أنا كاتب ينشر أجنحته في كل مكان.. أحب أن أغوص في كافة مجالات المعرفة.. احلق بخيالي بعيداً فخيالي لا حدود له.. لذا تراني أكتب عن كل الأماكن وعن مختلف الجنسيات فلا أرض تحدني ولا جنس يثير تحفظي.. أرى أن للكلمة سحرها في النفوس.. والقراءة غذاء للعقول لا يضاهيه غذاء.. لذا سمحت لقلمي أن يخط ما يحلو له من كلمات.. وأطلقت لروحي العنان في أن تحلم وتتخيل وتؤلف ثم أقدم هذا الفكر والخيال للقارئ الواعي وأدخله إلى عالمي.. القصص في هذا الكتاب بعنوان "حكايات علي الطريق" تتحدث عن مجموعة قصصية من واقع الحياة .  
*****************************
القصة الأولي بعنوان :- "اريد أن أسمع صوتاَ" ذات يوم وأنا أسير بالطريق رن هاتفي المحمول وفصل وعند الاطلاع علي شاشة الهاتف فكان اتصال ضروري ، اردت معاودة الاتصال فلم يكن هناك رصيد لإجراء المكالمة فما كان مني إلا البحث عن اقرب مكان لدي لأعيد شحن الرصيد ومعاودة الاتصال ، وهنا بدأت قصتي من وسط مدينة دير البلح سنتر المدينة دخلت مكتب الاتصالات وشحنت رصيد للاتصال وعند الخروج من المكان كان بالباب رجل شيخا كبيرا يريد أيضا الخروج ولفت انتباهي انه يتعثر في خطواته واتجاهه فنظرت إليه فعلمت أنه ضرير لا يري .
حينها بادرت بالتحية فكان ودودا ورد بأجمل منها وأمسكت بيده وسلمت عليه فقال لي كيف حالك؟ قلت الحمد لله ، فبادر وعرفني باسمه وأنا كذلك ، كل هذا ونحن علي بعد خطوات من المكان . تم سألته إلي أين تريد الذهاب سأوقف إليك سيارة أجرة لتوصلك حيث تريد ، فقال عبارة مازال صداها في عقلي وكل حنايا جسدي وهي "اريد أن أمشي استمع أصوات تؤنسني" . هنا تذكرت كم نحن لدينا من النعم وأشياء كثيرة نمارسها بشكل يومي ولا نهتم بها رغم أنها غالية جدا فكان حلم ذلك الرجل الضرير أن يمشي ويستمع للأشياء من حولة بالطريق . فقلت له حقا تريد المشي؟ وأنا كذلك ذاهب في ذاك الاتجاه برفقتك وبقيت يدي في يده طوال الطريق ومشيت برفقته مسافة ساعة من الزمن كانت هي الاجمل في حياتي فيها تفكرت كثيرا وشعرت بنعمة لم أكن منتبه لها من قبل ولا أخفي عليكم بأنني وأنا أستمع إليه بالطريق خانتني عيوني كثيرا وتسللت منها دموعي وأنا أقول في نفسي لقد فقد نعمة البصر فأشتاق إلي أشياء كثيرة نحن ننعم بها طوال العمر واصبح حلمة أن يمشي بالطرقات ويستمع لأصوات من يسيرون من حولة . لم تنتهي الحكاية وهو يسير بالطريق والعصا في يده ويحدثني عن نفسة وحياته وكلما مر الوقت يقول لي ربما تكون ذاهبا لمكان ما وقد تسببت في تأخيرك فكان عنوان للأخلاق الطيبة رغم حاجته لمن يرافقه في الطريق كان حريصا علي أن لا يكون سببا في تأخيري وأنا أرد قائلا "إنني سعيد وأنا أمشي برفقتك ولا شيء يشغلني" ، حتي وصلنا مفترق طرقات وقال مازالت الطريق طويلة ولقد اسعدتني كثيرا ودون انتباه سحب رأسي إليه وقبلني فما كان مني إلا أن قبلت رأسه ويده وأخبرني عنوانه وأنه دائما متواجد في مسجد أبو بكر الصديق وودعته بعد أن اوقفت له سيارة الأجرة لسائق اعرفه واطمأننت عليه ودفعت الاجرة في صمت واخبرت السائق أن لا يأخذ منه دون أن يسمعني وتلك هي حكاية رجل ضرير علمني بأنني أنا الأعمى عن تلك النعم وهو البصير لعظمتها .
