( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
لدى قراءة نص الدكتور عزمي بشارة الروائي ، تتوالد حالة ينضفر فيها الوعي بالعالم مع الجوهر المرغوب للعلاقة بالمجتمع، علاقة تتمثل آيتها في أنك منبثق من هذا المجتمع لا في أنك مجرد مضاف إليه. وبذا يتم اختزال الطريق، في مسار مخاطبة الوعي، بين ما هو قائم وبين الدلالات المضادة التي تستدعي كل من يتشبث بها. ‏ 
     هناك في (دولة الحاجز) أو في (منطقة الظل) أو في ما يستبطنه نشيد الأنشاد الذي لهم والمغاير لـ ( نشيد الأنشاد الذي لنا ) شيء مختلف ، عندما تشرق الشمس وتلقي بظلها على الناس تتشوه الكلمات والمعاني، والرواية ،والثقافة، والهوية، بعدما حاصرها الحصار، وبعدما اقتصرت الأعمال الإبداعية في العقد الأخير على قصيدة هنا وديوان هناك يوزع حصراً على أصدقاء الشاعر، وغالباً ما يبقى مفهوم القصيدة محجوزاً في أحشائه بعيداً عن الهم العام، لنكتشف بعد حين أنها ثورة في الباطن. وسقوط مميز للأقنعة في العلن مع فقدان الناس جرأتهم في زمن استهلاك الحاجيات واستهلاك الكلمات إذا استهلكوها أصلاً. فكيف لنا أن نكون أمام رواية حياة غزلها الدكتور بشارة ونسجها ضمن ثلاث (روايات ) تبحث في العمق الإنساني، وفي الوجع الطاغي على الجموع. 
       لا (يصنع) عزمي بشارة، في عمله الروائي (حب في منطقة الظلّ) (رواية شظايا مكان) الصادر في طبعتين فلسطينية وعربية، وهو العمل الروائي الثاني له بعد (الحاجز) (شظايا رواية)، تشظية للمكان الذي يكتب عنه، فإن المكان نفسه متشظٍٍ أصلاً ، و(منطقة الظل) التي تستهويه حتى في سبيل إشهار الحبّ هي إحدى نتائج هذه التشظية، غير الخافي أنها بفعل فاعل معروف لا مقدر بضمير مستتر، وبالتالي فهي سرعان ما تجعل المكان المجرد واشياً بمكان محدد، جغرافياً وإبستمولوجياً. أما هوية ذلك الفاعل فهي مسألة لا يجوز توصيفها بأن (فيها نظر) ،كما أنه لا يجوز تأويلها، وذلك لمجرد أنَّ الكاتب يوظف في الإلماح إليها العديد من الدلالات الخفية في علاقة القاهر بالمقهور، في جهة ،وفي علاقة المقهور بذاته المتشظية إلى ظلال تكاد أن تضبّب الذات نفسها، في جهة أخرى، موازية ومكملة. أما عمله الروائي الثالث فهو (نشيد الأنشاد الذي لنا) الصادر عن المركز الثقافي العربي في بيروت والدار البيضاء،والذي يقول عنه د . عزمي بشارة : ( إن الكتابة الفكرية السياسية التكتيكية تخضع لحسابات النتائج، وهو ما تتحرر منه الكتابة الأدبية ،لم يكن اختياري أن استعمل مفردة «يصنع» اختياراً عشوائياً. فإذا كانت الكتابة في عرفها المنطقي الشائع والمتداول، هي فعل إرادي فإن هذا الفعل يحيل أكثر شيء، لدى إبداع الأدب، إلى الصنعة الأدبية، فضلاً عن معايشة عمق الظاهرة موضوع الكتابة) ‏. 
      وفي واقع الحال فقد اشتغل د. بشارة كثيراً على الشكل الفني للكتابة ـ وبشكل خاص الرواية، وقد حقق خلال هذا الاشتغال منجزات عدة يُشار إليها بالبنان. فقد سعى الكثيرون إلى التركيز عليه كـ (داعية سياسي) وأهملوا نتاجه الأدبي الثر المتساوق في عمقه مع نتاجه الفكري ، كما لا ينفك البعض يفعل لغاية قميئة في نفس يعقوب، يتساوى مع محاولات لم تتوقف لاغتيال فنية مشروعه، التي هي آصرة عضوية في الجسد المتكامل لإبداعه المستمر والمتميز.. ولا أظن أننا نبالغ حين نقول إن د. بشارة في أعماله الأدبية الثلاث يهجس أساساً بـ (تقطير) مفاعيل التشظية في الكينونة الفلسطينية العامة إلى جوار الهجس الفني بـ (صناعة) التشظية نفسها، إذا جاز التعبير، وقد أتت هاتيك الروايتين ( الحاجز ) و( حب في منطقة الظل ) بمنزلة إرهاص بذلك ولئن بدا (الحاجز) حاملاً لهاجس تشظية الرواية، عن وعي تام من جانب كاتبها، فإن كتاب (حب في منطقة الظلّ) قد ارتفع إلى مصاف الرواية بمعاييرها المتعارفة كي يستوعب شظايا المكان، أو كي يجعلنا نستوعب شظايا المكان في واقعنا المعاش في إطار قالب، وسّده بما تملك ملكته الأدبية والفكرية. بيد أنه في هذا العمل الرائع قفز الدكتور بشارة (الكاتب) إلى الأمام والى العلو قفزةً كبيرةً في المعلوم، وهذه خصيصة تُسجل له لا عليه ،ويصعب علينا القول: إن هذه القفزة مهدت لها لغة القص فقط، فلقد أثبت د.