( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
كل المجتمعات في العالم الحديث والمعاصر تخضع لأنظمة وقوانين وتشريعات اجتماعية مختلفة ومتنوعة ، ويمكن أن تكون في غالبيتها أنظمة صارمة . ومن المؤكَّد أنَّ تلك الأنظمة تكون سبباً رئيسياً في تقدم المجتمعات وتصوُّرها ، وحماية حقوق الأفراد وحقوقهم ، مع العلم أنَّ هناك أنظمة اجتماعية يمكن أن تساهم في تخلفها وجهلها . وأيّ نظام في العالم الإنساني محكوم بالأخلاق والقوانين والدساتير لكنه ممزوج بخلل العنف والفوضى والتعصب الديني والعرقي و( العشائري ) . وكذلك الحرية بكل تجلياتها ، أي إنّ الأنظمة تتأرجح بين التناغم والتنافر، أو بين التناغم والتناقض،أو بين التجاذب والتنابذ وهما، أي التناغم والتناقض، مشتقّان من التطور الفكري للإنسان الذي يجمع بين العقلانية والجنون، والعنف والسلام، والبناء والهدم ،والحب والكراهية، والحرية والتعصب، إذ لا يمكننا استبعاد الوعي والحرية في المجتمعات المتخلفة، أو استبعاد العنف والتعصب في المجتمعات المتقدمة والتي تجاوزت الكثير من الحروب والدمار ومن ثم السلام . أي إنّ الفوقية والاستعلاء والاستحواذ على السلطة هي علامات بارزة من علامات التعصب والتصلب بالرأي، وإقصاء الآخر المختلف، سواء كان هذا التعصب لفظياً، أو فعلياً، والفعل هنا هو العنف.
من المؤكد أنَّ حالة التنمُّر شائعة في جميع المجتمعات في العالم إن كانت متقدِّمة أو متأخِّرة ، وهي تبدو ظاهرة عامّة تتمثَّل بالتعصّب ،فالأنظمة الاجتماعية إمّا أن تكون سبباً في تقدم المجتمعات وتطورها أو أن تسهم في تخلفها وجهلها ، كما تتمثَّل في كونها عاهة أخلاقية من عاهات التربية والتعليم والتنشئة الاجتماعية والتلقين الإيديولوجي، إذ كثيراً ما تكون دوافع التنمّر هوياتية ، إثنية أو عائلية أو عشائرية أو مذهبية طائفية، أو حزبية في كثير من الأحيان . 
 يرى العديد من علماء النفس أنّ التنمّر هو سلوك عنفي وعدائي، يمارسه شخص متنمر على آخر، أو جماعة متنمِّرة على أخرى، أو جماعة على شخص، ويصدر هذا السلوك العدائي والعنيف إمّا عن شعور بفائض القوة والقدرة على السيطرة والإخضاع ، لتوكيد الذات، وإمّا عن عدم تقبل الآخر ذكراً كان أم أنثى ، فرداً أو جماعةً . ويمكن ملاحظة هذه الظاهرة بوضوح عند الأطفال أكثر من البالغين، وعلى وجه الخصوص لدى التلاميذ والتلميذات في المدارس، وذلك لاستحواذ المتنمّرأو المتنمرة على سلطة مصدرها الشعور بالتفوق على الآخر، والقدرة على التحكم به. 
   يرى عالم النفس وطبيب الأعصاب النمساوي سيغموند فرويد، أن سلوك العدوان والتنمر ما هو الا تعبير عن غريزة الموت، حيث يسعى الفرد الى التدمير والإفناء سواء تجاه نفسه أو اتجاه الاخرين، حيث ان الطفل يولد بدافع عدواني عنيف ، وتتعامل هذه الرؤية كذلك مع سلوك العدوان بانه استجابة غريزية لما يحمل بداخله من عنف وعدوان ، وأنَّه لا يمكن ايقاف السلوك العدواني العنيف أو الحد منه خلال الضوابط والقواعد الاجتماعية أو تجنُّب الاحباط بسهولة ، ولكن نظرية فرويد تؤكد أنه ما نستطيع عمله هو تحويل العدوان وتوجيهه نحو أهداف بنّاءة بدلاَ من الأهداف الهدَّامة والتخريبية. وتبعاَ لهذه النظرية فإنَّ الفرد عندما يشعر بتهديد خارجي تنتبه غريزته العدوانية ،فتجمع طاقتها ويغضب الفرد وتظهر علائم غضبه من خلال اختلال توازنه الداخلي، ويتهيأ للعدوان العنيف ، ويكزن مستفَزاً لأي اثارة خارجية بسيطة، وقد يعتدي بعنف غير مسبوق دون اثارٍ خارجية حتى يُفرِغ طاقته العدوانية وشحناته السلبية ، ويخفِّف توتُّره النفسي، ويعود إلى اتزانه الداخلي وهدوئه المعتاد ، كما أنَّ سيغموند فرويد ربط بين حالة العدوان والمراحل المبكره للطفولة ، ويؤكد على أنَّ جميع صور العدوان بمختلف أنواعها ذات مصدر جنسي موجَّه نحو السيطرة على دفعات الجنس وتدفُّق موجات متطلبات الجنس، وذلك من خلال ربطها بالمراحل المختلفة للتطور النفسي للطفل. ثم أكد طبيب العقل النمساوى ، ألفرد أدلر ( 1870 - 1937 ) مؤسس مدرسة علم النفس الفردي. كان من اتباع عالم النفس وطبيب الأعصاب سيغموند فرويد لكن انشق عليه. ، فهو يؤكد فى نظريته على دور الأنا الشعورى .كما يؤكِّد على أنَّ العنف والعدوان عبارة عن استجابة تعويضية عن الاحساس بالنقص والدونية . 
