( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
 مازالت قضية المثقف تحتلُّ المكانة الكبيرة لدى الدارسين والباحثين والحكومات والشعوب ، والتي تفرض بدورها جملةً من الأسئلة الهامَّة والضرورية ، بخاصة في الأزمات المتعاقبة الصعبة ، بل والمعقَّدة في كثيرٍ من الأحيان في وطننا العربي من المحيط إلى الخليج ، مثل : ما هو دور المثقف في المجتمع؟ وما هي علاقته بالسلطة؟ أيضاً نتساءل عن المثقف العضوي في المجتمع، المثقف الفاعل والمؤثر الذي ينتقد ويقف عند هموم وشجون وقضايا المجتمع المصيرية ، المثقف الذي يعمل بشكلٍ جاد على تغيير الواقع وليس تكريسه، المثقف الذي يساهم في صناعة الفكر والثقافة والرأي العام، المثقف الذي يعمل على تهيئة مجتمعه شعباً وقيادةً لمواكبة التطور الإنساني والحضاري العمراني، والتفاعل الإيجابي مع التطورات وما يحدث في العالم.لأنَّ المثقَّف يعتبر كجزء فرعي من نظام كلي وهو المجتمع، حيث يقفز أمامنا التساؤل التالي : هل المثقف يُنتِج المجتمع ؟؟؟.
 أنَّ المثقَّف هو جزءٌ لا يتجزأ من المجتمع ؟؟ لأنَّ المثقَّف في طبيعة الحال يكون مرتبطاً بواقعه المُعاش وبمجتمعه ، يتفاعل معه ويؤثِّر فيه ويتأثَّر بهِ .
لكن الإشكالية الكبرى التي تطرح نفسها هنا، تتمثلل في ماهية وطبيعة العلاقات التي يقيمها المثقف مع مؤسسات وهيئات ووزارات وجهات مختلفة فاعلة في المجتمع. وهنا نقف عند علاقة المثقف بالسلطة وعلاقة السلطة بالمثقف ، هل هي علاقة تملَّق وانسحاق وذوبان في هذه السلطة، أم أنها علاقة احترام وتقدير متبادل، وبذلك تكون إمكانية التأثير وإبداء الرأي والاختلاف من قبولٍ أو رفض، وصولاً إلى علاقة التضاد بين المثقف والسلطة . وهذا يفضي إلى معرفة طبيعة علاقة المثقف العربي ببيئته، أي علاقة المثقف بالسلطة، وعلاقة المثقف بالجمهور أي أبناء شعبه ، وعلاقته بالقضايا الحيوية اليومية للمجتمع، وأيضاً علاقة المثقف بالقضايا الطارئة. ففيما يتعلق بعلاقة المثقف بالسلطة نرى أنَّ الأمور بقيت على حالها، على الرغم من المطالبة بتجسير الفجوة الموجودة بينهما مهما اتسعت تلك الهوَّة .مع العلم أننا كنَّا قد سجَّلنا محاولات قليلة مع الأسف الشديد من قِبَل المثقفين إزاء السلطة، أي من طرف واحد فقط ، الأمر الذي يدعو إلى التشاؤم والتحسُّر على واقع سلبي للغاية، في عصر العولمة والانفتاح والثورة المعلوماتية. فالمثقف في هذه الظروف يبقى أسير نفسه يجلس في برجه العاجي ، يعمل ليل نهار على إرضاء السلطة الحاكمة والتنظير لها وتبرير كافة أعمالها، سواء كانت صائبة أم خاطئة وهذا ما يقلق أبناء المجتمع . هذه النوعية من المثقفين تسمى بأشباه المثقفين، والذي يُطلِق عليهم الجمهور لقب ( المتثاقفين ) ،وإذا انتشرت في المجتمع فإنها تنشر ثقافة الاستسلام والرضوخ والخنوع والذل ، وثقافة التملُّق والنفاق والقضاء على بذور حرية الرأي والتعبير والديمقراطية من أساسها، لأنَّ الديمقراطية تقوم على التعدُّدية والاختلاف في الرأي، ولا تعدُدية ولا رأي من دون فكر، ولا استقلالية في التفكير من دون حرية ومن دون مبادئ ونواميس . 
