الحياة برس - عامٌ انقضي، ومَرْ، ولكنهُ كان على أكثر العالم صعب مُرٌ مرير كالقمطرير، كان فيه أغلب الناس يُعصرون، ويفتنون، وأكثرهم يَقتَتلون، ويتصارعون، ويتشاجرون، وبعضهُم يُقتلون، ومنهم بوباء كورونا مُصابون، وملايين منهم ماتوا، وحتي الآن يمُوتوُن؛ وعلى الرغم من ذلك فإنهُم في غفلةٍ مُعرضون، وعن الحق لاهُون عابثون، يلعبُون، ويمرحون، وبعضهم يظلمون، وأخرون للأرحام قاطعون، وبعضهم عن الصلاة كُسَالا، وللنفقةِ كارهون، وقد يُصَلُون، مثل نقر الديكة، وكأنهم لا يصلون، وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين، ومنهُم لِميراث البنات غير مُؤدِين، وللماعُون مانعُون قاطعُون، وعن أداء الزكاة مُمتَنِعون!؛ وعن أداء الأمانة مُقصرون، ولعهدهم ناكثون، وأكثرهم للحق كارهُونْ!؛؛ وعن العدلِ مُعرضُون، ومنهم مُغرِضُون، وساخطون، وغير راضون، ولا حامدون، ولا شاكرون!؛ ولذلك أغلب المُسلمين اليوم إلا من رحم ربي يصنف في دائرة العُموم الكبيرة وهي الإسلام، أي مُسلم بالفطرة، والهوية، وهو بذلك يكون في داخل دائرة الإسلام الكبيرة، والكثيرة العامة، ولكن الدائرة الأعظم هي الدائرة الصغيرة الأخص، والأفضل، والمثالية الربانية، وهي الإيمان؛ وقد فاز من دخل في دائرة الإيمان، يقول الله عز وجل: " قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ"؛ فأغلب المُسَلِمِين اليوم لم يرتقوا لدرجة الإيمان، وهل قام أغنياء المُسلمين عندنا مثلاً ، ممن أنعم الله عليهم بالأموال، والأراضي الكثيرة، وتبرعوا من أرضهم لبعض أقاربهِم أو لصاحب حاجه؟!؛ لذلك فلن نصل إلى درجة الايمان، وإلى ثواب البر، وهو الجنة، ولن نكون بررة ونستحق رضوان الله، وفضله ورحمته، وجناته، وصرف الوباء، والبلاء عنا، حتى ننفق من أحب الأموال لنا، ومن كرائم وأطيب الأراضي، والأموال، وما تنفقون من شيء، سواء أكان ذلك الشيء كريمًا أم رديئًا، فإن الله به عليم، فيجازي عليه؛ ومما يدل على علو همة الصحابة الكرام أنهم كانوا يتصدقون بأحب الأموال لديهم، ولقد روى الأئمة الستة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان أبو طلحة أكثر الأنصار نخلاً بالمدينة، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء (بستان في المدينة) وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يدخلها ويشرب من ماء طيب فيها، فلما نزلت: "لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ" قال أبو طلحة: يا رسول الله، إن أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله تعالى، أرجو برّها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله تعالى، فقال عليه الصلاة والسلام: بخ بخ (كلمة استحسان تدل على الرضا والإعجاب) ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه، وفي رواية لمسلم: فجعلها بين حسان بن ثابت وأبيّ بن كعب؛ قال العلماء: إنما تصدّق به النبي صلّى الله عليه وسلّم على قرابة المصدّق لوجهين: أحدهما- أن الصدقة في القرابة أفضل، الثاني- أن نفس المتصدق تكون بذلك أطيب وأبعد عن الندم، وكذلك فعل زيد بن حارثة، لما نزلت هذه الآية، جاء بفرس يقال لها (سبل) لم يكن له مال أحب إليه منها فقال: هي صدقة، فقبلها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وحمل عليها ابنه أسامة- أي أعطاها له-، فكأن زيدًا وجد من ذلك في نفسه (أي حزن) ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله قد قبلها منك»، وفي الصحيحين: أن عمر قال: يا رسول الله، لم أصب مالا قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال: «حبّس الأصل، وسبّل الثمرة»، وأعتق ابن عمر نافعا مولاه، وكان أعطاه فيه عبد الله بن جعفر ألف دينار، قالت صفية بنت أبي عبيد: أظنه تأوّل قول الله عز وجل: "لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ". وأخرج عبد بن حميد والبزار عن ابن عمر قال: حضرتني هذه الآية: "لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ"، فذكرت ما أعطاني الله تعالى فلم أجد أحبّ إليّ من مرجانة (جارية رومية) فقلت: هي حرة لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله تعالى لنكحتها، فأنكحتها نافعا (مولاه الذي كان يحبه)، ولم يمت ابن عمر إلا وأعتق ألف رقبة، أما معنى البر فاختلفوا في تأويله على أقوال ثلاثة: الجنة، أو