( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
لم تستطع البشرية أن تعيش لولا هؤلاء السقائين الذين كانوا وراء أهم التغيرات التي حدثت في تاريخ الفكر والثقافة والحضارة الإنسانية ،فهم يمتازون بخصائص نفسية وقدرات عقلية عالية متوهجة ، وكل ما يدفع الذات ويشحذها من أجل الابداع ، حيث يقول عالم الكلام ـ حجة الإسلام ـ –( أبو حامد الغزالي ): (إنّ الإلهام كالضوء من سراج الغيب يقع على قلب ٍ صافٍ لطيفٍ فارغ) . وهناك من سماهم سقراط (السقّاؤون) في التاريخ وهم الذين يمدونه كلما هدّده الجفاف بما يروي شرايينه وأوردته ولو قليلاً من الظمأ .. إنهم الشعراء والحكماء والفنانين والمسرحيين الذين يواصلون انتاجهم بصمت . فهم يرون أنَّ مبرر وجودهم في هذا الكوكب هو تحسين صورته مما اعتراه من نارٍ وحروبٍ ودمار وحرائق وفساد . فهم يسقون الحياة ويغسلون نفوس الناس ودواخلهم من الشر والضغينة. والخبث والمكر بخاصة هؤلاء الذين أتاهم الشر خارج إرادتهم . والسقاؤون عبر التاريخ يشبهون إلى حدٍ كبير من كرَّسوا حياتهم لمقاومة الجفاف والتصحر بمختلف مدلولاته . فهو ليس حكراً على العطش وشح الماء ، لأنّه يصبح الأسمى والأرقى بالشكل المعنوي والأخلاقي . ويُبطل من خلاله مفاعيل متداخلة ومتشابكة ذات نفوذ كبير على الحاضر والمستقبل الإنساني معاً.
لقد أكَّد عالم الطبيعة الفرنسي جورج لويس لكركيك نفس الفكرة ، وأيده عالم الطبيعة (جوس ) ،لأنَّ لحظات الإلهام الإبداعي تتساوق مع إلهام الطبيعة ، وهي لحظات قصيرة تتفتّق فيها عبقرية الإنسان عن ابداعاتٍ تتجلى بعظمتها وقوتها وجماليتها ، وقد تكون مغايرة للمنطق والعقل . أكَّد ذلك أفلاطون في محاورة ( أيون ) في 
الأسطورة اليونانية، والتي تعني : ( أي الذي يأتي). وبطل الفيضان الشهير ديوكاليون، الشهيرة التي تحدث فيها عن ملحمة الإلياذة والأوديسة هوميروس حيث قال : (إن الشاعر كائن أثيري مقدّس , ذو جناحين لا يمكن أن يبتكر قبل أن يلهم , فيفقد صوابه وعقله , ومدام الإنسان يحتفظ بعقله فإنه لا يستطيع أن ينظم الشعر) . كما كتب الشاعر الإنكليزي 
والناقد والمشغل في الفلسفة صمويل تايلور كولردج قصيدته المشهورة ( كوبلاخان ) التي اعتبرت سقيا للعطاش . وكان صامويل تايلر كولريدج ‏هذا قد أعلن مع زميله ويليام ووردزوورث بدء الحركة الرومانتيكية في إنكلترا بديوانهما المشترك الأناشيد الغنائية. أحد شعراء البحيرة، ويُعرف بقصائده أغنية البحار القديم .التي كانت سقيا لعطاش الإبداع الشعري . 
   السقاؤون عبر تاريخنا العربي من أمثال مئات بل آلاف الشعراء والمبدعين في ما قبل الإسلام ( الجاهلية ) . وشعراء الخلفاء الراشدين وشعراء ومبدعي العصر الأموي والعصر العباسي وحتى الآن ، هم الذين أعانونا على الانتصار لإنسانيتنا . نعم للشعر والفن والموسيقا والإبداع لأنّه آخر ما تبقى لنا في هذا الزمن الرديء . لأن ميدانها وفضاءاتها ومجالاتها من صميم الوجود الإنساني ، بل هي مصيرية لا تقبل المهادنة والمراوغة والإذلال وانتصارها حياة لنا وموتها هزيمة.