*****************************
القصة الثانية :- "طفل صغير يحمل حمامتان ويسير بهما وسط الطريق بالسوق الشعبي" هنا وسط مدينتنا مدينة دير البلح يوم الجمعة بالإجازة يكون في الصباح سوق شعبي للخضار والفواكه والطيور البلدية ولفت انتباهي طفل صغير يحمل حمامتان ويسير بهما وسط الطريق بالسوق الشعبي ، وما ان دخلت للسوق لاحظت ذلك الطفل الذي لا يتجاوز في عمرة 10 أعوام وهو يسير خلف الزبائن عارض تلك الحمامتان للبيع . حين رآني اقترب مني وفي يدة حمامتان فقال اتريد ان تشتريهم ؟ ضحكت وقلت له مازحا بكم تبيعهم ؟ قال كم تدفع ثمنهم ؟ قلت له انت ما زلت صغيرا لماذا أنت هنا بهذا السوق؟ قال والدي متوفي وأنا أكبر أخوتي ، حينها انقطعت ضحكتي وكادت تسقط دموعي .
بالحقيقة لم أكن أريد أن أشتري طيور حمام ولكن بعد أن سمعت كلام الطفل الصغير أشعر بالخجل إن لم أشتري منه الحمامتان ، فقلت له بكم تبيعهم ؟ قال ب30 شيكل فقلت له نعم اشتريهم .
تم سألته كيف مات والدك؟ قال بالحرب الأخيرة عام 2014 علي غزة وهو ذاهب للعمل كان هناك قصف فمات دون سبب .
واشتريت الحمامتان وذهب الصغير مبتسما عائدا لأمة فرحا أنه باع بضاعته .
لا بأس يا صغيري مات أبوك ليعيش حكام الوطن ، مات أبوك لتحمل علي كاهلك عبء كبير وتتجول بالطرقات لتبيع حمامة السلام لتعيش أنت وأمك وأخوتك الصغار والحقيقة هم من قتلوا أحلامك ومستقبلك قتلوا أحلام الطفولة وباعوا السلام وقتلوا حمامة السلام ، ولكن يا صغيري حين تكبر وتنظر للمستقبل من حولك ستعلم جيدا بأنك أقدس وأطهر من كل حكام الوطن الذين تركوك تمشي بالطرقات وبالأسواق تبيع وتشتري لأجل أن تكون عونا لأسرتك ، فأنت الوطن والوطن بك يزدهر وأنت عنوان وتاريخ وشاهد علي جرائم العصر .
*****************************
القصة الثالثة :- امرأة عجوز تستريح علي جانب الطريق . امرأة تستريح علي جانب الطريق والجو صيفا والحرارة مرتفعة قليلا وكنا بعد الظهيرة بقليل ، ولم أعلم أنها جلست تستريح لتشرب الماء .
كانت تجلس بالقرب من منزلي بجوار صنبور مياه عذبة وهي سيدة عجوز كبيرة بالسن لباسها من التراث الفلسطيني القديم والاصيل ، توقفت أمامها وخاطبتها بلغة الاصالة واحترام الصغير للكبير وقلت لها "الله يمسيك بالخير يا جدة " وناديتها جدتي احتراما وتقديرا لها في عمرها ، تم سألتها هل أنت بخير ؟ قالت الحمد لله يا ولدي بخير لقد جلست استريح وأشرب الماء، علما بأننا في قطاع غزة بسبب ثلوث المياه كل الناس تعتمد علي الماء العذب الذي تقوم الشركات بفلترته وبيعة للسكان من خلال شاحنات التوزيع حيث كل منزل به خزان للماء العذب يملأ كلما اصبح فارغا ، وكثير من الناس يضعون بالطرقات خزانات مياه شرب تكون سبيل وصدقة جارية يشرب منها المارة.
قلت للمرأة العجوز هل احضر إليك عصيرا أو ماءا مثلجا ؟ قالت يسقيك من زمزم يا ولدي أنا احب الماء العادي يا ولدي ولقد شربت ، فقلت لها هنيئا ، وكان بجانبها حزمة ملفوفة في صره متوسطة الحجم من القماش كنت انظر إليها فبادرت بالإجابة قائلة تلك حزمة حطب نشعلها بالفرن المصنوع من الطين والقش الذي نصنع فيه الخبز والطعام .