العمل الصالح، أو الطاعة، والتقدير على المعنى الأول: لن تنالوا ثواب البر حتى تنفقوا مما تحبون أي لن تصلوا وتدخلوا الجنة حتى تنفقوا مما تحبون، وعلى المعنى الثاني، قال الحسن البصري: "حَتَّى تُنْفِقُوا": هي الزكاة المفروضة؛ والأولى أن يكون المراد كما قال الزمخشري: لن تبلغوا حقيقة البر حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثرونها، كقوله: "أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ"، وكان السلف رحمهم الله إذا أحبوا شيئا جعلوه لله تعالى؛؛ وقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل"، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً"، وفضل الصدقة قال الله تعالى: "لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا"، وقال: "وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ"؛ وخير الصدقة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجراً؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى الخ..؛؛ وليس هناك أجمل وأبسط من تفسير العلامة الكبير الفقيه الدكتور الشيخ محمد الشعراوي رحمه الله حينما كان مُسافراً للدعُوة في مدينة سان فرانسيسكو فسألهُ أحد المستشرقين قائلاً :" هل كل ما في قرآنكم صحيح" ؟! فقال له الشيخ الشعرواي رحمه الله مُجيباً "بالتأكيد نعم"- فسأل المستشرق الشيخ مرة أُخري : قائلاً:" لماذا إذاً جعل للكافرين عليكم سبيلا ؟!؛ رغم قوله تعالى: "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ،"فأجاب الشيخ قائلاً: "لأننا مسلمين، ولسنا مؤمنين ؛!!فسألهُ المُستشرق قائلاً فما الفرق بين المؤمنين، والمسلمين؟ فَرَد الشيخ الشعراوي عليه قائلاً: " المسلمون اليوم يؤدون جميع شعائر الإسلام من صلاة وزكاة وحج وصوم رمضان .. الخ من العبادات ، ولكن هم في شقاءٍ تام!؛ شقاء علمي واقتصادي واجتماعي وعسكري .. الخ ، فلماذا هذا الشقاء؟!؛ جاء في القرآن الكريم قوله تعالى" : قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم" لأن المسلمين لم يرتقوا إلى مرحلة المؤمنين فلو كانوا مؤمنين حقاً لنصرهم الله ، بدليل قوله تعالى:" وكان حقاً علينا نصر المؤمنين "، ولو كانوا مؤمنين لأصبحوا أكثر شأناً بين الأمم والشعوب ، بدليل قوله تعالى:" ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين"؛ ولو كانوا مؤمنين، لما جعل الله عليهم أي سيطرةً من الآخرين ، بدليل قوله تعالى : ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا "؛ ولو كانوا مؤمنين لما تركهم الله على هذه الحالة المزرية ، بدليل قوله تعالى:" وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه "، ولو كانوا مؤمنين لكان الله معهم في كل المواقف، بدليل قوله تعالى: "وأن الله مع المؤمنين"؛ ولكنهم بقوا في مرحلة المسلمين، ولم يرتقوا إلى مرحلة المؤمنين، قال تعالى:" وما كان أكثرهم مؤمنين"؛؛؛ فمن هم المؤمنون ؟؛ المؤمنون هُم المتصدقون، والمنفقون من أفضل ما يحبون، وأفضل ما عندهم فهل نحن كذلك، والمؤمنون في القرآن الكريم هم:" التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، والحافظون لحدود الله، وبشّر المؤمنين"، نلاحظ أنّ الله تعالى ربط موضوع النصر والغلبة، والسيطرة ورقي الحال بالمؤمنين، وليس بالمسلمين"؛ لذلك، وما أكثر الناس اليوم ولو حرصنا بمؤمنين، والأغلب أنهم مُسلمين، ولذلك لن يحصل الأمن، والأمان لهم إلا بالإيمان، وليس بالإسلام فقط، وباء كورونا جندي رباني صغير، ولكنه رهيب ومخيف، لا يري بالعين المجردة، أفقد البشرية جمعاء الأمن، والأمان، وقَتَل الملايين لأنهم لم يؤمنوا!؛ فلقد أجبر الجميع حتي العاريات أجسادهن أن يضعن غطاء على الوجه "كمامة"، ورغم ذلك الموت االزُعاف، وموت الفجأة الذي اتسع في العالم، ولكن الناس، وخاصة نحنُ المسملين لا نزال غافلين، وأكثرنا عن الحق مُعرضين، ونتكلم أجمل الكلام كالطيِب العاطر، والرياحين، والياسمين، ولكن أفعالنا مُرٌ علقمٌ، ولا تعلو عن الطين، وأسفل سَافلين، نرجو أن نرتقي من مرحلة الإسلام للإيمان، واتباع الحق المبين.
الباحث والكاتب الصحفي، والمحاضر الجامعي المفكر العربي والمحلل السياسي
الأديب الأستاذ الدكتور/ جمال عبد الناصر محمد عبد الله أبو نحل
عضو نقابة اتحاد كُتاب وأدباء مصر
رئيس المركز القومي لعلماء فلسطين