( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
 
Imad Khaled Rahmeh
من المعروف أنَّ حرية الرأي أو حرية التعبير هي الحق السياسي لإيصال أفكار وآراء الشخص عبر الحديث . وفي كثير من الأحيان يستخدم مصطلح حرية التعبير بالترادف ، ولكن يتضمَّن أي فعل من السعي الحثيث وتلقي ونقل المعلومات أو الأفكار بغض النظر عن الطريقة أو الوسط المستخدم ، من الناحية العملية والواقعية حق التعبير ليس مطلقاً في أي بلد وعادةً ما يخضع هذا الحق لقيود مثلما في حالات التشهير والتحريض والفحش على ارتكاب جريمة ، ويصاحب حرية الرأي والتعبير على الأغلب بعض أنواع الحقوق والحدود ، مثل : حق حرية العبادة وحرية الصحافة وحرية التظاهرات السلمية . تم الاعتراف بحق حرية التعبير كحق أساسي من حقوق الإنسان بموجب المادة رقم 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان . كما تم الاعتراف بحق حرية التعبير في القانون الدولي لحقوق الإنسان في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية . الجدير بالذكر أنَّ المادة 19 من العهد الدولي تنص على : ( لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة) وأنَّه ( لكل إنسان حق في حرية التعبير وحرية الرأي . ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات وأنواعها ومستوياتها ، والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها) . تستمر المادة بالقول : أن ممارسة هذه الحقوق يستنبع (واجبات ومسؤوليات خاصة ) وأنَّه (وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود والضوابط ) عند الضرورة ( لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم) أو ( لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.(  
إنَّ مسألة حرية التعبير وحرية الرأي تطرح في الفضاءات السياسية والاجتماعية والدينية وضوابطها والعقائدية الواسعة إشكاليات متعدِّدة تتعلق بحدود هذه الحرية وضوابطها التي يُفترض ألا تقود إلى الإساءة للآخرين انطلاقاً من المبدأ الذي يؤكد أن حرية أي فرد يجب أن تقف عند حدود حرية الآخر،وذلك لتجنب العنف، والفوضى،وحالات عدم الاستقرار ، وللمحافظة على السلم والأمن المجتمعي، بخاصة في هذه المرحلة التاريخية الصعبة والمعقَّدة التي تعددت فيها وسائط التواصل عبر الشبكة العنكبوتية ، وعبر وسائل اتصال مرتبطة بالأقمار الصناعية وأجهزة البث الضخمة ،بين البشر بشكل غير مسبوق؛ وقد قفز الحديث عن حرية التعبير ، وحرية الرأي إلى واجهة الأحداث خلال الفترة الماضية بعد الأحداث التي شهدتها فرنسا بسبب تداول الرسوم المسيئة للرسول، صلى الله عليه وسلم، عبر وسائل الإعلام، وفي بعض المؤسسات التعليمية. ويمكننا مقاربة مسألة حرية الرأي ، أو حرية التعبير من زوايا متعدِّدَة إضافةً إلى القضايا السياسية التي تطالب المعارضة السياسية في مختلف الدول بحمايتها من أجل تمكين الشعوب من ممارسة سيادتها الوطنية ، وتفعيل آليات مراقبة السلطة التنفيذية عبر وسائط متعددة معترفٌ بها ، لعلَّ من أبرزها الإعلام الذي يُفترض فيه أن يسهم في دعم عمل القضاء ومؤسساته والمؤسسات المنتخبة، بخاصة وأنَّ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية قد عقد معاهدة متعدِّدة الأطراف اعتمدتها الجمعية العامَّة للأمم المتحدة في القرار رقم 2200 A المؤرَّخ يوم 16 كانون الثاني عام 1966 ، والذي دخل حيِّز التنفيذ يوم 23 آذار 1976 وفقاً للمادة 49 من العهد ، والتي سمحت للمعاهدة دخول حيِّز النفاذ بعد ثلاثة أشهر من تاريخ إيداع صك التصديق أو الانضمام تحت رقم 35 . وتُلزم المعاهدة جميع الأطراف على احترام الحقوق المدنية والسياسية للأفراد ، ويشمل في ذلك حرية الدين والمعتقد ، وحرية الحياة ، وحرية التعبير عن الرأي ، حريّة التجمُّع ، والحق في المحاكمة العادلة ، والحقوق الانتخابية . فقد تمَّ التصديق على المعاهدة 168 دولة اعتباراً من شهر نيسان 2014 ، وقَّعت عليها 74 دولة من غير تصديق . ومن الواضح أن زاوية الحرية التي تمس إيمان الناس ومعتقداتهم تثير في أغلب الأحيان جدلاً واسعاً داخل المجتمعات في العالم ، في مرحلةٍ بات فيها الاستقرار المجتمعي، وأمن وسلامة المواطنين يتطلبان المحافظة على قيم التسامح والتعايش بين الأديان من خلال حرص الدول على حماية معتقدات الناس من التعسُّف الذي يمكن أن ينجم عن الإفراط في استعمال حرِّية التعبير. وهناك مفهومان رئيسيان متصلان بحرية الرأي وحرية التعبير في المجال الديني، وفي سياق الدولة المدنية الحديثة، التي حرصت على الفصل بين السياسة والدين، يتعلق الأول بحرية الأفراد في تغيير معتقدهم وهي الحالة التي توصف في الخطاب الديني بالردَّة. ويتعارض هذا النوع من الردَّة المستند إلى حرّية الدين والمعتقد مع حالات الردَّة التي عرفتها إسبانيا في القرون الوسطى، عندما فرضت السلطات الكنسيّة على اليهود، والمسلمين، تغيير دينهم من أجل النجاة من الموت وبدء محاكم التفتيش بسفك الدماء . أيضاً هناك مفهوم ثاني هام علينا التركيز عليه يتعلق بحرِّية التجديف والإساءة إلى الأديان والطوائف والمذاهب ، ويمكن أن يُعرّف بأنه تصريح بشكلٍ مباشر ، أو فعل يُنظر إليه من طرف أتباع دين ما على أنه مسيء جداً، وبالتالي فليس هناك تجديف إلا بالنسبة للأفراد الذين يؤمنون بالمعتقد الذي تتم الإساءة إليه. وهنا يتساءل الفيلسوف الفرنسي هنري بنا رويز Henri Pena-Ruiz ،مؤلِّف كتاب ( القاموس العاشق للعلمانية) (منشورات بلون 2014) . وهو مدافع متحمس عن العلمانية، وكمحب للعدالة الاجتماعية، بكشف أسباب التعصب الديني، كما يذكرنا بأن العلمانية والحريات ليست حكراً على حضارة دون أخرى، إنها، في الغرب، غنائم المعركة ضد الامتيازات العمومية للأديان ولهيئة الإكليروس (تفكير في مبدأ يبقى في فرنسا هو حجر الزاوية للعيش الجماعي) . وهنا يتساءل الفيلسوف هنري بنا روز Henri Pena-Ruiz ما إذا كان ما يعتبره أتباع ديانة بعينها خطأ يمكن لدولة مدنية أن تنظر إليه على أنه جنحة أو جريمة؟ وإذا حدث وفعلت ذلك، فهل تعتبر هذه الدولة محايدة بالنسبة لمواطنيها الذين يعتنقون ديانات مختلفة تعجُّ بالطوائف والمذاهب والإثنيات ؟ يذهب الكثير من المفكرين والفلاسفة والمثقفين النوعيين إلى أنَّ مثل هذه الحرية يمكنها أن تخلق أجواءً مشحونة ومتوترة ، وتؤدي إلى تفكيك النسيج المجتمعي بين مواطني الدولة الواحدة، ويمكن أن تفضي إلى حرب أهلية لا يُحمَد عقباها . الأمر الذي يستوجب الحديث عن مبدأ احترام المعتقدات والأديان عوض الاكتفاء بالدفاع عن حرية التجديف التي يمكنها أن تمثِّل اعتداءً على حرية الآخرين.وقد عارض الفيلسوف الفرنسي لوك فيري، هو واحد من الفلاسفة الجدد، الذين أحدثوا تحولاَّ عميقا في الأوساط الفلسفية السائدة، برموزها المعروفة أمثال جاك دريدا ، وجاك لاكان ، وجيل دولوز ، وميشال فوكو...، لاعتقادهم أنّ الفلسفة ضلَّت الطريق بتوغلها في مباحث فكرية ومعرفية عويصة ومعقدة لا يفهمها إلا خاصّة الخاصّة. فكانت معارضته واضحة وصريحة لما حدث في بلاده من إساءة للإسلام والمسلمين ، عندما قال: (لسنا مضطرين، من أجل تدريس حرية التعبير وحرية الرأي أن نروِّج لرسوم كاريكاتيرية هي أقرب ما تكون إلى الصور الإباحية ، ولسنا مجبرين على الإطلاق على شتم الناس لتلقين حرية التعبير، ويمكننا القول بالتالي إن احترام الآخرين يفرض علينا حدّاً أدنى من التحفُّظ من أجل تجنُّب الإساءة إلى مشاعر الآخرين . ويجب الاعتراف في هذا السياق، بأن مبادئ حرية التعبير تقف على الحدود الفاصلة بين الحقيقة والوهم،وبين الواقع والنظرية ، وعلى خطوط تماس بين الإفراط، والتفريط، فمثلما أنَّ حرية معارضة أنظمة الحكم يجب ألا تشجِّع على خيانة الأوطان، فإن حرية رفض معتقد ما، يجب ألا تقود إلى الإساءة إليه، وإلى استفزاز معتنقيه لأنَّ فيه إساءة تؤدي إلى حالة من الخطورة لا يُحمَد عقباها .