سأخبركم عن ذلك الفرن كيف يصنع تم اعود للحديث عن المرأة العجوز .
ذلك الفرن يصنع من الطين الاحمر الذي يمزج بالماء واعواد قش القمح او الشعير التي تكون شبة ناعمة لتزيد الطين عند تشكيلة بشكل دائري قوة وصلابة وهذا الفرن يكون في وسطه بلاطة مصنوعة من الاسمنت تكون دائرية مقضومة من طرفها ليدخل منه اللهب والحرارة أي تكون دائرة منقوصة قليلا ويكون للفرن فتحتان الأولي علي جانب الفرن بالأسفل للبلاطة لإدخال الحطب وإشعاله وفتحة أخري اعلي البلاطة من الجهة الأمامية يتم ادخل العجين لصناعة الخبز وادخال وعاء الطعام للطهي .
تم سألت المرأة العجوز هل لديكم غاز بالمنزل تصنعون عليه الخبز والطعام ؟ .
قالت نعم ولكن لا نحب استخدامه فمنذ ان انتشر بين الناس استخدامه ولقد زادت أمراض العصر يا ولدي ، وأنا منذ القدم حياتي علي الحطب كل شيء له نكهة جميلة حين يصنع علي الحطب وخاصة ابريق الشاي .
تم نهضت لتكمل طريقها ، عرضت عليها المساعدة رفضت وقالت يا ولدي الحمد لله الخير موجود وجلست استريح قليلا وشربت الماء تم قالت عبارة رائعة وهي "الحركة بركة" وقالت طول ما أنت بتمشي وأنت بخير وبصحة جيدة .
نعم يا جدتي لقد صدقتي إن في الحركة بركة ولقد تغيرت حياتنا مع التقدم العلمي والتكنولوجي للأسوأ وانتشرت فينا أمراض العصر التي لم تكن في عصوركم القديمة ، لقد كان طعامكم أجمل وشرابكم أجمل وحياتكم أجمل وتنتشر بينكم المحبة علي عكس ما نعيش اليوم ، لقد كانت استراحتك درس عظيم يحمل في طياته الكثير الكثير مما يفيد الإنسان ويخرجه نحو بر الأمان شكرا أيتها المرأة العجوز شكرا يا جدتي .
*****************************
القصة الرابعة :- فايروس كورونا وسائق الأجرة فايروس كورونا وسائق الأجرة المستهتر والقاتل، كلنا عشنا ازمة فايروس كورونا القاتل والمميت ولكن وجب علينا أخذ التدابير اللازمة واتباع اجراءات الوقاية والسلامة وارتداء الكمامة واستخدام المعقمات ذلك لحماية أنفسنا من انتشار الوباء القاتل والمميت .
فعندما ظهرت اولي حالات انتشار الفايروس وسجل عدد من الاصابات اعلنت السلطات عن فصل المدن والمحافظات عن بعضها البعض في قطاع غزة ضمن اجراءات من شأنها تقويض بؤر الانتشار والسيطرة عليها ومحاربة الفايروس الخطير .
لقد كانت هناك حواجز كثيرة علي الطرقات الرئيسية وتم نشر لوائح علي الجميع التقيد بها وهي تعليمات اجراءات الوقاية والسلامة وللأسف كثير من الناس يتعاملون مع ازمة انتشار الفايروس باستهتار شديد أو أنهم غير مصدقين او مقتنعين بوجود الفايروس ويقولون أنها مجرد خدعة واكذوبة لا يمكن تصديقها .
سائق الأجرة مضطر للعمل من اجل العيش واعالة أسرته فيسير بالطريق بسيارة الأجرة لنقل الركاب من مكان لآخر، وكلما اقترب من الحواجز ينتبه للركاب طالبا منهم ارتداء الكمامات وللأسف بعضهم ليس لدية كمامة ، وأنا جالس بجوار السائق وانظر ماذا سيفعل فلاحظت ان السائق يعلق كمامتين علي المرآة بسقف السيارة فأعطي لكل راكب كمامة يلبسونها وللأسف الراكب دون أي تعليق لبسها وهكذا حتي نهاية الطريق وعند النزول اخذ منهم الكمامات وعلقها مكانها علي المرآه من جديد . ظننت انها حالة نادرة ما فعله ذلك السائق ولكن للأسف خلال عدة أشهر وأنا اتنقل من وقت لآخر وكل مرة أستقل سيارة أجرة مختلفة وجدت نفس السلوك متكرر عند كثير من السائقين .
