( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
 
في البدء كان الكلمة وسيبقى حتى ما بعد النهاية والختام ، ومنذ البداية كانت الكلمة ، لأنّها البصمة الباقية والدائمة التي تمهر التاريخ بخاتمها الإنساني ولا يمكن أن تُمحى .. والكلمة كان عند الله ،وهي الامتياز الآدمي الذي خُصَّ به البشر دون سواهم من مخلوقات الله ، وهي الوسيط الناقل لما تحمله عقولهم من آراء وأفكار وما يعتلج في صدورهم وقلوبهم من مشاعر وأحاسيس ، ولذلك قال شاعر العربية الحكيم من قبيلة مُضَر، زهير بن أبي سُلْمى ربيعة بن رباح المزني (520 - 609 م)، أحد أشهر شعراء العرب وحكيم الشعراء في الجاهلية وهو أحد الثلاثة المقدمين على سائر الشعراء: (لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُه .. فلم يبقَ إلَّا صورة اللحمٍ والدَّمٍ)، وعلى ذات الطريق قال الشاعر والعالِم الإنجليزي الشهير جون ميلتون من القرن السابع عشر وصاحب قصيدة ( الفردوس المفقود ) : (من يقتل الكلمة يقتل الإنسان).
        على الرغم من سطوة نابليون بونابرت الإمبراطورية ومع ما عُرِف عنه من نرجسية وغرور وتطاوس ، إلّا أنَّه – عندما جادله الكاتب والناقد الفرنسي ( شارل أوغستان سانت بوف) لم يجد بُدَّاً من الاعتراف بأنَّ : (الكلمة هي نصف التاريخ إذا كان السيف نصفه الآخر)، وعندما اقترب الجيش الألماني من موسكو في الحرب العالمية الثانية في الثاني والعشرين من شهر حزيران عام 1941، لم يجد جوزيف ستالين ما يستنهض به همم الروس ، وحثَّهُم على صدِّ الغزاة الألمان غير عبارته الشهيرة: (دافعوا عن قبر الروائي والفيلسوف الروسي فيودور دوستويفسكي، فإنَّ الأعداء على مرمى رصاصةٍ منه). وحين ألقت سلطات الأمن الفرنسية القبض على الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر لأنَّه قاد مظاهرةً لإدانة احتلال فرنسا للجزائر، اتصل الرئيس الفرنسي شارل ديغول بوزير داخليته شارل باسكوا قائلاً: ( ويحك .. من يستطيع أن يسجنه؟) ، أما ونستون تشرتشل رئيس الوزراء في المملكة المتحدة فقد كان في قمة مجده السياسي يردِّد مَزْهُوَّاً: (أنا من بلد الكاتب وليام شكسبير) ، وقبل هؤلاء قال الخليفة العبَّاسي هارون الرشيد: (الكُتَّابُ ملوكٌ على الناس) .. ومع ذلك يصحُّ القول بأنَّ العلاقة بين شرف الكلمة الحرَّة والسلطة الحاكمة هي علاقة إشكالية منذ فجر التاريخ الإنساني وجدليته البكر بين الحرية والاستبداد والطغيان، حيث بقيت السلطة – بأشكالها المختلفة والمتعدِّدة – عبر التاريخ تضيق بالكلمة الحرَّة المتمرِّدة عليها ، وتحاول إقصاءها أو تهميشها أو تدجينها، بالترهيب أحياناً كثيرة أو الترغيب في بعض الأحيان، أو مواجهتها بكلمةِ مأجورةِ مدعومةِ بإمكانيات السلطة الكبيرة في سياق استراتيجية مدروسة مُضلِّلة تهدف إلى إشاعة الظلام والفوضى ، وإثارة الضجيج الهائل ، كي لا يرى الناس ما يحدث أمامهم ، ولا يسمعون عنه شيئاً ، ولا يعرفون ماذا حَدَثَ ويحدث. لأنَّ الأبقار كلَّها تصبح سوداء عندما يَعُمُّ الظلام – كما يقول الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل – ولأنَّ البرميل الفارغ يُحْدِثُ ضجيجاً يصكُّ الآذان ويصمّها ، ويمنعها من سماع معزوفة الناي الشجيَّة .. ولعلَّ أحد أشهر تطبيقات هذه الاستراتيجية الخطيرة ما حدث في ليلة إعدام الصوفي الشهير أبو منصور الحلاج، حيث أشاع الوزير بن الفرات أنَّ هناك طائراً اسمه الزبزب يخطف الأطفال ، وأنَّ الطريقة الوحيدة للتخلص من هذا الطائر ، هي الصعود على أسطح البيوت وطرق الأواني النحاسية بقوة ، لأنه يخاف من الرنين الأصفر .. وبالفعل تم صلب أبو منصور الحلاج وإحراق جثته بينما كان أهل بغداد على أسطح بيوتهم منشغلين بالطرق على الأواني النحاسية لطرد طائر الزبزب الخرافي.
