم عليها مواكبة متطلبات عصر التكنولوجيا الحديثة ، والتطور السريع للمعرفة ،وطغيان المعلومات عبر الشابكة ، أو كاستجابة منها للإملاءات الخارجية التي تنادي بالتغيير إن كان عن طريق الدبلوماسية الناعمة أو انتهاج دبلوماسية المدفع التي تستخدمهما الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية على شعوب ودول العالم بما فيها بلداننا العربية ، ومن هنا كانت أهمية مسالة تغيير المناهج التربوية أو تطوّرها خاصَّة أنَّ هذا الملف لا يزال مفتوحا على جدلٍ واسعٍ وكبير بين مؤيد ومعارض من داخل الوطن العربي ومن خارجه ، بخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمر ولتهيار برجي التجارة العالميين . فماذا نعني بالتغيير ، هل هو الابتعاد عن كل الأشكال السلبية التي وُجِدَتْ في الماضي والحاضر حتى لا نعوِّق التقدم نحو المستقبل. هل المطلوب أن نتناسى ماضينا وتراثنا الثر ؟، أو نكون مجرد ناقلين مقلِّدين ومتقبلين لإملاءات الآخر وشروطه دون تدقيق أو تمحيص وتحليل، على الرغم من تباين المفاهيم والقيم وتناقضها أو التباينات الثقافية التي ينتمي إليها كل مجتمع. فمناهجنا التربوية والتعليمية في وطننا العربي تحفل بكم كبير من النصوص الأدبية والفكرية والفلسفية والثقافية ، والأمثلة التي تحث على الصدق والالتزام بالحق والجهر به، والأخلاق السامية ، وكذلك تحث على الأمانة والصدق والنزاهة . وربما كان ما تحفل به هذه المناهج أكثر مما تحفل به المناهج في الدول الأخرى من خارج وطننا العربي ، وهذه حقيقة ،وهي تنبذ النفاق والكذب والغش والفساد والتزوير . ومع ذلك فإن ما تشهده ساحاتنا العربية من ممارسات بعيدة عن الصدقية، والحق والحقيقة واستشراء الفساد بكافة أشكاله وطبائعه ( الفساد المالي والإداري والاقتصادي والسياسي والثقافي إلخ) يدلُّ على أنَّ هناك فرقاً شاسعاً بين المبادئ الحافلة بها المناهج التربوية والتعليمية ، وبين الممارسات السائدة ة والنهج الحياتي على صعيد الواقع الذي نعيش .لكن هناك العديد من الأسئلة المشروعة والتي تطرح نفسها بقوّة ، منها على سبيل المثال لا الحصر : هل قنوات التعليم بحكم أنها تلقينية في الأسلوب وبسيطة في الطرح عاجزة عن ترسيخ المبادئ السامية التي تحفل بها ؟، أم غياب الأمثلة على صعيد الواقع والمناخ السائد بممارساته على صعيد الواقع هو الذي يخلق هذا التناقض وهذا التباين بين المبادئ والممارسة؟ ولعلَّ هذه الممارسات في الأطر السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها تتبدَّل وتتغيَّر وتتلون بلون هذه الأطر، ولكن يجمع بينها أنها ممارسات تستمرئ النفاق والمراوغة والفساد المتوحِّش إلى حدٍ كبير لا يُطاق ، ولذلك فهناك النفاق السياسي، والنفاق الاجتماعي والنفاق الثقافي وجميعهم طغوا وانتشروا كالطوفان ودون أي رادع . 