انه الاستهتار القاتل والمميت انه الخطر بحد ذاته فكيف فعل ذلك السائق ما فعله بكل جرأه وكيف تعاون الراكب وقبل علي نفسة ارتداء كمامة لبسها من قبله الكثير ، تلك السلوك أخطر من الفايروس بحد ذاته .
ليس السائق المستهتر فحسب بل هناك استهتار كبير جدا جدا في أمور حياتنا اليومية فمثلا حين تسير بالطرقات تجد عدد قليل ممن هم ملتزمون بإجراءات الوقاية والسلامة والغالبية العظمي غير ملتزمون ، كان لدينا يوم واحد بالأسبوع سوق شعبي ينحصر في مكان واحد فمنع ذلك السوق للحد من انتشار الفايروس ولكنة للأسف اصبح لدينا سوق شعبي في كل يوم وفي معظم الطرقات . وكذلك الصلاة بالمساجد فتحت المساجد وسمحت الصلاة فيها بشرط ارتداء الكمامة والتعقيم والالتزام بإجراءات الوقاية والسلامة وللأسف جلست في صلاة الجمعة أتأمل بالمصلين فكانت الغالبية العظمي ترتدي الكمامة وتضعها فوق اللحية دون أن يغطي الأنف والفم ، بمعني انهم يرتدون الكمامة من باب تنفيذ التعليمات بلبسها وليس حفاظا علي حياتهم وحياة الآخرين وكل ذلك يندرج تحت عنوان الاستهتار واللامبالاة الأخطر من الفايروس القاتل والمميت
*****************************
القصة الخامسة :- رجل عجوز يجمع بقايا القمامة من أمام البقالات علي الطريق
شيء مؤلم حين تمشي بالطرقات بالأسواق وتشاهد رجل عجوز يجمع بقايا القمامة من الكرتون والبلاستيك من أمام البقالات فأثار فضولي لمعرفة السبب .
اقتربت منه فسألته باللهجة العامية الفلسطينية " عمي شو تسوي؟" بمعني ماذا تفعل ؟
قال يا ولدي اجمع ذلك الكرتون والبلاستيك لنشعل النار ونطهو الطعام ونصنع الخبز بالتنور ، فما الذي دفع هذا الرجل العجوز لفعل ذلك؟ أليست حالة الفقر الشديد التي يعيشها؟
يجمع الكرتون من الطرقات لصناعة حاجياته من طعام وخبز وشراب هذا حال كثير من العائلات الفقيرة ولربما يتساءل الكثير منكم ويقول لماذا لا يشعل الحطب؟
هنا الجواب : قطاع غزة صغير الحجم 365 كم² كثيف السكان 2.200.000 نسمة يسكنون في مساحة صغيرة مليئة بالمباني السكنية ولا يوجد غابات نهائيا والاشجار قليلة جدا جدا والناس بشكل عام تعتمد في حياتها علي الكهرباء والغاز وللأسف منذ 15 عاما والكهرباء تنقطع بشكل يومي علي الأقل 12 ساعة وفي كثير من الاوقات بالحر الشديد أو البرد الشديد تزداد الأحمال علي استهلاك الكهرباء فتنقطع لساعات طويلة قد تصل 21 ساعة وتأتي فقط 3 ساعات ولربما تأتي وتنقطع ونحن نيام ، وبالنسبة لغاز الطهي ليس بمقدور الأسرة الفقيرة توفيره فهو باهض الثمن بالنسبة لهم 12 كيلو ب17 دولار وبالتالي يبحثون عن سبل آخري لا تكلفهم شيئا ويصنعون عليها طعامهم البسيط من الخبز والشاي كأن يشعل الكرتون والبلاستيك رغم أن أثارهم الصحية علي الإنسان تسبب ضررا كبيرا ولكن الحياة قاسية بكل تفاصيلها .