عزمي بشارة في إهاب الروائي قدرة خاصة اتسمت بالرفعة والسمو على تطويع اللغة، وعلى استثمار جماليتها الأخّاذة منذ عمليه السابقين، إنما مهدت لهذه القفزة ضمن أمور أخرى فنية القص، ولا أقول تقنيته، وهو ماضٍ قدماً على يد صاحبه في سرد الحياة بعد تجريدها كرواية من لحم ودم، من حبر وحروف ومفردات. ووصف الإبداع والمنجز الإنساني المتعلق به بالصيرورة المتصاعدة والمتطورة باضطراد، عبر مسارات جدلية تخلق تناقضاتها من داخلها.أما عمله الروائي الثالث ( نشيد الأنشاد الذي لنا ) والمختلف عن عمليه السابقين (الحاجز ) و (حب في منطقة الظل ) فهو يتجاوز التقسيمات الأدبية من شعر ونثر ، وهو نص أدبي قائم بذاته إلا أنه استخدم أفضل أداة للتعبير عن مسألة اختلاط العلاقة بالمكان ، وهو لغة عربية فلسطينية معاصرة تقابل ( العبرانية القديمة ) التي هي ميثة في أفضل الأحوال . لقد نسج د. عزمي بشارة عمله الروائي ( نشيد الأنشاد الذي لنا ) صيغة المعارضة الأدبية لسفر التوراة ( نشيد الأنشاد ) الذي لسليمان . وهو نص أدبي نُسج بخصوبة التعبير الجمالي الحسي الراقي لغةً وصورة . إنه إيقاع يصوّر ويعبّر عن مشاعر وهواجس إنسان على لسان عاشقة في علاقتها بمحيطها الإنساني والطبيعي ، بما فيه من مشروع شخصي وعام وفجيعة شخصية وعامة ، وبما فيه من تفاصيل الحياة ، إذ يرتبط الدكتور بشارة بها متأثراً ومتابعاً للتفاصيل عارفاً بمختلف ما تحمله وما تستبطنه من دلالات عميقة ، وهذا ما فعله د. بشارة في عمليه الأدبيين السابقين . إنَّ النص التاريخي يشكل علاقة عشق مع بلده فلسطين ومعالمه وأسماء أماكنه عبر علاقة عشق أو أغنية أعراس أو نص أدبي أو غيره ، ومن هنا تنبع رومانسية النص المعارض وأدواته التي قد يحسبها البعض فلكلوراً ورومانسية إذا لم يقرأ نشيد الأنشاد . ، يقول سفر (نشيد الأنشاد ) الذي لـ ( سليمان ) في التوراة وهو من أسفار الكَتَبة : ( 1: 13 – 14 ) : ( حبيبي صُرّة مُرٍّ لي ، هاجعٌ بين نهديَّ) ،( 2: 6 – 7 ) ( تحت ظله اشتهيتُ أن أجلسَ ، أتى بي إلى قاعة احتفالهِ ، ورايته فوقي ، اسندوني بأقراص الزبيب ، أنعشوني بالتفاح ، شماله تحت رأسي ، ويمينه تعانقني ، أستحلفكن يا بنات أورشليم بظباء الصحراء وأيائلها ألَّا توقظن أو تنبهن حبيبي حتى يشاء ) ،( 4 : 2 – 7 ) (أسنانكِ كقطيع مجزوز خارج من الاغتسال ، شفتاكِ كخيط من القرمز ، وحديثُ فمك ِ عذبٌ ، وخدّاكِ كفلقتي رمانة خلف نقابكِ ، عنقكِ مماثل لبرج داود المشيّد ليكون قلعةً للسلاح ، حيث عُلِّق فيه ألف ترسٍ من تروس المحاربين الصناديد ، نهداكِ كخشفتي ظبية توأمين يرعيان بين السوسن ) ،(4 : 8- 13 ) : ( تعالي معي من لبنان يا أختي يا عروسي ، تعالي معي من لبنان ! أنظري من قمة رأس أمانة ، من رأس سَنيِر وحرمون ، في عرين الأسُود ، من جبال النمور ، قد سلبتِ قلبي ، يا أختي يا عروسي ! قد سلبتِ قلبي بنظرةِ عينيكِ وقلادة عنقكِ ، ما أعذب حُبُّكِ يا أختي يا عروسي ! لكم حُبُّكِ ألذُّ من الخمر، شفتاكِ تقطران شهداً أيتها العروس ، وتحت لسانكِ عسلٌ ولبن ، ورائحة ثيابكِ كشذى لبنان ) . أيضاً ورد في سفر نشيد الأنشاد (1:7-13): (دوائر فخذيكِ كحلي صاغتها يدا صائغ حاذق. سرّتك كأس مدورة مزاجها لا ينقص، وبطنكِ صبرة حنظل يسجيها السوسن، ثدياكِ كحشفتي ظبية تؤامين. عنقكِ كبرج من العاج، وعيناكِ كبركتي حشبون عند باب بنت الجماعة. وأنفكِ كبرج لبنان الناظر إلى دمشق. رأسكِ عليكِ مثل الكرمل، وشعر رأسكِ كأرجوان ملك مربوط بخصل. ما أجملكِ أيتها الحبيبة وما أشهاكِ في الملذات. قامتكِ مثل النخلة، وثدياكِ مثل العناقيد. وعرف أنفكِ كالتفاح وحلقكِ كخمر طيبة تسوغ بلذة لحبيبي وتسيل على شفاه النائمين). كذلك هذا المقطع من نشيد الأنشاد يؤكد ما قدمناه، حيث ورد في نشيد الأنشاد (10:8-14) ما يلي: (أنا سور وثدياي كبرجين منذ نلت حظوة في عينيه.. الخ). 
