( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
 من المؤكد أنَّ فكرة العدالة وغيرها من المفاهيم والمصطلحات تقر بعدم وجود نظام ديمقراطي واحد، بكل منطلقاته النظرية وتطبيقاته العملية ،يكون صالحاً لجميع دول العالم، وذلك بسبب تأثيرات الماضي من تاريخٍ وتراثٍ وثقافة، إضافة إلى البنى الاجتماعية المرتكزة على كثير من تفاصيل الديمقراطية، وبالتالي على حاجة شعبنا العربي للاتفاق على نوع الديمقراطية الصالحة لمجتمعاتهم فى الحاضر والمستقبل القريب. وكنتُ قد بيَّنتُ في مقالاتٍ سابقة أفضلية أن يكون المنطلق الأساسي للديمقراطية التي نتبناها كعرب فى بلادنا العربية، مبدأ العدالة، بعد أن أظهرت تجارب العديد من دول الغرب الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية الديمقراطية بأنها مبدأ الحرية الليبرالية كمنطلق لديمقراطيتهم، ودون أن يحكمه مبدأ العدالة ويعلو عليه أو يسموا عليه ، قد قاد إلى أزماتٍ عديدة ومشاكل لا تُحصى في حقول السياسية والاقتصاد والسلم الأهلي والأخلاق العامة ، والأوضاع النفسية الجمعية. لذا فالعدالة تعدُّ القاعدة الاجتماعية الأساسية لاستمرار حياة الناس مع بعضهم البعض، وهي محور أساسي في الأخلاق وفي الحقوق وفي الفلسفة الاجتماعية ، وهي قاعدة تنطلق منها بحوث إيجاد المعايير والمقاييس الأخلاقية والقانونية. فقد كانت مسألة التعريف بالعدالة، منذ زمنٍ بعيد ، الشغل الشاغل للباحثين والمفكرين وكبار المثقفين النوعيين ، ترد مرادفةً لكلمة الحق، لكنَّها كانت تُعرَضُ تارةً أخرى كأنها متفرِّدة ومتميزة بمدلولها وفعاليتها في الواقع ، بل كأنها أسمى من الحق وأعلى، وتتجلّى في أحد مظاهرها كأنَّها تعني التوافق مع القانون والتشريع الوضعي، بيد أنَّهُ من جهةٍ أخرى ينبغي أن يكون القانون متفقاً مع العدالة بأي شكلٍ من الأشكال . وهكذا فإنَّ ما يبدو من جهةٍ ، معياراً للتمييز بين العدل والظلم يمكن أن يخضع لمعيار مثالي أعلى، يأخذ تعبير العدالة التي توصف أيضاً بالإنصاف والحق ، وتنشد أعلى مراتب العدل والسمو، حيث يقوم الحق على أساس المساواة القانونية للجميع ، واحترام حقوق الأفراد وما يقولونه مع حرية الرأي والتعبير ، وكثيراً ما يُقال إنَّ القاضي بنى حكمه على روح العدالة ، ومعناه أنَّ القاضي لم يتقيد بالقانون الوضعي والتشريع الذي أقرَّه المُشَرِّع ، ولم يحكم بأساس القواعد القانونية والتشريعية والأصول المدوَّنة، بل لعلَّه يكون خالفها فيما قضى به، وهذا لا يصح ، وغير جائز أصلاً. وقد استعمل أولو الرأي والمفكرون والمثقفون المسلمون منذ القديم هذه الكلمة ( المفهوم) بالمعنى الذي يفهم اليوم من كلمة العدالة، أي بما يشير إليه الذوق السليم الشفاف مما في الأمر من عدلٍ وظلم، وقد فسَّره ابن القيم الجوزي وهو فقيه ومحدِّث ومفسِّر وعالم مسلم مجتهد بأنَّه ما يراه القلب بعد فكرٍ وتأمُّل وطلب لمعرفة وجه الصواب ودقته.إذاً يمكن القول بصورةٍ عامة إنَّ العدالة وإن ظهرت وكأنها المبدأ الأساسي لجميع المجتمعات بشكلٍ عام ،والمقياس الذي تحاكم بمقتضاه جميع الشؤون الإنسانية ، والحَكَمُ الأخير الذي يرجع إليه في جميع الخلافات والتناقضات ، فإنَّها قد تطوَّرت زمنيّاً ،وتطورت تطبيقاتها عملياً على أرض الواقع . وإذا كانت القوانين قد تضمنت جملةً من القواعد يُفتَرَض فيها التعبير عن العدالة، فإنَّ هذه القواعد في حالاتٍ تاريخيةٍ معينةٍ، استُبعدت من التطبيق استناداً إلى مبادئ عُدَّت أسمى من القانون ،هي مبادئ العدالة، وقد تقبَّل الرأي العام هذا على الرغمَ من ما يبدو هنالك من تناقض يوحي بانطباع أن الغلو والمبالغة في تطبيق القانون حرفياً يؤدي إلى الظلم والقهر ، وهو ما عبَّرت عنه في القانون الروماني، قاعدة تقول : (الغلو في الحق غلو في الظلم) .