ورجل عجوز يمشي بالأسواق الشعبية بعد رحيل بسطات الخضار والفواكه يفتش بين أكوام القمامة في ذلك السوق الشعبي ليس الرجل العجوز فحسب بل رأيت صغارا ونساء يفعلون ذلك ويبحثون عن ما يمكن استصلاحه مما تبقي بالأرض من خضراوات وفواكه بعضها ألقي بها صاحب البسطة بجواره لعدم صلاحيتها وبعضها سقط بالأرض سهوا وبقيت مكانها ، يفتشون هنا وهناك ليجمعوا شيئا يسدون فيه رمق جوعهم .
ورجل لديه أسرة يمشي بالطرقات ويدخل معظم المحال التجارية يطلب المساعدة في خجل شديد يقول لصاحب المحال التجارية أنا لست متسول ولكن اعذرني إن الفقر شديد وأسرتي تتضور جوعا فربما أفعل لك شيئا وتساعدني بما تستطع كأن أنظف لك المكان أكنسه أشطفه وألمع لك الباب الزجاجي ويرفض المساعدة دون أن يفعل شيئا فتلك هي "عزه النفس " فتلك الظروف القاهرة التي سببها الفقر الشديد .
كل شيء هنا مفقود لا كهرباء ولا حياة كريمة وما أكثر الفقر والفقراء والبؤساء، هذا كله يتسبب به الاحتلال الإسرائيلي عندما فرض علي قطاع غزة حصار خانق منذ 15 عام وثلاث حروب مدمرة تضرر فيها شبكات الكهرباء والمحولات ومنذ ذلك الوقت ونحن نعاني كل يوم بانقطاع الكهرباء لساعات طويلة وتفشي البطالة بعد تدمير معظم القطاعات الصناعية والحرفية نتيجة تلك الحروب وذلك الحصار الخانق، فمتي يحل السلام العادل ويرفع الحصار وتعود الحياة لطبيعتها ويعيش الناس بسلام في مجتمع تتوفر فيه سبل العيش الكريم ومتطلبات الحياة الكريمة هذا هو حلم كل إنسان في غزة حلم بسيط وحق للجميع العيش بسلام نعم نبحث عن السلام بكل معانيه الحقيقية والسلام .
*****************************
القصة السادسة :- بائع القهوة الكاتب والمثقف . عندما يبيع الكُتَّاب القهوة على ناصية الطريق كيف يكون المذاق؟! أمه اقرأ لا تقرأ بل وزد علي ذلك أنها تهمش كتابها وأدباءها ومثقفيها وبلغ الأمر أكثر من ذلك بكثير وهو أن تجد اصحاب الأقلام المبدعة والمتميزة تتقطع بهم السبل وتغلق أمامهم الأبواب ولم يجدوا احتضان من أهل الاختصاص كوزارة الثقافة والمؤسسات المعنية بالأدباء والمثقفين . لم يجد الكاتب الفلسطيني هاني السالمي بُدّاً من اللجوء إلى إقامة عربة لبيع القهوة على ناصية الطريق بشارع فرعي بمحافظة خانيونس جنوب قطاع غزة، لأجل الإنفاق على أسرته. ولم يكن اتخاذ هكذا قرار بالأمر السهل علي كاتب مبدع ومتميز بأن يبيع القهوة علي ناصية الطريق ولكنه اضطر لفعل ذلك بعد أن استنفذ خياراته كافه في الحصول علي مصدر رزق يليق به ككاتب ومؤلف ، وقد اضطر إلي ذلك بعد أن أوصدت كل الأبواب في وجهة، وبالمناسبة الكاتب السالمي هو خريج جامعي درس في جامعة الأزهر بمدينة غزة وإنسان مثقف ومن رواياته وقصصه التالي :- " الندبة ، سر الرائحة ، حين اختفى وجه هند ، هذا الرصاص أحبه ، الظل يرقص معي ، ماسة ، المسيحي الأخير ، قلب طابو ، الأستاذ الذي خلع بنطاله ، حافلة رقم 6 " . ليس عيبا أن يبيع الإنسان القهوة علي ناصية الطريق ولكن لكل مهنة وحرفة أناس يعملون بها فالطبيب مكانة المستشفى والمدرس مكانة المدرسة والجامعة والنجار مكانة الورشة والكاتب ليس مكانه ناصية الطريق "أنزلوا الناس منازلها " . ورغم أن الكاتب هاني السالمي اضطر للعمل علي بسطة قهوة علي ناصية الطريق إلا أنه ازداد اصرارا بأن يكون كاتب فلسطيني فخورا بما قدم في عالم الأدب ولقد استطاع النشر للعديد من مؤلفاته في دور نشر عالمية وعربية وحازت علي جوائز وإشادات، واشادات أخري كبيرة من أصدقائه أبناء شعبة نتيجة إقدامه علي اتخاذ هذا القرار الجريء ومنهم من عبر له بذلك قائلا :- "شكراً هاني لأنك قررت البحث عن قوتك وقت أسرتك بأي طريقه وأنك آمنت أن رزقك سوف يصل إليك أينما كنت لأنه بيد رب العالمين، وإن كنت لا تعرف طريق رزقك تأكد بأن رزقك يعرف طريقك، وأنك ما اوجعت قلب أمك وأبوك واهلك وأصحابك علي فراقك وتركك للبلد بحجة ضيق الحال وبقيت تكافح في وطنك ". وأثني آخرون على رغبة الكاتب السالمي بعدم مغادرة غزة والهجرة إلى الخارج قائلين: "الهجرة شيء بشع كتير يسرق أعمارنا وبقتلعنا من جذورنا ، نحن مع السفر للتعلم وعيش التجربة وليس مع الهجرة و الموت الذي سرق شباب غزة وسط الغابات والمحيطات. وقال آخرون عبروا عن ما في داخلهم قائلين :- نقبل أن نكون علي بسطه بدوله اجنبيه ونخجل أن نكون علي بسطه في بلدنا كل الشكر للكاتب السالمي الذي اختار البقاء والصمود علي أرضة ووطنه ". للأسف هذا ليس حال الكاتب المثقف هاني السالمي وحده وإنما هذا هو حال مجتمعنا الفلسطيني الذي لا يهتم بالحالة الثقافية العامة كما ينبغي ، وتجد معظمهم يعانون من شح بالموارد وتراجع بمستوى الاهتمام بالقطاع الثقافي وأعمدته . وبات من الملاحظ أن ظاهرة بائعي القهوة أصبحت تنتشر بشكل لافت في قطاع غزة الذي يشهد انتكاسة اقتصادية بفعل الحصار الذي أدى إلى بلوغ نسبة العاطلين عن العمل حوالي 295 الفا، فيما بلغت نسبة الفقر 80%، بينما بلغت نسبة البطالة54% وفق احصاءات الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين .
وبالختام اعود لنفس السؤال: عندما يبيع الكُتَّاب القهوة على ناصية الطريق كيف يكون مذاقها؟!
*****************************
القصة السابعة:- سائق الأجرة ماجستير لغة عربية .
ذات صباح علي ناصية الطريق العمومي أوقفت سيارة الأجرة للذهاب إلي مشوار بعيد إلي حد ما يحتاج من الوقت تقريبا 20 دقيقة مع الازدحام المروري بالصباح .
ومن عادتي هو الحديث مع السائقين بشكل عام ، وبينما نتحدث وإذ بالسائق يخرج لي ملف ورقي من سيارته وقال لي انظر لتلك الشهادات ؟
وإذ به رجل مثقف جدا حاصل علي درجة الماجستير في اللغة العربية ، لكنه يواجه شبح البطالة الذي يلاحق أقرانه السابقين منذ سنوات وتابع حديثة قائلا: وافقت على العمل كسائق أجرة بعد 3 سنوات من البطالة، وتركت خلفي دراستي التي كلفتني سنين عمري الطويلة وأموال ليست بالقليلة، بعلمي بحثت عن فرصة عمل علي شهادات التخرج ولم أجد وشعرت بالإحباط الشديد والحياة قاسية وصعبة للغاية وأسرتي بحاجة للمصروفات اليومية فاضطررت لبيع مصاغ زوجتي والاستدانة ممن أعرفهم ممن هم حولي حتي استطعت شراء هذا الأتوبيس الأجرة للعمل عليه وتوفير سبل العيش الكريم ، وتابع كلامة قائلا أيعقل ذلك يا عزيزي أن يكون العيش هكذا في غزة؟
فلم تشفع له أو تسعفه علومه لإيجاد عمل يليق به .