هذه الأناشيد منسوبة إلى سليمان بن داود، ويُطلَقْ عليها اسم (شيرهاشيريم). وتتألف من ثمانية إصحاحات التي تحتوي على القصائد الشعرية والأناشيد التي تُغنى في الحفلات والأعراس، وخاصة في أعراس الملوك وغيرهم. وأغلبها يحمل الطابع الغزلي الذي ينشأ بين العشّاق للتعبير عن مدى ارتباط المحب بحبيبته ،وفي محاولة للهروب من الانتقاد اللاذع اعتقد غلاة اليهود الحسيديم والحريديم والبعلشاميين والقبّاليين والقرّائين ، أنَّ الغزل يجري بين يهوه وإسرائيل. كما يعتقد توادوروس الموبسيوستي بأن هذا النشيد هو بالأصل قصيدة ذات معنى علماني وهذه القصيدة تشبه قصيدة عرس التي أدخلت على المزمور (45) من مجموعة المزامير( مزامير داود) في التوراة .
     هذا هو نشيد الأنشاد الذي لسليمان ، فيه من العهر والإباحية ما يجعله بعيداً عن أي نصٍ مقدّس ، وفيه من الحرب وأدوات القتل ما يكفي لمزج العهر الجسدي بالعهر السياسي والعسكري ، فكيف يمكن أن يقترن الجمال الأنثوي الإنساني (عنقها ) بالقلاع المشيّدة والمحصّنة بالأسلحة الفتّاكة وبتروس المحاربين الصناديد ، وكيف يمكن تبرير سفاح القربى في قوله يا أختي يا عروسي ؟؟؟؟ وكيف يتم سرقة بلادنا وأراضينا التي حملت روح العصر الإنساني وأشادت عليها أرقى حضارة إنسانية ، وشهدت مهبط الديانات السماوية ؟؟؟؟ ،هنا ينتفض الدكتور عزمي بشارة ليؤكّد أن الحب الإنساني الصافي على أرض فلسطين ولبنان وحرمون وكل أرضٍ عربية ، هو حُبٌ فيه كل السلام والأمان والطمأنينة وأنَّ سفر نشيد الأنشاد الذي لنا يختلف كلياً عن نشيد الأنشاد التوراتي الذي لـ (سليمان) .   
   يقول الدكتور عزمي بشارة في نشيد الأنشاد الذي لنا والمتضمن تسعة إصحاحات وملحق من تسعة هوامش .. في ردّه على نشيد الأنشاد الذي لـ ( سليمان ) معتزاً بتراثنا العربي الأصيل وتنهيدةُ تلك البيوتِ العربية الصغيرة التي يصدح منها طرَبُ التجاويدِ القرآنيّة ،وفيضُ التراتيلِ الشجيَّة، والشعرِ العربيّ، وحبُّ النبيّ ، وأبي الطيِّب المتنبي، وعمرَ والحسينِ وعليّ، وخالدٍ وصلاحِ الدين وابنِ عربيّ، ويوحنا فمِ الذهب وسمعانَ العموديّ ،وأبي العلاء والبحتريّ ،أنا وِشاحُ الحسناواتِ وقدود الموشَّحاتِ، أنا الخجلُ الشرقيُّ، والشبقُ الخجولُ ،أنا في صيفِنا القائظِ نسمةٌ عليلة.إلخ...... 
    كما يردُّ د. عزمي بشارة على نشيد الأنشاد الذي لـ ( سليمان ) التوراتي الذي يتغنى ببنات أورشليم ، أنَّ فلسطين لها بناتها المعتصمات بالقدس والمقدسات أستحلفكن يا بنات فلسطين، وبالحرم وما استعصى على الهدم ، بالصابر على الضيم ، وبالثائر على الظلم في المنفى ، وفي الداخل وما تبقى في غزة من الساحل .     

يقول الدكتور عزمي بشارة في إصحاحه الثاني :
قال لي: 
لكِ نكهةٌ، لم أصادفْ مثلها
ليس نهداي "رمّانًا ناضجا"
ولا "خِشْفَتي ظبيٍ ترعيان" 
ليست شفتايَ سوسنا
وإن خابَ ظنُّ سُلَيمانَ
فأنا عبقُ فيجَنِ الجليلِ المنثورِ
على حبّاتِ الزيتونِ
ميرميّة مفروكةٌ على كفّين
أنا تبغُ جنوبِ لبنانَ
وشمالِي فلسطين
يدبغُ الأصابعَ والشاربَيْن
زهرُ ليمونِ الساحل
وجبلِ عامل
رائحةُ تفّاحِ الجولان
ما تبقّى من غوطةِ دمشق
زهرة الشرق
نوّارُ اللوزِ 
يعزفُ الأبيضَ بالأبيضِ
أنا بعدَ الربيعِ
قلقُ انتصافِ العامِ
ووخزُ السؤالِ
عن تسارعِ الأيامِ
عن تدهورِ الأحوالِ
عما جرى
عن المصيرِ، عن المآلِ
أنا في تشرينَ لونُ البرتقالِ
وفي كانونَ
حادي القوافلِ
من السندِ والهندِ إلى المهدِ
بذهبٍ ومرٍّ ولبان
ما لبث يعطِّرُ الطريقَ
إلى بيتِ لحمَ العتيقة
حتى حوصِرَت بجدران
أنا فوْحُ خليطِ الجوزِ واللوزِ والسكّر وأعواد القرفة وجوزة الطيبِ
وماء الوردِ
شذا خلطِ كعكِ العيدِ 
بفرحِ ولدٍ سعيد
مُسِحْتُ بدهنِ العودِ
سيدةً عليهِ وأميرةً له
أنا عطرٌ صباحيٌّ
يتلألأُ في قطراتِ الندى
على أوراقِ الليمون
أنا فلٌ في الزَّرِيعةِ المنزليةِ
حبقٌ في صفائحَ لوَّنها الفقراءُ
على مداخلِ بيوتٍ صغيرةٍ
يسكنُها مؤقّتا منذُ ألفِ سنة
مهجَّرون في بلادِهم
ولاجئون في بلادنا
ابنةُ تلك البيوتِ أنا
كانَتْ خيامًا، وكبِرَتْ صفيحًا
وشاخت اسمنتًا صريحًا
كنتُ الياسمينَ على
فسحةِ الأملِ 
كنتُ غطاءَ الفضيحة...