أيضاً نرى من وجهة نظرنا أنَّ الحياة السياسية لا تنفصل عن الحياة الاجتماعية، ولا تقتصر الأمور السياسة على السلطة، التي تمارسها مؤسسات الدولة، بل تظهر في الأحاديث والمناقشات اليومية بين الأفراد والجماعات، والتفاعل في المجتمع بكل فعالياته ، فالانتماءات السياسية والدينية والقومية والثقافية، تؤثر بشكلٍ أو بآخر في وعي الأفراد وتحدِّد توجهاتهم وولاءاتهم، لكن عالم الاجتماع الانكليزي المعاصر أنتوني غيدنز أو البارون غيدنز واضع نظرية الهيكلة وعُرِفَ بنظرته الكلانية إلى المجتمعات المعاصرة قال : (يبقى الكيان السياسي الواحد هو الإطار الذي يتحرك فيه المواطنون في نضالهم من أجل الديمقراطية ). تأخذنا مقولة أنتوني غيدنز إلى البحث في الوعي الاجتماعي عموماً والوعي السياسي بوجه خاص، للوقوف على معنى السياسة وموقع الديمقراطية وقيمتها في الوعي الاجتماعي، فالفارق بين الوعي في المجتمعات المتخلفة والمجتمعات المتقدمة، هو نفسه الفارق بين الفكر الحر، والفكر المقيَّد في ظل الاستبداد والقمع السياسي والطغيان على الآخر ، والتسلط الاجتماعي، والتسلط الديني، والتسلط الثقافي الذي ينتجه الاستبداد السياسي، والأحزاب السياسية الإيديولوجية. من هنا نجد الكثير من المثقفين أو السياسيين أو المتعصبين دينياً أو كلاهما معاً يثيرون المخاوف من انتقاص سلطتهم المتجذرة في أعماقهم، أما المتعصِّب على وجه الخصوص فهو مهتم دوماً بالمحافظة على الأنا الذكورية التي لا تتحقق، في نظره، إلا بالهيمنة على المرأة وإخضاعها لإرادته المشوّهة ، أو الأنا السياسية التي باتت هوية السياسيين وكينونتهم، أو الأنا الدينية التي يتمتع بها رجال الدين والمتنطحين إلى المشيخات والمتفيقهين ، إذ يمارس الرجل سلطته على المرأة على نحو ما يستبطن سلطة المستبد السياسية أو الدينية، ويتماهى معه، فليس من فارق كبير بين المثقف الذي يتهم المرأة الأم بعدم أهليتها لتربية الأطفال بسبب استخدامها الموبايل على سبيل المثال، أو وسائل التواصل الاجتماعي، مثل الفيس بوك، والإنستغرام ،والتويتر ،والواتس أب وغيرها ، وبين السلطة السياسية التي تعتبر التعبير عن الرأي من خلال تلك الوسائل جريمة إلكترونية يعاقب عليها القانون، ولا فرق بين الهيمنة الذكورية على المرأة أو التنمّر المستمر عليها، وبين السلطة الدينية التي تكفّر وتزنّدق الخارجين عن إرادتها وسيطرتها مع أنهم متفيقهين ومتعالمين ورويبضة ويتماثلون مع المتعالمين والمتثاقفين والدهماء .
هذا كله يشير إلى خطورة الأفكاروالمفاهيم والقيم البالية التي ـ أكل عليها الزمن وشرب ـ ، والتي عشّشت في رأس الفرد وعقله ووجدانه في المجتمعات المتخلفة والمرتهنة بالتبعية للإستعمار ، والغرب بشكلٍ عام منذ نشأته الأولى، وعلى وجه الخصوص أصحاب العقائد العمياء الظلامية والتي تخرج من أقبية القيح والعفن،وتحمل الرايات السود كخفافيش الليل ، أو الإيديولوجيات الدينية والسياسية، التي يظن الفرد أنها خمدت بفعل ثقافته وانفتاحه على الفكر الحديث ، بينما هو متقوقعٌ على ذاته، إنما سرعان ما تقفز وتطفو على السطح لدى أول اختبار عفوي وغير مباشر، فيتضح ما يختبئ خلف الثقافة المزعومة للمتثاقفين والمتعالمين التي يعبّر عنها خطاب إيديولوجي يتغنى بالحرية والديمقراطية، ويرضي العقل الجمعي الخاضع لعبودية النظُم الاجتماعية التقليدية،بما تحمل من خلل بنيوي تاريخي وافد من خارجها ،وإن صح القول، فإنّ هذا يشير إلى استبدال الهوية الثقافية بهوية جمعية تعاضدية تعتبر نفسها قيِّمة على المجتمع.