        إنَّ الظروف المعقَّدة والصعبة التي يمرُّ بها وطننا العربي ، تجعلنا نسأل عن المثقف والمفكِّر اللذان يملكان جزءاً كبيراً من مفاتيح الحل لمجمل الإشكاليات التي يعيشها مجتمعنا العربي على الساحة الفكرية والثقافية والسياسية . ولأنَّ السياسة هي تكثيف للاقتصاد يكون الاهتمام بالشأن السياسي كبيراً ، إضافةً لتلك الاشكالية التي ذكرتها ، لذا أوَّل ما يتبادر إلى الذهن هو التساؤل عن إشكالية المثقف والمفكر ودورهما ومكانتهما في المجتمع وأزماته ، وما هو موقفهما مما يحدث في بلده والبلدان العربية من حوله . وما هو موقف المثقف من الثورات والهبَّات الشعبية ،ما هو دوره واسهاماته في إنجاح المرحلة الانتقالية وتثبيت إرادة الشعب على أرض الواقع ؟ ما هي آراؤه واتجاهاته حول الابتزاز والاستغلال البشع والإهانات التي تتعرَّض لها الأمة العربية ؟ لأنَّ كل منهج وكل مسار له عراقة كبيرة تجد مؤشِّر في تطوره وصعوده اختناقات وانحناءات ومضايق وفجوات وانكسارات ومطبّات ، لكن الاتجاه العام نجده متسارع في صعوده ، مع ملاحظة أنَّ أدوات المسؤولية في التحديث والتطوير والصيانة والترميم تنشط بالتوازي مع استخدام بعض ملاحقهِ ومرافقهِ ، حيث تتجلَّى إشكالية المثقفين من اليسار المتطرِّف أو المثقفين الليبراليين أو المثقفين المؤدلجين والموجهين بشكلٍ منحاز إلى الديكتاتورية السياسية والمنظمات الدولية المتنفذة ، نحو توجُّه ما ،ضمن أيديولوجية تتجلى في عزل واحدة من مشكلات المعاناة في الوطن والتي كثيراً ما تؤشِّر باتجاه الإعلان عن نهاية المسار وموته . ونستمرُّ بالتساؤل الذي يفرض نفسه بقوَّة ، هل من مكانة للمثقف في مجتمع يفتقد مستلزمات التعبير والتفكير عن الرأي والحوار والمناقشة وحرية الصحافة والحريات الفردية ،وما إلى ذلك من ضرورات وشروط الإنتاج الفكري الإيجابي المثمر ، الذي يستطيع أن ينّظر ويؤّسس للتطورات والتحولات المصيرية المهمة في المجتمع؟! من خلال خبرتنا الطويلة وقراءتنا للتجارب التاريخية في وطننا العربي تشير بمجملها إلى مرض الإقصاء والاغتراب والتهميش ، الذي عانى وما زال يعاني منه المثقف العربي عبر الأجيال المتعاقبة والعصور المتتالية ، ففقدان الحرية والديمقراطية وانتهاك حقوق الإنسان والحريات الفردية، كلها عوامل أدّت إلى اغتراب المثقف العربي وتهميشه،وإقصائه سواء داخل وطنه كبلده ( قطريا) أو داخل بلدان وطننا العربي الكبير .حيث صار من الغرباء فيه لا يتعرف عليه أحد ، ولا يتفاعل معه كما ينبغي، لأنَّه إذا قام بأي فعلٍ يكون مصيره مجهولاً في الأقبية المظلمة أو حتى في القبر .، أو أننا نجده يلجأ إلى الهجرة طلبا للحرية ولمتنفس واسع يجد فيه مجالاً للتفكير والإبداع. لكن تبقى حالة الغربة والعيش خارج المحيط الطبيعي للمثقف، بمثابة الموت البطيء.
       من المؤكَّد أنّه تقع على عاتق المثقف مسؤولية كبيرة تجاه مجتمعه لتحقيق الأهداف النبيلة التي يناضل من أجلها مهما كان يعاني من المشاكل والعراقيل والمشاق ، َفهدفه تحقيق مسار الحرِّية والقيم الإنسانية النبيلة والعدالة ، ومن أهمها توفير الظروف الملائمة للفكر والإبداع . 
هناك قضية أخرى مهمة جداً ضمن سياق ظاهرة المثقف ، تتمثَّل في الرقابة الذاتية ، وممارسة الانسحاب والانسلاخ الإداري، والمتصل بشكلٍ مباشر بالمجتمع ،والعيش على حوافه وضفافه وقشوره . وهذا بالتأكيد موت بطيء آخر يعاني منه المثقف العربي معاناة شديدة ،وهو نوع من الانتحار حيث لا يستطيع المفكِّر أو المثقف أن يجرؤ على التعبير عمَّا في دواخله ، ولا يستطيع أن يضع أفكاره ومفاهيمه في خدمة المجتمع ، وفي خدمة المحرومين والمهمشين . المشكلة هما تتمثَّل في التقرُّب من السلطة ، وهذا يعني بمعنى جديد الانسلاخ عن الجماهير. وعذا يثير غضب السلطة على المثقف وتهميشه وإسكاته بطرق أخرى ، بعضعا سري وضمني وبعضها الآخر معلن . وفي كل هذا الوضع نجد أنَّ أبناء المجتمع هم الخاسر الأكبر في نهاية المطاف . فالمجتمع الذي لا يملك نخبة من المثقفين العضويين ، والمفكرين تنظِّر وتشرح وتنتقد وتقف عند سلبياته ومشاكله وهمومه وتناقضاته الكثيرة والمختلفة . ، لا يستطيع أن يكون مجتمعا يتوفر على شروط الإبداع والنجاح والنقاش والتحاور البنَّاء والجاد، بين مختلف الفعاليات والشرائح الاجتماعية. وآليات الاتصال والتواصل هنا داخل المجتمع مهمة جداً، فكلَّما كانت مرنة وسلسة ويسيرة، كلَّما نجم عنها التفاهم والوئام والوصول إلى الأفكار النيّرة والمفاهيم المناسبة . لكن كلَّما تعقَّدت آليات الاتصال والتواصل في المجتمع، وكلَّما أصبحت عسيرة ومفتعلة ومتملقة ومنافقة ، كلما زادت مشاكل المجتمع وتفاقمت. وزاد الجهل والتخلُّف وسوء الفهم وانعدم التفاهم والحوارمع الآخر واحترام الآخر. هذا ما يقودنا للكلام عن الثقافة التي أفرزتها القوى المختلفة والمتناقضة في المجتمع، فهذه الثقافة هي بكل وضوح ثقافة التبرير والتملق والتزييف والتخدير ، وكأن الهدف في نهاية المطاف هو تجهيل الرأي العام وتخديره، والعمل على زيادة تخلُّفه ، بدلاً من توعيته والرقي به إلى مستوى الفعل العملي والمشاركة في صناعة القرار، وفي تحديد مصيره النهائي ومكانته بين الشعوب والأمم.