أنا رشفةٌ صباحيّة
تقرأُ سرَّ الحياةِ 
بفنجان قهوةٍ عربيّة
صفنةُ أهلِه على الشرْفَة
تنهيدةُ تلك البيوتِ الصغيرة
طرَبُ التجاويدِ القرآنيّة
وفيضُ التراتيلِ الشجيَّة 
والشعرِ العربيّ 
وحبُّ النبيّ
وأبي الطيِّب المتنبي
وعمرَ والحسينِ وعليّ
وخالدٍ وصلاحِ الدين 
وابنِ عربيّ
ويوحنا فمِ الذهب وسمعانَ العموديّ
وأبي العلاء والبحتريّ
أنا وِشاحُ الحسناواتِ
وقدود الموشَّحاتِ
أنا الخجلُ الشرقيُّ
والشبقُ الخجولُ
أنا في صيفِنا القائظِ
نسمةٌ عليلة
تَعْـثُرُ لوالدِي كلّ يومٍ
على سببٍ للعيشِ
لا تعدمُ وسيلةً وحيلَة
فمزاجُه مزمنٌ
يسائلهُ عنِ المعنى
بعدَ كلِّ ظهرٍ 
قبل كل قيلولة
أنا استغفارُه
من هذا الزمانِ
بعد نشرةِ الأخبارِ
وتنهيدتُه المهمومةُ الطويلة،
كيف يجرُؤُ
أن يـبحثَ في أيِّ مكان
عن نكهةٍ مثيلة...

بردْتُ فغطّاني
مرضْت فداواني
ضعفْت فضمّني
يئستُ فشدَّ من أزري
جزعتُ فمنحني نفْسَه ملجأً
تعبتُ فغسلَ رجليَّ بنقيعِ الورد
وأسقاني ليمونا بماءِ الزهرِ
انهرتُ فلملمني
خلعتُ جسدي على بابِه
لفّ جسدَه حول ما تبقّى
من روحي
ثم قدّم لي الشايَ الداكنَ
في كؤوسٍ زجاجيّة صغيرة...

وسادتي يسارُه تعانِقُني
يمينُه تغطّيني
تلفُّ خاصرتي النحيلةَ
تُطَمْئِنُ وسطي
تدفئُ معدةً مقروحةً
تحملُ خوفَ الأمّهاتِ الشرقيّات
على أطفالِهنّ من الهواء...

استسلمتُ له
غبتُ بين يديه
اختفيتُ في صدرِه
غرقتُ في عينيه
لفَظَتْ وحدتي أنفاسَها الأخيرة
انطويتُ عليه وعلى نفسي
متّ وقرعتُ أبوابَ الجنّة
وقمتُ من بينِ الأمواتِ
ولدت من رحِمِه من جديد
وهو الآن نائمٌ
فلا توقِظْنَه يا بناتِ فلسطين
أستحلفُكُنَّ بالقدسِ وبالحرمِ،
بما استعصى على الهدمِ
بالصابر على الضيمِ
بالثائر على الظلمِ
في المنفى وفي الداخل
بمن تبقى في غزة من الساحل،
لا تنبِّهْنَه
أمهِلْنَني كي أعدَّ القهوةَ
أمهلنني لأقرأَ الجريدةَ
قبل أن يصحوَ
فأجدَ كلاما عاديّا
لتمرير الوقتِ
ريثما يبدأُ بالحديثِ
فلا أسمعُ 
أتأمّلُ شفتيه
ويحضنُـنا الصباحُ...
كان الكلامُ من فضّةٍ
بعدَ تأملِّ شفتيهِ
صار الكلامُ من طربٍ
ليبقَ الصمتُ من ذهبٍ
من يهتمُّ بالذهبِ؟
هكذا يـبدأُ العاديُّ الذي فينا يومَه. نأبى أن يندسَّ بـيننا في بدايةِ النهارِ شيءٌ آخرُ غيرَ مألوفِنا.
تميـتـنا الغيرةُ وتُحْيـينا. ويملكُ أحدُنا الآخرَ. لا نبحثُ عن شخصيـتِـنا المستقلة ولا تغرينا تعابيرٌ مثلُ حقِّ الاختيار. واحدُنا عبدٌ للآخر. كلٌّ منا سيّدُ الآخر. هوانـا غيرةٌ، وغيرتُـنا هوًى. وليس فيـنا حرٌ سيّدٌ على جسدِه. نـتمسّكُ بفرديّـتـِنا وحرّيّـتـِنا حين يحضرُ الآخرون، أمّا في حضرتِـنا فتفقدُ الحرّيّةُ معناها بمحضِ إرادتها وإرادتنا.