إنَّ ما نراه من أزماتٍ وتناقضاتٍ خطرة في مسيرة الديمقراطية في بعض دول أوروبا وآسيا ، والولايات المتحدة الأمريكية .تشير إلى وجود خللٍ في المنطلقات الأساسية لتلك الديمقراطيات. 
       السؤال العقلاني والمنطقي الذي يحتاج إلى إجابةٍ صريحةٍ وواضحةٍ بالنسبة لنا كعرب هو: عن أيَّة عدالةٍ نتكلم ؟؟؟ ما مصادرها وقيمها وتطبيقاتها فى الواقع الموضوعي ؟ وما نوع علاقتها بالديمقراطية وتطبيقاتها ؟هذا الموضوع هو موضوع كبيرجداً وتم طرحه على مستوى العالم منذ زمنٍ طويل من قبل الفلاسفة والمفكرين وكبار المثقفين النوعيين في أمور السياسة والاقتصاد، ويُعاد طرحه بقوة في الوقت الحاضر بعد أن دخل العالم عدة أزمات عولمية، وعلى الأخص في الاقتصاد أو في مواجهة وباء غريب معقد كوباء الكورونا.( كوفيد 19 ) و (كوفيد 20) المتجدِّد .وقد تعدَّدت تعاريف العدالة وتطبيقاتها والتزاماتها القانونية وارتباطاتها بالأخلاق السامية وقِيَم الفضيلة عند أولئك الكتاب والفلاسفة والمفكرين وكبار المثقفين النوعيين . والأمر نفسه يجده الباحث الحصيف فى تراثنا العربي الثر ، والمعالجات العربية الحديثة لموضوع العدالة وماهيتها . الجدير بالذكر بأنَّ هناك عدالة رجعية وعدالة توزيعية ، وعدالة تعويضية . فالعدالة الرجعية أو العدالة التوزيعية هي مدى توزيع المنافع والأعباء على جميع أفراد المجتمع بطريقةٍ عادلةٍ ومنصفةٍ. أما العدالة الرجعية أو القسرية: فهي العقوبات العادلة، والمتمثلة في الإجراءات العملية المترتبة على مرتكبي الجرائم بأنواعها المختلفة مثل جرائم اقتصادية ، وجرائم جنسية ، جرائم سياسية ، جرائم اجتماعية ، جرائم نفسية . إضافةً للجرائم الأليكترونية .وجرائم الجنائيات وجرائم الجنحة ، وجرائم المخالفات . إلخ . والهدف منها هو ردع المجرم، ومثالها قطع يد السارق، أو عقوبة الإعدام على مرتكبي جرائم القتل
. العدالة التعويضية: وهي تعويض الأشخاص المصابين بالجراح تعويضاً عادلاً عن جراحهم وإصاباتهم، وبالتالي فإنّ التعويض العادل يتناسب مع الأضرار التي لحقت بالشخص. أما العدالة عندنا نحن العرب فقد ارتبطت بحميمية نتيجة ترابط بنية المجتمع العائلي بمجموعة من القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية ، من مثل المساواة في الخلق والقيمة البشرية العليا ،والحق ،وتحكيم الضمير ،والقسط ، والسعادة ، والميزان ، والتقوى ، والإنصاف ، والمحبة، والإحسان ، والوسطية بلا إفراط ولا تفريط. هذا الترابط الوثيق بين العدالة وكل القيم الأخلاقية والفاضائل يختصره المفكر والفيلسوف الليبرالي الأمريكى جون بودرلي رولز مؤلف كتاب ( قانون الشعوب ) وكتاب ( العدالة كإنصاف) .والفيلسوف الفرنسي وعالم الإنسانيات المعاصر بول ريكور باستمرار بمقولة: )العدالة هى الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعية كالحقيقة بالنسبة لأنساق الفكر(.  