على مرِّ الزمان والعصور، كان أهم عناصر هذه الإستراتيجية المُضلِّلة الخطيرة هو الخصومة الدائمة مع الوعي ، والاستثمار في كلِّ ما من شأنه أن يغيِّبه وينصب له الكمائن والأفخاخ، بالإضافة إلى إفتعال قضايا جانبية هامشية وسطحية والتركيز عليها بطريقة درامية تشدُّ نحوها الأسماع والأبصار والعقول وتثير الانتباه ، بينما يتم الدفع بالقضايا الجادّة والمصيرية بعيداً عن دائرة الضوء وخارج مجال الرصد والاهتمام .حيث هناك قضايا مصنوعة بعناية إعلامية فائقة تبث عبر الميديا ما هو عابر وغي أصيل ويزول فور زوال أسبابه لكن الإصرار عليه وعلى نحوٍ درامي يعطيه الأولوية ويضعه في مركز الصدارة ، فيما تبقى من القضايا الجادة تحت السطح وبعيداً عن أي رصد .   
وفي خصومتها مع الوعي والمعرفة العقلية الجادّة ، لا تعدم السلطة الحاكمة عن شهود زورٍ تزدحم بهم أجهزة الإعلام بكافة أشكاله وتنوعه التي يُطِلُّون عبرها بِلُغَةٍ تحايلية ، فيها كل المراوغة يقدِّمون بها للمحرومين من حقوقهم إشباعاً وهمياً وأملاً غير منظور لا يمكن أن يتحقَّق ، مثل ذاك الذي يُستنام به أطفالٌ جوعى وليس في القِدْر غير ماءٍ يغلي حول الحصى،كالقصة التي حدثت مع الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب . ويتم ذلك من خلال إغراق المُتلَقِّي بسيلٍ من المواد الإعلامية التي يجري تلفيقها واستحضارها بعناية فائقة للتجهيل والتضليل، والتي تتصف بالكوبليزية ، حتى يبلغ الأمر حَدَّ التغزُّل في أجنحة السلاحف وسيقان الأفاعي وعسل الذباب،وطيران الفيلة ، كما يتم ارتكاب جريمة الفصل العمد بين الفاعل والمفعول بحيث يتم إدانة الفساد ورفضه ظاهرياً ، بينما يتمتع المفسدون بنجومية السياسة والأمن ، والشرطة السرية والمجتمع.
ربما كان موقف النظم الحاكمة من حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير ، هو المقياس الأوضح على مدى صدقية ما تدّعيه من ديموقراطية ، ونشر معلومات ومعطيات زائفة تحت عنوان ديمقراطي .. فحين يفرض أي نظام حكم قيوداً على حرية الصحافة بالرقابة الصارمة والمصادرة وحجب المعلومات ، وحظر الصحفيين من الكتابة لمنع الرأي من التعبير عن نفسه، فإنَّه يصبح من العسير جداً تصديق أنَّ مثل هذا النظام مستعد أن يفسح للمعارضين مكاناً في برلمان أو منبر حوار وطني ، أو التعبير من خلال حزب ضعيف أمام الحزب الحاكم ،أو غير ذلك من المنابر التي يفترض أن تتاح فيها حرية الرأي وحرية التعبير عن الأفكار والآراء والحجاج المفتوح حول السياسات والنقاشات الهادفة للبناء ، والبرامج المتنوعة وتقييم الأداء الحكومي وصياغة القرارات والتشريعات الخاصة بالمصير الوطني. ما يحدث للصحافة في بلادنا العربية ، للأسف، لا يخرج عن هذا السياق البائس .. فالصحافة مكبلة بقيودٍ صارمة فولاذية كثيرة لأنها مرآة الواقع المُعاش ،ومنصة النقد ومنبر الحوارالديمقراطي، وتعدُّد الآراء والخيارات وتلاقحها، بينما نظام الإنقاذ لا يطيق جدالاً في خياراته وقراراته ،ولا يحتمل نقداً لثوابته ورموزه، وبالتالي يَعْمَد إلى قمع حرية الصحافة باعتبارها تمثل تهديداً حقيقياً لوجوده، وغالباً