نحن تـقليعةٌ قديمةٌ
مثل أهلِنا الذين
وقعوا في الحبّ
من بدايةِ الزيارة
وتبادلوا الرسائلَ
واختاروا لبعضهم أشعارا
ورافقهم صِبْيَةُ العائلةِ
في نزهةِ الخطَّاب
خَفَرًا أو وشاةً صغارا
لم يقبلوا يوما تفاهاتٍ
تجترُّها الأفلامُ والأقلامُ 
مثلَ أنَّ الحبَّ يعني
ألا يقدَّمَ الحبيبُ للحبيبِ
إذا أخطأَ اعتذارا
ثم أحبّوا بعضَهم على الشرفة
مع فنجانِ قهوةٍ وسيجارة
وتبادلوا الرأيَ صباحا
بشأن وجبةِ الغداء
بالكاد غادروا الدار...

عبثا بحثْنا عن العادي
الذي فُقِد
لم نقبلِ الخسارة
عبثا نبشنا كلَّ زاويةٍ
عبثا قلبنا كلَّ حجرٍ
فما عثرنا على
حبٍٍ على الشرفةِ،
إذ وُطِّنَت في البيتِ
فورَ السطوِ،
وحلَّت محلّّ أهلِنا
الحضارة
القفرُ للقادمين الوافدين، وما بينَ القرى لهم أيضا. لم تنجُ بقعةٌ للاعتزالِ والتوحّدِ، ولا للاكتئابِ. لا وحدةٌ أو عزلة إلا صودرت، أو خصوصيّة إلا أمّمت...
هكذا ينسج الروائي والمفكر الدكتور عزمي بشارة بمغزله وشاح الإنسانية المتجذرة منذ بدء العصر التاريخي لكنعان ونسله ، نسيجاً يغطي الإنسانية ، ويحفظ كينونتها من العري الذي جاء به شراذمة التاريخ .
        إن الحياة المسرودة هنا كرواية، هي حياة أهلنا في الداخل الفلسطيني المحتل منذ العام 1948 من زواياها المختلفة. وبشكل عام يكتب عزمي بشارة الروائي، في هذا العمل ، عن المكان وعن العلاقة بينه وبين البشر. ويكتب أيضاً عن العلاقة بين الرصيف والشجرة، بين الحاسوب والطيور. وعدا ذلك يكتب عن الكثير من العلائق الغرائبية التي توحي بها حالات عبثية، حمّالة أوجه، يفرزها الواقع ومن الصعب حصرها. لكن الأمر الأهم هو أنه، عبرَ هذا كله، يخلق حالة وجدانية كاملة، بل حالات عديدة ومتشابكة، ومن ثم ينقلها بتفاصيلها الممتعة إلى القارئ، عادة من دون اللجوء فقط إلى الحلول الأدبية المعتادة في الرواية الفلسطينية والعربية، ومن وصف وتشبيه واستعارة، وبوساطة حد أقصى من توظيف الديالوج والحوار الداخلي الذي يندّ عن العمق النفساني. وفي حقيقة الأمر فإن كتابة عزمي بشارة تثير تبعاً لذلك جملة من التساؤلات المهمة. وإن مرد ذلك هو كون هذه الكتابات تزخم ببساطة مذهلة، وتفرض التساؤل عن الشكل الروائي والقصصي وأساليب السرد السلسة، التي يمكن القول الآن مع صدور عمله الروائي الرابع إنها تعد سمة من سمات نصوصه. وعزمي بشارة، الذي يمتلك رؤية دقيقة للعالم وعيناً لاقطة تمكنه من تحويل أي مشهد بصري إلى كيان متحرك عبر الأوراق، يبث بجوار العبث والمفارقة والسخرية السوداء والمحاكاة الساخرة (باروديا) حميمية علاقته مع الناس والأمكنة. إنها كتابة مكثفة محملة بمشاهد أشبه ببورتريهات متناسقة، تمكن د. بشارة من انتقائها والبناء عليها ببصمة مميزة لا تخطئها العين القارئة والناقدة. ‏ 
وبالعودة إلى رواية «حب في منطقة الظل» المحبوكة بكثافة أفكارها، وتنوّع أسلوبها تجعلنا غير قادرين في هذه العجالة أن نتناولها تفصيلياً حيث يحتاج هذا إلى مساحة أوسع مما تتيحه هذه الصفحات التي أكتبها خصصيصاً لمجلة الموقف الأدبي التي تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق . ‏ 
فهناك المكان والزمان والبشر حيث ثمّة حيّز كبير في هذا العمل لعنصر بناء المكان المارّ ذكره، وأحسب أن د.عزمي بشارة يفعل ذلك عبر تفنين جوانب من السيرة الذاتية أو عبر تصعيد هذه الجوانب من السيرة الذاتية، بكفاءة لافتة، إلى مستوى الأثر الأدبي. ولهذا يغدو إدراكه للمكان تأكيداً على الوجود ـ وجوده ووجود أهلنا هناك ـ بأبعاد يستحيل قياسها، في منطقة قد تقع بين الوعي والحلم، ولكنها تقع حتماً «في القلب مما نسميه الحياة أو الكينونة البشرية، كما أنها في القلب من التجربة التاريخية نفسها»، حسبما يقول جبرا إبراهيم جبرا. ولأن عزمي بشارة رضع القومية والوطنية رضاعة من مدارس التاريخ العربي الأصيل وتفقه على حب الوطني العربي ـ المكان. لذا يتمفصل هذا المكان على محور الزمان، بماضيه الذي مضى دون أن ينقضي وبحاضره القائم. يتساءل الكاتب الروائي د.عزمي بشارة : (كيف نجح حاضر البلاد في تغريبنا عن ماضيها بعد أن كسا هذا الماضي بزيّه الرسمي؟!). ثم لا يلبث أن يجيب قائلاً : (يمكن تحويل كل شيء إلى قومي أو إلى جزء من الأمّة إلا الناس الباقين في المكان الذين يذكّرون بتاريخ آخر، كما يذكّرون بالواقع في بلاد الحواجز الواقعة وراء الحواجز. إنّهم يذكّرون بزمان آخر لهذا المكان، وبمكان آخر في هذا الزمان). وهكذا ينفتح حيّز المكان لحيّز آخر، ليس أقلّ سعة أو أهمية، هو حيّز البشر، الذين يشكّلون في الآن ذاته لحمة هذا العمل وسداه. ‏ 