والنفاق السياسي والمراوغة والبراغماتية يبدو أنهم قد طغوا على الساحة العربية، وبشكلٍ علني وفاقع بل ومفضوح ، وربما كانت غلبة الاستبداد بكافة طبائغه في كثير من الأحيان منتجة لهذا اللون من النفاق الفريد من نوعه ، والذي يمارس أكثر مما مارسه الوزير الألماني كوبلز في عهد أدولف هتلر النازي . وعادةً ما يروّج للنفاق السياسي بعض أصحاب القلم من كتَّاب ومفكرين وصحفيين ومثقفين ، وينحون هذا المنحى ابتغاء مرضاة أصحاب القرار في السلطة ، أو رغبة في الحصول على مغنم أو اتقاء مغرم ، بخاصة وأنَّ العقوبات في بلداننا العربية زاجرة ، والدخول إلى السجن يعني مرحلة من العذاب المرير والقاسي الذي لا يتحمَّله بشر . وبحكم أنهم يملكون ناصية الكلمة فهم الأقدر على ترويج النفاق السياسي واللعب على عقول الآخرين ، وعلى ركوب موجة السلطة والارتماء على أحذية فئة محدَّدة من المسؤولين بخاصة كبار الضباط في أجهزة المخابرات العربية للوصول إلى غاياتهم . ويكون الإعلام عادةً هو وسيلتهم في نشر النفاق السياسي بكل طبائعه ولعلّ الإعلام الرسمي يستقطبهم مع أنهم قد يستقطبون أنفسهم، أي ـ يروِّجون لأنفسهم ـ ، وتفتح لهم أبواب الإعلام الرسمي على مصاريعها . ولكن الفضاء الإعلامي الواسع قد تكون أبوابه مشرعة لهم ولغيرهم وليس كما هو الوضع على ساحة الإعلام الرسمي فهم الفرسان الوحيدون على هذه الساحة ، ولا يوجد لهم أي منافس ، كما يمكن أن يتم افتتاح العديد من القنوات الفضائية على أنها قنوات مستقلَّة وخاصَّة يملكها رجال أعمال أو أحزاب أو ساسة ، لكنها ضمنياً تكون تابعة للدولة ، ويتم العمل فيها ضمن منهاجٍ محدَّد مدروس بعناية . 
         ونحن نرى من وجهة نظرنا أنَّ الفضاء الإعلامي الواسع تجد فيه . بعض ردَّات الفعل لهذا التيار النفاقي حضوراً، وإن كان في كثيرٍ من الأحيان تعبيراً عن احتقان سياسي ما . وفي الفضاء الإعلامي الواسع ونتيجة تضارب المفاهيم والآراء يختلط الحابل بالنابل، ويختلط النفاق السياسي بكافة طبائعه بردَّات الفعل المناهضة لهذا النفاق، ومن السهل اتهام الغير بالعمالة والجاسوسية والإرهاب وارتكاب الجنايات إلخ ، كما أنَّ الشبكة العنكبوتية الإنترنت تظلُّ باباً مشرعاً لهذا التلاطم بين أطياف النفاق السياسي وردَّات الفعل المناهضة للنفاق السياسي أو التلاطم بين أطياف النفاق السياسي وأطياف الاحتقان السياسي من مؤيدين ومعارضين ورماديين . ولما كانت سيطرة الاستبداد والطغيان حاضرة في كثير من الأحيان على الساحة العربية، فإن النفاق السياسي بكل طبائعه لابدَّ أن يكون حاضراً بقوة في المستنقع ، كما أن الفساد السياسي لابد أن يكون حاضراً مع أطياف الفساد الأخرى لأنهم جميعاً يسبحون في مستنقع الرذائل ويمارسون شريعة الغاب .
هذه القضية الهامة والخطيرة تحتاج إلى دراسة عميقة مبنية على أسس علمية ممنهجة ، كما تحتاج إلى تمعُّن أكبر، ومعروف أنَّ حرية الرأي وحرية التعبير ومنظومة الديمقراطية بما تشملانه من حفظ للحقوق والحريات وسيادة القانون واستقلال القضاء هما الذين تفرز مناخاً تتنفس فيه الكلمة بحريةٍ من دون أن تنتهك حرمتها وشرفها ، ويصبح الصدق والثقة ممارسة وليس مجرد مبدأ يفصله عن الممارسة مساحة شاسعة جداً، وحينئذٍ لابد أن تتقلَّص إلى حدٍ كبير ظاهرة النفاق السياسي بكافة طبائعه ، وكذلك ظاهرة الفساد والنفاق السياسي المتفشي ، وما يرتبط به من كل أطياف الفساد التي قد تؤجج ثورة الشارع مطالبةً بالحرية والانعتاق من ربقة الطغيان ومحاسبة الفاسدين والمفسدين .