ما يتم هذا القمع باسم الدين والوطن والقومية والأمن الوطني والصالح العام. ما يحدث في بلادنا العربية في واقع الصحافة يؤكد أن ظاهرة الغوبليزية لم تَطْوِها صفحات الزمان، فما يزال الرقيب النازي بول جوزيف غوبلز السياسي النازي الألماني وزير الدعاية في ألمانيا النازية وأحد المقرَّبين للزعيم النازي أدولف هتلر . يتحسَّس مسدسه كل ليلةٍ ويطوف على مطابع العواصم العربية بحاسَّة شَمٍّ كَلْبِية، ليس لكشف المخدرات ومنع ترويجها، وإنما لكشف رائحة الحبر غير المُلَوَّث ومنع ترويج الكلمة الحرَّة غير المُدَجَّنة. مع كل هذه الحيثيات وهذه التداعيات التي تَسِم واقع الصحافة الورقية في وطننا العربي ، دفعتنا للحديث بشفافيةِ كبيرةِ أنَّه لدينا في وطننا العربي ما ندافع عنه ببسالةِ طائرٍ يقاوم الحَدَآت حتى لا يرى مخالبها الحادّة تخطف فراخه من العُش ونسعى لوضع يدينا على ما يمكن أن يكون مساحةً إضافية لكلِّ الذين تصالحوا مع ضمائرهم وانحازوا لخيارات الوجود الكريم المعطاء، وأشهروا أقلامهم لحراسة الحقيقة وقول الكلمة الحرّة ،وفضح منظومة القبح والخداع والظلام التي تمارسها حكومات الطغيان . نأمل أن تكون أقلام المبدعين العرب معنيةً بنشر الوعي والمعرفة والثقافة العربية أصيلة ، وتحويل مصطلح المقاومة السلمية إلى ثقافة شاملة لاستنهاض ممكنات التغيير البنيوي ،والعبور مع شعبنا إلى الوطن الذي يحلم به ويستحقَّه . نريد أن يكون في وطننا العربي منبراً إعلامياً حُرَّاً ، سامقاً يكسر شرانق العصائبيات الضيقة ،والمذاهب والطوائف المتقوقعة على ذاتها .ويخرج إلى رحاب الوطن الكبير بخطابٍ مستنير، خالٍ من الكلمة الخؤون، لمجادلة قضايا الحياة اليومية والواقع المأزوم في كل جوانبه .. نريد أن ينظر إلى قضايا الواقع العربي المُعاش بعينٍ فاحصة ومدقِّقة وأن تكسر جميع الأقفال ، وتسلِّط الضوء على مكامن الخلل البنيوي ، وتسمي الأشياء بمسمياتها من غير مواربةٍ ولا حَوَل ولا وَجَلٍ.
المطلوب من صحافتنا العربية يشكلٍ خاص ، وإعلامنا العربي المقروء والمسموع والمُشاهًد، أن تحتفي بالتنوع الذي يزخر به واقعنا العربي الفريد، وأن تكون حرباً على ثقافة التعصب والتهميش والاقصاء والاستعلاء والاستحواذ، وترسيخاً لقيم التسامح والاعتراف بالآخر واحترامه ، والمشاركة والعطاء المتبادل. وأن تساهم في تعزيز وحدة الوطن القُطري والقومي ، وسلمه الأهلي ، وتقوية دفاعاته الذاتية ، وتماسك نسيجه المجتمعي واستدعاء إرادة التغيير.
في الختام أرى نفسي منسرحاً باتجاه ( قصةٍ قديمةٍ تَحْكي عن إمبراطور آسيوي طاغي ، طلب من عَسَسِهِ أن يجمعوا له كل الشعراء الذين لا يمجدونه ولا يمدحونه ، فوجدوا شاعراً واحداً فقط وجاءوا به لذاك الإمبراطور الطاغي الذي حَكَم بإعدامه في ساحةٍ عامةٍ أمام الناس من عامةٍ وخاصَّة . وعندما حان الموعد المضروب ورفع السيَّاف سيفه لتنفيذ حكم الإعدام، دَهَمَت الامبراطور صحوة ضمير، فصاح بالسيَّاف قائلاً: " توقف .. واترك لهذه البلاد شاعرَها الحقيقي الوحيد، لأنها بموته ستصبح أرملة " .) 
نحن نعمل بكل ما نملك لئلا تصبح أوطاننا أرملة.