من هنا نلحظ بوضوح الأثر التغريبي في الرواية الذي يشكّل الاهتمام الذي يوليه د.عزمي بشارة إلى القارئ جزءاً عضوياً من جميع كتاباته النظرية، ولعل الغاية الجوهرية لهذا تتحدّد في جعل التلقي عملية واعية، وليس انفعالاً مجرّداً وربّما يحتاج هذا الأمر إلى دراسة منفصلة، لكن في نصوص هذه الرواية ما يشفّ عن أثر تغريبي يهدف، فيما يهدف، إلى إثارة وعي القارئ بغرابة واقعه الاجتماعي وتناقضه، الذي يعرّيه النصّ، والى إثارة رغبته في تغيير هذا الواقع تغييراً جذرياً حتى يستقيم (القارئ) مرّة أخرى. ‏ هنا فقط ندرك أن العبث سيّد الموقف ، حيث يبدو التوصيف أعلاه للمكان على محور الزمان أنّه يهيئ المناخ الروائي لسيل جارف من المواقف العبثية، التي يبدي الكاتب دراية كبيرة في تعريضنا لها بمداليلها الباعثة على التفكير، على امتداد صفحات رواياتة كلها. وبطبيعة الحال ترتبط بعض هذه المواقف العبثية، إن لم يكن معظمها، بسلوك البشر أنفسهم. لكن د.عزمي بشارة يتعامل مع العبثية كمجرّد حجّة لطرح رؤياه الفلسفية، فهو يغيّر الوقائع وصور الأشخاص وفق مبدأ اللعب الحرّ بالأشكال والمفاهيم القائمة على عنصر التأمل فحسب. والنتيجة التي يوصلنا إليها أو يكاد، هي أن المشكلة ليست في التكنيك فحسب، بل أيضاً في نماذج بشرية هي أكبر العوامل غير الموثوق بها.. وخلال ذلك كلّه فإنه يمزج الأجواء القاتمة بأخرى أكثر سخرية، بل يدفعها صوب الصنف الكوميدي. وهكذا فالسارد في رواية «حبّ في منطقة الظلّ» مثلاً هو ذات واحدة، بالرغم من تعدد المواقف والتجارب. مصدر ذلك هو التحدّي، فهو يتحدّى كل ما يقف حائلاً بينه وبين إثبات ذاته وتوطيد معرفتها بالحياة. وإن ما عاشه وتحدّاه يتصل بعديد المجالات. وكل واحد من هذه المجالات يكتشفه مشوّها ويعيش علائقه من زاوية مقلوبة. مع ذلك لا يشعر القارئ في نهاية المطاف بأن هناك أشياء عجز الكاتب عن أن يمسك بها أو عن أن ينقلها. إنَّ إلقاء نظرة سريعة على تطورات المشهد في فلسطين حالياً بشكل عام ،وفي عكا على وجه الخصوص ، يؤكد أنَّ ما جرى ويجري منذ اثنين وستين عاماً ما هو إلا سطو مسلح على الوطن الفلسطيني من بحره إلى نهره ، وهذا ما دفع د. عزمي بشارة من منفاه لأن يظهر مخالفاً لصورته كباحث صارم ليبدو أديباً رشيق العبارة ينثر هواجسه مثلما ينثر أوراق الأقحوان ، ويميط اللثام عن الزوايا الظليلة التي له بضعفه وقوته ، بعواطفه الجامحة والرقيقة معاً ، بأحلامه وواقعيته ، بخيباته وفواجعه . إنَّ روايته الثالثة (نشيد الأنشاد الذي لنا ) والمكملة لمسيرته الطويلة ومنها نتاجه الأدبي، فيها جزء من سرد شاعري على لسان الحبيبة عناة الكنعانية ، أم فاطمة ، أم مريم ، التي أصبحت فلسطينية منذ أن دخلت النكبة من الخارج لكسر الإيقاع ، ومنذ أن خرجت من الداخل لتعرف أنها مهزومة ومكلومة ، وتنجز معجزاتها خارج إيقاع المقرر الاستعماري الذي لا يعرف تهديداً لرواية أكثر من ذاكرة الأرض ،حيث يتجاوز في هذا النشيد التراب والشجر ، المرأة والأماكن ، العواطف الجامحة والمشاعر الحانية ، المنفى والتوق إلى العودة ، الخيبة والرجاء ، الحنين إلى البدايات والتطلع والأمل معاً. إنها رحلة في التاريخ والحاضر ، قبل النكبة الفلسطينية وما بعدها ، التشبث بالموطن واللجوء الموجع إلى البلاد العربية والأوروبية .