( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
منذ ما يقرب من مئتي عام ، والعقل العربي يسعى جاهداً لمحاورة العقل والفكر الغربي الأوروبي ، بخاصة في النصف الثاني من القرن الماضي وبداية القرن الواحد والعشرين . وهذا ما تقوم به أنواع الأدب على اختلاف أشكالها من شعرٍ ونقدٍ ومسرح وقصصٍ وروايات . وزاد عليها الكثير من الكتب الفكرية والسياسية والتاريخية والعلمية . تحت عنوان كبير هو أزمة الحداثة ، والتي نتجت عنها العديد من القضايا المختلفة والإشكالات العديدة ، والتي يأتي في مقدمتها مصطلح ( الآخر ) . هذا المصطلح أُنهك بل قُتِلَ من البحث والتقصي في جوهره وقشوره ، حتى تحوَّل إلى أزمةٍ حقيقيةٍ انتهت إلى طريقٍ مسدود . فقد توقَّف معظم مفكرينا مؤخراً بعد أن أعياهم البحث والتقصي عن الحديث حول أبعاده وتجلياته وماهيته . كما أنَّ الآخر يمتلك قدرات هائلة على التلوُّن والتغيير إضافةً لامتلاكه آلاف الوجوه . فتجده (الآخر الحضاري) ، و (الآخر الاجتماعي ) ، و (الآخر الثقافي ) . إلخ . ووصلت تلك الأدبيات على مدى اتساعها في توجهاتها العامة إلى أبعد الحدود ، لأنَّ ثقافتنا تتحسَّس من ( الآخر ) . ولذا نبتعد عنه . لقد أدلى العديد من المفكرين العرب بآراء لا تختلف عن الاستشراق التقليدي في مناوئته لثقافتنا العربية التي نعتزٌّ بها ، أما من تعاملوا مع مدلول (الآخر ) منهم بموضوعية ، نراهم قد خرجوا علينا بنظرية الثنائية ، فنحن العرب محكومٌ علينا بالمراوحة بين نقيضين متباينين : هما التراث والمعاصرة ، والأصالة والمعاصرة ، وهي النتيجة التي حصلنا عليها ، والتي تم ترسيخها في بنية العقل العربي كالتي قدَّمها لنا المفكر المغربي الدكتور محمد عابد الجابري ، والمفكر البحريني محمد جابر الأنصاري ، والمفكر السوري الدكتور الطيب تيزيني ، والمفكر المصري زكي نجيب محمود . والدكتور محمد عمارة ، والمفكر الباحث الدكتور محمد أركون ، وعشرات غيرهم . أي أنَّ نتيجة نقاش وحوار دام لعقودٍ طويلةٍ حول مسألة ( الآخر ) وصلت إلى نتيجتين : الأولى ، عدم قدرة العرب على دمج التراث في العصر للخروج بمركب حضاري جديد نفتخر به ، والثانية أننا نحن العرب عندنا مشكلة متأصِّلة فينا نحو( الآخر ) . فنحن إما منبهرون بالغرب ، وإما غارقون في أصالتنا .    
ونحن نتلمَّسُ هذه المشكلة المربكة يومياً ،بخاصةٍ النخب الفكرية والثقافية ، أمّا الإنسان العادي فإنه يمارس حياته اليومية بشكلٍ اعتيادي من دون أي إحساس بالتناقض بين الماضي العربي والحاضر . وحتى إنَّ إعاقة الماضي نتيجة لبعض القيم الهشة والسلبية ، نراه يتجه مباشرةً إلى تغليب مصلحته الآنية على المصالح العامة المستقبلية . لذا فالواقع يهيمن على الناس بشكلٍ مكثف . غير متناسين أو غافلين عن أنَّ هناك تأثير كبير للثقافة على الشعب ، ولكن للعوامل السياسية والاقتصادية ، الكلمة النهائية ، والكلمة الفصل في سلوكياتنا ومنهجنا في الحياة .
 إنَّ ملف التنوُّع في ثقافتنا العربية واسعٌ جداً وشديد الغنى . ، وعلينا أن نفتحه الآن في هذا الزمن . زمن الثورة المعلوماتية الهائلة . ونتأمل فيه بعمقٍ شديد ، فالتنوع في ثقافتنا العربية لا يقتصر على أديان وطوائف وأعراق وأقليات عشائرية وقبلية عاشت هنا لمئات السنين ، ولكن كانت لدينا عدة أنماط أخرى متنوعة ، بدأت مع الفلسفات العربية الموغلة في القِدَم مثل ابن سينا ، والفارابي ، وابن خلدون ،وابن الأزرق ، وأبو حيان التوحيدي ، وأبي حامد الغزالي ،إلخ .. ومعظمها حمل آراء فقهية متعدِّدة تجاورت بسلام وأمان وطمأنينة ، واعتبرها الكثير من المفكرين وكبار المثقفين النوعيين والفلاسفة والعلماء رحمةً للناس ،فضلاً عن تمتع ثقافتنا بلغةٍ عربية تجاوزت مفرداتها نحو اثنتي عشر مليون مفردة لا نهاية لتركيباتها البلاغية . وكان علم فقه اللغة خير دليلٍ على ماهيتها وجوهرها ، كالذي كتبه عبد القاهر الجرجاني ، وابن فارس، وابن يعيش ، ومحي الدين بن عربي وغيرهم كثير . كل هذا يدلُّ دلالةً كبيرة وواضحة. وهوتنوُّع شَمَلَ كل شيئ ، ولم يعرف إلا التسامح مع (الآخر ) .أما إذا عُدنا إلى جوهر مشاكلنا ، فنجدها من جانبها الفكري التي وردت إلينا من الغرب الاستعماري الحديث من خلال استعماره لبلداننا العربية ، ونحن لم نتطلَّع إلى اقتباسات علوم الغرب وفنونه وأدبياته فقط . لكننا اقتبسنا منه مشاكله وإشكالياته المعرفية المتضاربة . فأوروبا بقيت لقرونٍ طويلة مهجوسة ب(الآخر ) . لذا قامت بحروبها الدينية ( الحروب الصليبية ) وحروبها العرقية ( الإثنية ) والقومية التي أورثتنا إياه ، فقد كنا ننادي : ب (الأمة العربية ) وأصبحنا ننادي ب ( القومية العربية ) التي أعلنت عن سقوطها المدوي بعد أن بدأ ما يُطلق عليه الربيع العربي . وشاهدنا حالات التطبيع مع الكيان الصهيوني في وضح النهار وعلى قدمٍ وساق . دون أدنى احتجاج عربي.