( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
يعيش في مجتمعاتنا مئات بل آلاف مثل ما كتبه الكاتب والفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو ،أنه قد أصبح للكثيرين في مجتمعاتنا وجهان ، وجه ملائكي لطيف يغلب عليه القول المعسول، والقيم النبيلة والأخلاق السامية ، ووجهٌ آخر مختلف تماماً يظهر فيه الشرٌّ كشيطانٍ يمشي على الأرض، يرتدي السواد في أفعالِهِ وأقوالِهِ ، ويُظهِر شرّه دونَ خجل أو وجل .نعيش في عصر فيه الوجوه متقلِّبة ومتغيِّرة ، عصر التناقضات وعدم التمايز ، المتناقضون يرتقون في العلاقات العامة ، في الوظائف، لقد نظر الكاتب والفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو إلى نظرية حالة الطبيعة الافتراضية كدليلٍ له معياره الخاص ، نظرًا لتشاركه مع الفلاسفة الآخرين في عصره. فقد انتقد عالم الرياضيات والفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز واضع كتابه الهام (لوياثان ) عام 1651 الأساس لمعظم السياسة الغربية من منظور نظرية العقد الاجتماعي ، تم انتقاده لتأكيده على (كون الإنسان شريراً بشكلٍ طبيعي لعدم امتلاكه أي فكرة عن الخير في حالة الطبيعة، وأنَّه شرِّير لأنه لا يعرف الفضيلة).أما الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو فقد نظر إلى الموضوع بشكلٍ معاكس، فرأى أنَّ الأخلاق الفاسدة تسود في حالة الطبيعة، وأشاد بشكلٍ خاص بالاعتدال المثير للإعجاب للكاريبيين في تعبيرهم عن الرغبة الجنسية ،على الرغم من أنهم يعيشون في مناخ حار يثير الرغبات الجنسية . كما أكد جان جاك روسو أنَّ مرحلة التطوُّر البشري المرتبطة بما أسماه الوحشية كانت الأفضل أو الأنسب في التطور البشري، وذلك بين أدنى المرحلة الأنسب للحيوانات الوحشية من ناحية، وأقصى الحضارة المنحلّة من ناحية أخرى. حيث قال : ( ما من شيء ألطف من الرجل في حالته البدائية، وذلك عندما توضع الطبيعة على مسافة متساوية من غباء المتوحشين والتنوير القاتل للإنسان الحضاري) .
فى مجتمعاتنا العربية التي تعيش على امتداد الأرض العربية من المحيط إلى الخليج ، نتكلم كثيراً عن أهميةِ ونُبلِ التراضي فيما بين بعضنا البعض، ونحاول ممارسة هذا التراضي من خلال تعابير وسلوكات نمطية فيها الكثير من النفاق والخداع الاجتماعي ، أو الكثير من مخدرات الضمير أو موته الذى بطبيعته لا يرضى الظلم والقهر والتسلُّط، ولا يستطيع التعايش معه.فلو عُدنا لقراءة بنية ونمط السلوك والتفكير لدى مجتمعاتنا لوجدنا الكثير من التعبيرات النمطية ما يقوله أتباع الطوائف والمذاهب الفقهية الإسلامية عن بعضهم البعض، من وجود علاقة أخوَّة دينية فيما بينهم مبنية على المحبة والاحترام والتقدير والتراحم، وبالتالي عدم القبول بأنَّ يقع الضرر على أتباع أي مذهب أو طائفة بسبب التمييز أو التفريق أو التهميش أو التسلُّط والهيمنة . وللتدليل على وجود تلك الأخوَّة المتفاهمة المُحبّة يتفاخرون بالتواصل والتزاور فى مناسبات الأعياد والزواج والوفيات، وبالتزاوج فيما بينهم حتى ولو كانت النسبة لا تزيد عن عشرة فى المائة، وحتى لو كانت تجري وراء الكواليس والأبواب المغلقة كل أنواع التساؤلات والشروط والاعتراضات والتحذيرات إلخ . والأمر نفسه ينطبق على أصحاب الديانات أو الأصول الإثنية العرقية أو الانتماءات العشائرية والقبلية والجهوية المختلفة. هناك أيضاً تعابير ومفاهيم وسلوكات نمطية وادعاءات بوجود الأخوَّة والمحبة والتراحم والتقدير والاحترام ،وعدم القبول بالتمييز أو الاستعلاء أو القمع أو الظلم. تلك التعابير والسلوكات والمفاهيم قد تكون صادقة عند البعض القليل من أصحاب الضمائر وأصحاب المنادين والمدافعين على الأخلاق الإنسانية السامية والاستنارة الاجتماعية. لكنَّ جوهر همُّنا ليس فى وجود أو عدم وجود تلك التعابير الأخوية والتراحم وتبادل المجاملات والزيارات البينية ، بل وحتى انتشار وقبول المصاهرة والتزاوج بنسب كبيرة. أيضاً يعيش بيننا أشخاصٌ متناقضون، يكرِّسون حياتهم لنشر القيم الجميلة ،ولكنهم لا يطبقونها، أقوال فقط ، ربما يتبنون مشاريع كثيرة، ولكنهم يتركون أهم مشروع في حياتهم جانباً ألا وهو الأسرة والأبن. كل ذلك حدث ويحدث عبر تاريخنا العربي الطويل بنسب مختلفة في كل أقطار الوطن العربى ودون استثناء. لكنَّه لم يمنع طغيان فئة على فئة أخرى من خلال سياسات الاستئثار بالمال والجاه والسلطة والامتيازات الكبيرة الظاهرة والخفية، وبالتالي لم يمنع تفجُّر النزاعات والصراعات الدينية والطائفية والقبلية والإثنية ، ووصول بعضها إلى حالات الحروب الأهلية المدمِّرة .