مدركاً حجم التآمر العالمي على التاريخ الفلسطيني الذي جرى في حيّز المكان الجغرافي من البحر إلى النهر ، كما أدرك حجم التآمر على الحب الفلسطيني ، والرواية الفلسطينية ، والعشق الفلسطيني الممزوج بحب وعشق الأرض وتاريخها العظيم، وأنَّ الدليل على نفوذ خطاب الدراسات التوراتية والتلمودية والهاجادا والتوسيفوث والبراياتوت ، ونجاحها في إخفاء هذه القضايا الهامة، ومنها إغفال تاريخ فلسطين القديم ، هو فشل الدراسات التصحيحية الحديثة في الخروج عن تسلط الدراسات التوراتية في رؤيتها للماضي. والدكتور عزمي بشارة إذ يخوض غمار بحر متلاطم الأمواج في هذه القراءة الجديدة يخلص إلى وجود الكثير من الاختلاف والتنوع ،وتناقض الرؤى والمفاهيم المحشوة داخل بنية النصوص التوراتية والتلمودية والهاجاداه والبراياتوت ، والتوسيفوث والهاجدولا على نصوص إصحاحات العهد العتيق( التناخ ) ،وما أثّر في بنية تفكير العديد من علماء الأركيولوجيا من اليهود الصهاينة ، ومن صهاينة الأغيار. حيث يبدو الاختلاف والتنوع في آلية القراءة والتحليل لتلك النصوص وفق المنهج التركيبي تارةً ، والتفكيكي تارةً أخرى ،كما طرحها جاك دريدا من خلال رؤاه التفكيكية في المجال الفلسفي ومن ثم في مجال النقد الأدبي، لذا فالاختلاف والتنوع سمة خاصية من سمات الهوية الجمعية لشعب أو أمة ، حيث يحيلنا مفهوم الاختلاف أو التنوع إلى الحديث عن الهوية والخصوصية ، فالأمر يتعلق بتفهّم فلسفي حضاري لمسألة الهوية ، التي ينبغي أن يتنزّلَ فهمنا لها في إطار انتمائنا الحضاري العربي المسيحي والإسلامي، فالهوية في ثقافتنا العربية والإسلامية هي الامتياز عن ما بات يُطلق عليه (الأغيار) من النواحي كافة . ولفظ الهوية يُطلق على معانٍ ثلاثة : الشخص ، والشخص نفسه ،والوجود الخارجي . وخلاصة القول فإن د. عزمي بشارة يرى أنّ الهوية الثقافية والحضارية لأمة من الأمم ،هي القدر الثابت والجوهري للمشترك من السمات والقسمات العامة ، التي تميّز حضارة هذه الأمة عن غيرها من الحضارات ،والتي تجعل للشخصية الوطنية أو القومية طابعاً تتميّز به عن الشخصيات الوطنية أو القومية الأخرى ، فهل نعتبر انجاز (اليهودية) للشخصية "المشخّصة" أو" المشخصنة " أو الشخص نفسه كاتب ومتبني تلك المفاهيم والمفاعيل النصية التوراتية وارتباطها بالوجود الخارجي هو حقيقة لازمة أو إنجاز حضاري ؟؟؟ بالتأكيد ينفي نص نشيد الأنشاد الذي لنا ،ونص الحاجز ، ونص حب في منطقة الظل ، أي صفة حضارية لإنجاز ( اليهودية ) ومنها نشيد الأنشاد الذي لسليمان . ليس هذا فحسب بل كل ما كتبه د. بشارة ينفي أنَّ ما أنجزته ( اليهودية ) نابع أصلاً من منبت حضاري ، بل نابع خارج سياق الحضارة الإنسانية .
     هذه الروايات ( الحاجز ، حب في منطقة الظل ، ونشيد الأنشاد الذي لنا ) ، هي بحث في أركيولوجيا المعرفة والثقافة اليهودية ، المستندة إلى روح البحث في أركيولوجيا الأرض، التي أثبتت نتائجها حجم وضخامة التراث الروحي والمعرفي والثقافي الذي خلّفته الشعوب العربية القديمة ( السامية ) وبخاصة الكنعانية التي استقرت في فلسطين مع مطلع العصر التاريخي . وكتبت أسفاراً كنعانية تتصف بالإنسانية والرقي الحضاري العربي . لأنَّ الإحساس بالماضي مرتبط تماماً بالهوية السياسية والاجتماعية والثقافية في الحاضر . هنا يمكن القول إنّ هوية أي شعب تكمن أساساً في الانتماء الجغرافي المشترك والثقافة المشتركة ، وإرادة تبادل المصالح والخبرات . حيث تتخذ الرواية ( نشيد الأنشاد الذي لنا ) مساراً تعميمياً واستقرائياً متدرجاً، وتصاعدياً من العناية بالجزئيات التفصيلية ،إلى تركيز الاهتمام على الكليات التعميمية ، كما يمكننا التأكيد أن هذه الرواية هي بحث في التضاريس الفكرية المتجهة نحو فلسفة محايثة ،وثقافة مغايرة ، وبحثٌ متجذّر في أبستيمولوجيا التوراة ، لينتقل بعدها إلى فكرة كيف يُمكن نقل ذلك الإنسان المؤمن بتلك المعتقدات والتشريعات من طور التكليف الخارجي إلى طور التكليف الذاتي .حيث تتصف هذه الأعمال من وجهة نظر علم النفس المعرفي النمائي الثقافي، بأنها جاءت لتلبي حاجات الاغتراب والفقد في البنية النفسية للشخصية (اليهودية)، وتحيلُها إلى شخصية دموية غيتوية.