ويحسب للحضارة العربية الإسلامية اهتمامها الكبير الخاص والمتميز بموضوع العدالة قبل الحضارة الغربية بعدة قرون ، وذلك من خلال الأطروحات العديدة مثل : ( أهل العدل والتوحيد) ،مثل فرقة (المعتزلة الكلامية) التي ظهرت في بداية القرن الثاني الهجري في البصرة في العراق في أواخر العصر الأموي ، وقد ازدهرت في العصر العباسي ، وكانت قد لعبت دوراً رئيسياً سواء على المستوى الديني أوالسياسي ، هذه الفرقة غلبت عليها النزعة العقلية ، فاعتمد المؤمنين بها على العقل في تأسيس عقائدهم وقدموه على النقل ، وقالوا بالفكر قبل السمع . ومع أنَّ الطرح المعتزلي ركَّز كثيرا على إثبات التنزيه الإلهي عن الظلم، ولم يعطي الاهتمام الكافي التفصيلي للقانون والتشريعات والمؤسسات القانونية كأدوات تفعيل للعدل فى المجتمعات، إلَّا أنَّ أتباع فرقة المعتزلة الكلامية أبرزوا أهمية ما يُعرَف الآن بالحق الطبيعي، وشتى جوانب التساوي في الإنسانية . والنتيجة النهائية التي وصلوا إليها ، أنَّ المعتزلة جعلوا موضوع العدل الإلهي والإنساني موضوعاً عاماً تداوله رجالات الحكم والسلطة ،والفقه والفلسفة عبر سنين طويلة. ولو تمكنت المدرسة المعتزلية الاستمرار إلى وقتنا الحاضر لكانت قد سُدَّت الكثير من الثغرات ،وكان العرب قد ساهموا في ترسيخ نظريات العدالة لا تقل عما جاء بها فلاسفة كبار مثل الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط الذي عاش في القرن الثامن عشر ( 1724 ـ 1804 )،والفيلسوف والكاتب والملحن الجنيفي جان جاك روسو الذي عاش في القرن الثامن عشر، ومن أشهر أعماله (العقد الاجتماعي) . و ( جون بوردلي رولز (الذي يعتبر من كبار منظري ومؤسسي ليبرالية اجتماعية، حيث اهتم بالعدالة الاجتماعية. وغيرهم . 
إنَّ هذا الموضوع الكبير والمتشابك يدعونا لمعرفة المزيد من الموضوعات والنقاشات التي وصلت إليها مفهوم العدالة في تراثنا العربي . هذا التراث يمكننا أن نعثر عبر ثناياه على مدينة الفارابي الفاضلة التي سبق مؤلفها غيره فى القول : بأنَّ واجب من يحكمها هو ضمان حق الحياة وحق السعادة وحرية الرأي والتعبير ، والتي لا تقل أهميةً وروعةً عن جمهورية أفلاطون الفاضلة، كما يمكننا أن نقرأ أقوال الفقيه أبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني حول أهمية ومعاني العدالة من منظور ديني بالغ التقدم.فقد أعطى الإسلام أهميةً كبيرةً لموضوع الأخلاق والقيم والفضائل وأهمها فضيلة العدل المبثوثة فى النصوص القرآنية كمواجهة وعلاج لرذيلة الظلم والقهر ، وذلك من خلال الإعلاء الكبير للتكافل الاجتماعي وللحرية الفردية والجمعية ، والمساواة الإنسانية الشاملة والتسامح في السلوك والحكم بالقسط والنهي عن ممارسة البغي، والقصاص. 

خلاصة القول وجوهره هو أنَّ أهم أساس للديمقراطية، كنظرية ونظام عملي ، وهو فضيلة العدل، الموجودة بغزارة بشكلٍ كبيرٍ فى التراث العربي الإسلامي. وإذا كنا نتفق مع استنتاج هيئة الأمم المتحدة بأنَّه لا يوجد نظام ديمقراطي واحد في العالم يصلح لكل المجتمعات، وذلك لارتباط الديمقراطية بتاريخ وثقافة وعقائد وتراث المجتمعات في العالم ، فإننا نستطيع القول بأنَّ الانطلاق من العدل التي هي فضيلة الفضائل، بصيغ تتناسب مع عصرنا العربي ولحداثتنا المطلوبة، سينسجم مع ثقافتنا وتراثنا ، وبالتالي سيجعل الانتقال إلى الديمقراطية مطلباً مجتمعياً عالمياً واسع الانتشار، وأكثر قبولاً وأقل خطأً .