 إنَّ كل ما نطمح إلى تحقيقه هو كيفة الوصول إلى مجتمع فيه تعدُّد ديني ومذهبي وعرقي إثني ولغوي وثقافي، ولكنَّه مع ذلك مجتمع ينعم بالطمأنينة والأمن ، وبالسلم الأهلي ، دون حاجةٍ لممارسة سياسات التراضي التي جئنا على وصفها، والقائمة على الكذب والنفاق والتعابير النمطية المخادعة والملتوية أحيانا، والتى لا تمنع حدوث النزاعات والصراعات والانفجارات وقيام النظام السياسي الطائفي أو الجهوي أو الفئوي المتسلط. وبمعنى آخر جعل التعدد الديني والمذهبي والثقافي مصدر إغناء لحياة المجتمع وثرائه ، ومصدر تفاعلات إيجابية تدفع بالمجتمع إلى التحضر والسمو الأخلاقي والإنساني . 
     ما نسعى إليه ونعمل من أجله ككتَّاب وباحثين هو ترسيخ مفاهيم العدالة الإنسانية والأخلاق السامية التي ترفض القهر والظلم والتسلط ، وتأكيد دور العدالة على منع حدوث هذا الظلم والقهر والتسلُّط . لأننا هنا لا نتحدث عن حاكم عادل في بيئة فاسدة وظالمة متسلطة وتمييزية ، وإنما نتحدَّث عن نظامٍ عادل في جميع مكوناته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، من خلال تضمين مفهوم العدالة على إجابات محدَّدة بشأن قضايا جوهرية مثل الحرية والمساواة وحقوق الرأي والتعبير ، وحقوق الإنسان ، وما يقع عليه من واجبات ، والمواطنة، وإعادة توزيع الثروة بالعدل ، وتداول السلطة وشرعية القوانين الناظمة ، وعلاقات السلطات الثلاث ببعضهما البعض . ونحن هنا لا نتحدث عن وجود حاكم عادل فى بيئة ظالمة وفاسدة وتمييزية، وإنما نتحدث عن وجود نظام عادل فى مكوناته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال احتواء مفهوم العدالة على أجوبة محددة بشأن قضايا من مثل الحرية والمساواة وحقوق الإنسان وواجباته والمواطنة وتوزيع الثروة وتبادل السلطة وشرعية القوانين وعلاقات السلطات الثلاث ببعضها البعض إلخ. 

ونحن كعرب وبما أنَّ أرضنا العربية هي مهد الحضارات الإنسانية ، ومهبط الرسالات السماوية ، وأرض الأبجدية الأولى . ومسرح الأساطير والحكايات التاريخية ، نرى أنّه من المهم أن نقول إنَّ تراثنا العربي بكل تشكيلاته ،انشغل بمواضيع العدالة الإلهية، وبالتالي أصبح العدل والحق مساوياَ فقط لتطبيق الشريعة وعدم الخروج عن نصوصها وتشريعاتها ، كما انشغل بصفات الحاكم العادل وملكاته وقدراته ، بينما أهملت الأسس النظرية للعدالة الاجتماعية والانسانية ، والتنظيمات الضرورية لتواجدها حتى تتواجد كممارسة فى الحياة اليومية المجتمعية في مجتمعنا العربي.
من وجهة نظري أرى أنَّ علاج تلك النزاعات الصراعات والمشاحنات التي وصفناها، إذا كانت ستأتي عن طريق إرساء دعائم الحق والعدالة، فإنه يجب أن نستفيد من الحوارات والمناقشات الغنية العصرية حول العدالة ومدلولاتها ، والتي تشترط على الأقل وجود المكونات والمضامين الهامة التي تبحث في المساواة فى الحقوق والواجبات، بما فيها المساواة فى الفرص والمساواة بين الرجل والمرأة، بصور نسبية بالطبع، ولكن مرتبطة أشد الترابط بمبادئ التكافل والتراحم والتواصل الأخوي والخير العام. كما أنَّ العدالة الاجتماعية التي تقوم على توزيع عادل للثروة بين أفراد المجتمع ، ومنع وجود فوارق كبيرة بين الأغنياء والفقراء، ومنع استغلال عمل وجهد الآخرين من قبل أية أقلية أو مجموعة معيَّنة ، أو طائفة محدَّدة ، ورفض التمييز فى الفرص الحياتية للمواطنين . إنَّ إقامة علاقات سياسية واجتماعية وثقافية قائمة على مبدأ المواطنة المتساوية، وشرعية القوانين الناظمة ، وتساوي الجميع أمامها وانفاذها من قبل قضاء عادل ونزيه، واستقلال وحيوية المجتمع المدني بعيداَ عن أية هيمنة أو سيطرة ، واحترام لشتى أنواع الحريات الفردية والجمعية في حرية التعبير عن الرأي والتجمع وغيرهما. كما نبحث بقوة عن عدالة منسجمة إلى أبعد الحدود ومكمِّلة للعدالة الإلهية التى نادت بها جميع الشرائع السماوية التوحيدية ، كيف لا ورب العالمين هو العدل المطلق ولا يساويه أي عادل في الوجود . وجود مثل تلك العدالة بما تحمل من حمولات متعدِّدة، عدالة مقنَّنة لتلك النقاط الأساسية الرئيسية ، هو الكفيل بانتقالنا من ممارسات التراضي والمجاملات إلى ممارسة حياتنا بأمنٍ وأمان ، والعيش المشترك بسلام وطمأنينة وأخوة حقيقية فى المواطنة والإنسانية بأسمى معانيها .