   يكثر د.عزمي بشارة تصوير الحاضر كما نعيشه دون تحوير. ومن هنا كان صدقه المتناهي في عرض هذا الحاضر كما هو، من غير تفلسف أو مواربة أو ادّعاء، ومن غير رغبة في أن يستخلص منه الدروس أو أن يستقي منه العِبَر. لكن نفي التفلسف من ظاهر الكتابة لا يعني غياب أي تصوّر أو رؤية فلسفية عن أفقها.. والحّق أن جرعة هذه الفلسفة ازدادت في العمل الروائي الثاني، لأن الذات الروائية هنا أعمق خبرة ومعرفة من تلك التي أطلّت علينا في العمل الأول. ومثل هذا التصوير يتوافر على ما يمكن اعتباره «دعوة مزدوجة». إنها دعوة، من جهة، إلى أن نتخلى عن جهلنا أو تجاهلنا لواقع يملؤه الصدأ والبثور. ومن جهة أخرى دعوة لأن نلعب ورقة الكينونة ضد انتهازية «ما يجب أن يكون...». فالكينونة برغائبها وعلائقها المادية والنفسانية واشتهاءاتها هي أيضاً من العناصر الأساسية التي ستسعفنا في إزالة الغشاوة ومدّ الجسور لمصالحة الذات والآخرين. ومثل تلك المهمة نشكّ في أن يكون غير د. عزمي بشارة قادراً عليها، الآن وهنا، سواء في كتابته الأدبية أو في سائر كتاباته التي تتيح للذات إمكانية محاسبة ذاتها.
      إن نصوص د. عزمي بشارة الأدبية هي أداة جميلة للمعرفة والمتعة. وفي هذه الحالة ينسحب إكساب المعرفة والمتعة، وأيضاً اكتسابهما على الكاتب والقارئ معاً. ‏إنَّ تصور الماضي وتمثله أمر تكتنفه صعوبات جمة، ليس لمجرد غموض المعلومات التاريخية وقلّتها ، ولكن لأنَّ إعادة بناء التاريخ الماضي البعيد، أو الماضي القريب أو الحاضر سواء أكان مكتوباً أو شفاهياً هو عمل سياسي بالدرجة الأولى ، فالجدل القديم العهد حول العهد القديم ، والجدل المحتدم حول إمكانية كتابة التاريخ القديم لـ ( إسرائيل ) من الجانب الإنساني ، من خلال إفراغ كل أشكال الاغتراب والتغريب الروحي والإنساني في نشيد الأنشاد لسليمان هي محاولة لتفادي الحديث عن سفر أستير صاحبة الحب الممزوج بالعهر والمكر والمؤامرة ، التي قامت بمساعدة عمها مردخاي بمحاولات عديدة لاكتشاف جذورها وكيفية نشوئها والتأكيد عليها ، قد دأب بطبيعة الحال من كانوا امتداداً طبيعياً لأكثر التيارات اللا عقلانية ، على التركيز على الصعوبات التي جابهت تفسير الشواهد التاريخية ، وضمنها السؤال الجوهري حول طبيعة ما يمكن أن نسميه دليلاً أو شاهد.
     إن الاغتراب الفكري والثقافي والمعرفي الذي يعيشه اليهود ، يتناسب طرداً مع الاغتراب الحضاري ، هم يشعرون باغتراب حضاري ، حيث لا صلة لهم بشكل مباشر في بناء حضارة أو بناء شيء سامي يُرتكز عليه ، فقد سرقوا كل شيء حتى شعروا بضخامة الاغتراب الحضاري واتساع الهوّة بين الحضارة الإنسانية العظيمة وبين ما زعموا أنهم يملكونه ، إن من يقرأ سِفر( نشيد الأنشاد ) لـ ( سليمان ) وهو من أسفار الكَتَبة ، يُدرك بوضوح مدى الاغتراب الحضاري والتاريخي في عملية استجداء الحب والعطف والألم البدئي وهي شكل من أشكال التعويض الاغترابي عن فكرة حضارية لها علاقة برؤيتهم للخلق الأول، لذا فهم يمزجون الحب بالقلاع والسلاح والتروس للمقاتلين الصناديد ، ويمزجون الحب الإنساني الصحيح والعلاقات الاجتماعية المبنية على قواعد إنسانية بالعهر الجسدي والسياسي ويروّجون لسفاح القربى ، لذا نجد الدكتور بشارة يستخدم في عمله (نشيد الأنشاد الذي لنا ) إيقاع اللغة وجماليتها للتعبير عن حالات حنين، وحب، وعشق، وحلم وخيبة، ووقفات مواقف وجودية أخلاقية، إضافة إلى كل لمسة إنسانية متسامية فيها كل التوحد والانسجام الكلي ... وكلها على لسان الحبيبة في العلاقة مع الذات والمحب من تفاصيلها الصغيرة اليومية إلى التسامي الذي يلامس المقدس، إلى اقتحام الطارئ الغريب ،وولوج الاغتراب إلى عالم المحبين ، وتكيف النفوس والمجتمعات الميتة مع الظلم والتلفيق والقهر . مستخدماً قلمه الحر كأداة لهذا كله عبر معارضة أدبية جمالية، لنص كنعاني قديم يكاد يكون أغنية أفراح حسية شديدة الارتباط بطبيعة المكان( فلسطين ) بين أغاني الرعاة وردود الفلاحين ، تستحضر روح الإله تموز الذي ورثته التوراة في سفر جاء تحت عنوان (نشيد الأنشاد الذي لسليمان).وصفه الكثيرون بأنه سفر الغواني والعهر المقدّس .