حاولت مواساته فقلت له لابد وأن تتغير الاحوال للأفضل وتعمل في مجال شهادتك الرائعة وتكون إنسان نموذجيا يستفيد منك الاجيال القادمة التي ستفخر بهم بأنك منحتهم كل ما لديك من طاقة إيجابية وعلم وثقافة .
ويكمل حديثة قائلا : واجهتني العديد من المشكلات في بداية عملي كسائق أجرة وهي أنني لا أحفظ جميع الأماكن التي يريد الركاب الذهاب إليها وكنت بالكاد في نهاية اليوم أوفر ثمن طعام أسرتي ، وزد علي ذلك بأنني كنت جديد بتلك المهنة وكان هناك قانون يمنع التدخين بسيارات الاجرة وصعد بجانبي راكبا وأشعل سيجارته وشرطي المرور بالمكان تحركت قليلا وإذ به يوقفني وحرر لي مخالفة بقيمة 200 شيكل رغم كل محاولات اقناعه وتدخل الراكب "المدخن" ليضع اللوم علي نفسه وليس علي السائق ولكن الشرطي رفض وقال لي إن قانون التدخين الذي فُرض بغزة قبل أيام أصبح قيد التنفيذ .
وحاولت كثيرا اقناع الشرطي بعدم تحرير المخالفة وأنني حاصل علي درجة الماجستير وأنني جديد علي المهنة ولكنه رفض وقال أنا هنا أطبق القانون .
"تابع حديثة قائلا أنا الأستاذ سائق الأجرة" هكذا يصف نفسه حاليا، فكل آماله وطموحاته قد دُفنت في غزة "مقبرة الأحياء"، وكل محاولاته لإيجاد عمل يستثمر علمه فيه؛ خدمة للمجتمع ولعائلته، كان مصيرها الفشل، داعيا الى وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
تم وصلت للمكان حيث أريد فقلت له شكرا أستاذي الفاضل شكرا لرحابة صدرك ومثابرتك وكفاحك من اجل لقمة العيش ولن يضيع الله تعبك ، فابتسم وقال لي شكرا لك "ابتسم أنت في غزة" .
*****************************
القصة الثامنة :- طبيب جراح يبيع الحلوى بالطريق أمام جامعة الأقصى بغزة .
قد يظن البعض أنها قصص من درب الخيال أو هي مجرد تخيلات ولكنها الحقيقة المرة وبكل واقعية سأسرد لكم بهذه القصة أكثر من نموذج ولأكثر من طبيب يعيشون أقسي أنواع القهر حين تجد نفسك بحالة من الضياع لمجهود وتعب استمر لسنوات حتي تصبح فيها طبيبا وتظن بعدها بأنك ستعمل فيما تخصصت لإنقاذ أرواح الناس بما لديك من علوم الطب ولكنك تجد نفسك ضحية الواقع والمكان الذي تعيش فيه وضحية الحصار والفقر والجوع فلا تجد لك مكان للعمل الذي من خلاله تخدم أبناء مجتمعك وفي نفس الوقت يكون مصدر رزق لك تعيش حياة كريمة أنت وعائلتك ، وبالمناسبة ليس الطبيب هنا فحسب من يعاني وإنما الكثير من شرائح المجتمع الأخرى تعاني وتدفع الثمن ولكن قصتي هذه تتكلم عن حكاية طبيب يبيع الحلوى أمام جامعة الأقصى بغزة.
ومن الجدير ذكره أنّ "حكومة الوفاق" أوقفت باب التوظيف في القطاع الحكومي لمدة خمس سنوات هنا يصبح الإنسان ضحية الحالة السياسية والقرارات الجائرة يدفع ثمنها أجيال من الخريجين الجامعيين واصحاب الشهادات والتخصصات المتميزة .
ومن أمام مدخل "جامعة الأقصى" في مدينة غزة وسط الطريق، ينادي الطبيب الجراح بأعلى صوته، ليبيع الحلوى والشوكولاتة والشيبس للطلبة والمارة بالطريق، كي يعيل نفسه بعدما فشل بالحصول على وظيفة حكومية أو خاصة في مجاله .
