الحياة برس - ربُمَا يكون عنوان خاطرتنا هذا اليوم صعب المِراسْ، وخاصة بِوَسَمِهِ علي بعض البشر، ولكنها الحقيقة المُرة التي رغم مرارتها، وقسوتها، يجب أن نستوضحها، لا لِكَشفِ سِترها، لأنهُ من سَتَرَ سُّتِّرْ، وإِنما للحذرِ ، والتحذير منها، ومن خبثها، ومكرها!؛ وحتي لا يقع أحد في فِخاَخِ شباكِها، ولنقف علي تفاصيلها كي نستبين سبيل الرشُدِ من الغَي؛ فأمَورٍ صغيرة قد تجُرُ بلاوي كثيرة!. فنحنُ نعيشُ في زمانٍ فيه أمُورٌ متُشاباهات، ومُتشابكات، وقد يختلط الحابل بالنابل، ويصبح فيها الحليم حيران، من شدة الفتن، والبلايا، ففي هذهِ الأيام قد ينقلب الصاحب عدواً، ولَرُبَمَا انقلب الصديق عدواً فكان أعلم بالمضّرة، وقد يخون الخِل خِلهُ، وقد تجد بعض الأقارب كالعقارب السامة فيحسد، ويحقد علي قريبهُ، وتري عجائب الزمان في بضعة شهورٍ، وتري اليوم بعض الأغنياء صاروا فقراء، وبعض الفقراء أصبحوا أغنياء، وتجد من هم أثرياء كمن فوق السحاب، ومن هو فُقراء فقراً مدُقعاً، وكأنهمُ ماتوا تحت التُراب!؛ وتجد من أشباهِ النساء، والرجال من يتمكن، ويتمسكَنْ حتي يَتمكن، ويكذب، ويخُادع ويخون، واستغشوا ثياب التقوي، وهم في الحقيقة كالأفعي!؛ وبقدر ما تُعطيهم، ولكن لا، ولن تُرضيهم، وهو حال الِلئَام، "فإن أنت أعطيت الكريم ملكتهُ، وإن أعطيت اللئيم تمردَ"!؛ ومن الناس من تزرعهُ، ولكنه مع أول قَفَزةٍ يَخلعك!؛؛ وصدق الشاعر مَعْن بن أَوس القائل:" أُعَلِّـمُهُ الرِّمَـايةَ كُلَّ يَـومٍ،، فَلمَّـا اشْتَدَّ سَاعِدُه رَمانِي،، وَكَمْ عَلَّمْتُـهُ نَظْمَ القَوَافي،، فَلَـمَّـا قَالَ قَافِيةً هَجـانِي!!؛ فبعض البشر ماكرين، فَألستنهم أحلي من العسل، وقلوبهم أَمّرُ من الصبر!. لقد ورد ذكر الكلب في القرآن الكريم ثلاثة مرات الأولي في سورة المائدة :" وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِين تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ "؛ ويقصد بالآية الكلاب المعلَّمة التي أُدِّبَتْ وعُلِّمَتْ الاصطياد لصاحبها، والكلب لا يَصير مُعَلَّماً إلا عند أمور، وهي: إذا أُرسل استرسل، وإذا أَخذ حَبس ولا يأكل، وإذا دعاه أجابه، وإذا أراده لم يَفرَّ منه، فإذا فعل ذلك مرَّاتٍ فهو مُعلَّم، أي أن تعليم الحيوان يكون بترك ما يألفه ويعتاده، وعادةُ الكلب السَّلْبُ والنَّهْبُ، فإذا ترك الأكل مرّات عُرِف أنه تعلَّم؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم لعَدِيِّ بن حاتم رضي الله عنه: «إذا أرسلتَ كلبك المعلَّم وذكرتَ اسم الله فكُلْ» وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن اتخذ كلباً إلا كلب ماشية أو صيد أو زرْع نقص من أجره كل يوم قيراط"؛ وأما المرة الثانية التي ذُكر فيها الكلي فهي في سورة الأعراف في قول الله جلَّ شأنه: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ*َ ولَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ"؛ والمرة الثالثة التي ذُكر فيها في سورة الكهف: "وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ»، وقوله جلَّ شأنه: «سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ "؛ والتاريخ مليء بالأحداث التي اثبتت فيها الكلاب وفائها على خلاف بعض البشر؛ . ولو يذكر الزيتون غارسهُ لصار الزيت دمعاً؛ وأختم مقالنا بقول العلامة الفقيه الإمام الشافعي رحمه الله في أبيات شعرٍ رائعة قال فيها: "لَيتَ الكِلابَ لَنا كانَت مُجاوِرَةً... وَلَيتَنا لا نَرى مِمّا نَرى أَحَدا... إِنَّ الكِلابَ لَتَهدي في مَواطِنِها... وَالخَلقُ لَيسَ بِهادٍ شَرُّهُم أَبَدا... فَاِهرُب بِنَفسِكَ وَاِستَأنِس بِوِحدَتِها... تَبقى سَعيداً إِذا ما كُنتَ مُنفَرِدا..."؛ وإن بعض الأفاكين الخائنين المنافقين الكذابين المُخلفين العهُود، والوعود، هم أشباه الكفره القتلة من الغاصبين اليهود، وإن لبسوا أجمل الثياب، وتغنوا بالسلام، والحمام، والحب، ولكنهم في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً، فهنا يكون تفضيل الكلاب علي بعض من لبس الثيِاب من أمثال أولئك الخونة الفجرة، وبقدر ما يحاولون التسربل، والتستر ، والتخفي والخيانة لمن قد أَمَنهُم، وإنخدع فيهم، ولكنهم حتماً سينكشف أمرَهُم، وجشعهم وأنفسهم المريضة الأمارة بالسوء الأنانية، الدُونية فأين سَيذهَبُون ممن يعلم السر، وأخفي القائل سبحانهُ وتعالي:" يعلمُ خائنةِ الأعيُنْ وما تُخفي الصدُور".
الكاتب، والباحث الأديب المفكر العربي والإسلامي والمحاضر الجامعي غير المتفرغ
الأستاذ الدكتور/ جمال عبد الناصر محمد عبد الله أبو نحل
عضو نقابة إتحاد كتاب، وأدباء مصر