يتحدث الطبيب بحرقة قلب قائلا:- أن والدة أنفق عليه كل ما لديه ليصبح طبيبا وأن والدة أصبح كبيرا بالعمر وبحاجة إلي أن يعمل ابنة كطبيب ليعيل والدة الذي أفني حياته لأجله ، أنفق والدي عليّ الكثير لأتعلم أفضل تعليم وأرفع رأسه وأعالج مصابي بلدي فلسطين .
ويكمل حديثة قائلاً: بعد إنهائي التعليم الجامعي، عدت إلى غزة كي أعمل في مستشفى أو بعيادة طبية، لكني وجدت انعدام الحياة هنا، وبحثت عن مختلف الفرص في القطاع الحكومي والخاص، وعدت بخفي حنين.
يذهب الطبيب إلى التّجار ويقوم بشراء البضائع التي عليها عروض وتخفيض بالسعر، ويقوم ببيعها لطلبة الجامعات والمارة وفي ذلك حرج شديد ويقول أنه يشعر بالخجل عندما يبيع عند بوابات الجامعات، لكن الظروف أجبرتني كي لا أبقى جالسًا في البيت دون عمل ولكي استطع توفير ادني متطلبات الحياة .
الطبيب الآخر وهو لا يقل ألما عن الطبيب الذي تحدث عنه ، فهو أيضا طبيب عمل كمتطوع لعدة سنوات ثمانية سنوات وهو متطوع بدوام كامل في عيادة دير البلح وسط قطاع غزة وعيادات ومراكز طبية أخري .
هذا الطبيب لم يعد موجودا في قطاع غزة فلقد هاجر وغادر البلاد ولم يفكر بالعودة وحين سألته عن ذلك أخبرني قصته وهو يرويها بحزن شديد وإليكم القصة .
يقول أنه بعدما عاد الي غزة وانهي مزاولة المهنة وتقدم للتوظيف كان للأسف باب التوظيف مقفل والحياة في غزة صعبة للغاية ونسبة البطالة عالية جدا جدا وأنه سجل اسمة وشهاداته في مكتب العمل كباقي الخريجين في التخصصات الأخرى ، تم بدأ يتطوع في مراكز طبية وعيادات حكومية وغيرها ، وبينما هو يعمل كمتطوع في عيادة دير البلح اتصل به مكتب العمل وطلبوا منه التوجه للمسئول في مكان اخبروه عنه .
ويكمل حديثة قائلا: لقد شعرت بالصدمة حين وصولي للمكان فكانت دورة بطالة لتنظيف الشوارع ويجب عليك استلام العهدة مكنسة ومجرفة وعرباية وفلينة تحمل شعار الدولة المانحة للمشروع تلك هي لوازم العمل ، فأخبرهم انه طبيب ومتطوع بدوام كامل فما هذا الذي تريدونني أن أعمل به ؟
فكان رد مسئول العمال بأنه يجب عليك الالتزام أو يتم شطبك من دورة العمل المقدمة من مكتب العمل ، فصرخ بهم وهو منفعل جدا وعاد لمكان عمله كمتطوع لعيادة دير البلح وهو منفعل جدا ، لاحظ ذلك زملائه واستمعوا لقصته واخبروا مدير العيادة بذلك والذي بدورة اتصل بمكتب العمل معاتبهم فتبين انه لديهم سوء فهم في ذلك وانه خطأ منهم غير مقصود وتم تصحيح الخطأ بأن يوقع الطبيب كل يوم دون العمل ويبقي في عمله كطبيب بالعيادة من اجل ان يمنح راتب تلك دورة العمل المقدمة من مكتب العمل والتي كان بحاجتها الطبيب لأعاله نفسة .
رغم أنه خطأ غير مقصود من مكتب العمل إلا أنه ترك أثرا نفسيا سلبيا علي حياة الطبيب مما دعاه للهجرة ومغادرة البلاد ، وهكذا آلاف العقول الجامعية لم تجد فرصتها للعيش الكريم فاضطرت للهجرة وترك البلاد فمنهم من وصل بسلام ومنهم من مات بالغابات وسط الاشجار الكثيفة ومنهم من مات غرقا وسط البحار والمحيطات وبأي ذنب وئدت حريتي ووئدت أحلامي وآمالي .
بقلم الكاتب الفلسطيني/ هاني مصبح