الحياة برس - قَبَل عام مُنصرم، وفي شهر يناير تحديداً، بدأ ظهور فيروس كورونا في مدينة ووهَان الصينية، كجُندي صغير جداً لا يُري بالعين المُجردة، فَغَير شكلَ العالم فَقَلَبَهُ كلهُ رأساً على عقب؛ وبسرعة خاطفة كالبرق انتشر الوباء في العالم انتشار النار في الهشيم!؛ ووقفت كل دول العالم المتقدم مذهولة، ومكبلة أمامهُ، وعجزت التقنية، والتكنولوجيا الحديثة في مقارعتهِ؛ بَل، ولم تنفع معهُ كُل القنابل الكهرومغناطيسية، ولا النووية، ولا العنقودية، ولا الذكية، ولا الغبية!؛ وفشلت أمامهُ كذلك أسلحة العالم المستقبلية المُتطورة العشرة؛ وشَلْت حركة الصواريخ العابرة للقارات، والمُحيطات، وتَسَمرت في مخَادِعِهَا، ولم تنفع معهُ السفُن الحربية الحاملة للطائرات، ولا الأساطيل، وقد تخَطى هذا الجُندي الرباني الصغير جداً كل مَكان، ولم تقف في وجههِ الحدود، ولا السدُود!؛؛ ولا مكر، وخُبثْ اليهود!؛ وجَعل من الجميع كالأسير المُلثم، والمُقنع بالكمامة!!؛؛ والله إن في كل ذلك الفيروس لعَلامة، فلقد ألجَمْ وجه من لا تضع غطاء على رأسها، أو لا تستُر جَسدها رغماً عن أنفها جعلها تغطي بِالكمامة أغلب معالم وجهِها!؛ ولقد أثار تفشي الوباء بشكل سريع، وغير مسبُوق الرعب في العالم، وفضح، وأوضح "هشاشة" العالم المتقدم؛ ولقد تكلمت جمُوع غفيرة، وأُلوفاً مُؤلفة عن فَيروس كورونا، وصار الكل يدلي بدلوهِ؛ وما نراهُ هنا أن هذا الوباء هو اختبار، وابتلاء، وأمرهُ بيد الله عز وجل وهو جندي مجهول مسخر من عند الله عز وجل يصيبُ به من يشاء ويصرفه عن من يشاء "ومن وقعت في ساحتهِ المنايا فلا أرضٌ تقيةِ، ولا سماءُ" كما قال الإمام الشافعي رحمه الله؛؛ وهنا نتساءل هل هذا الوباء هو علامة صُغري من علامات اقتراب يوم القيامة ؟؟ ومن أجل الاجابة على هذا التساؤل سننظُر للدليل الشرعي الصحيح؛؛ فأما عن نهاية الدُنيا، وقيام الساعة، أو يوم القيامة، فهذا الأمر غيبي تماماً، فلا أحد يعلم وقتها إلا الله عز وجل، "لا يُجَليها لوقَتِهَا إلا هُو"، ولا يعلم متي تقوم القيامة، ولا حتي نبي مرسل، ولا ملك مُقرب؛؛ وقد أخبرنا خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صل الله عليه وسلم عدد ما ذكره الذاكرون، وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون في العديد من الأحاديث النبوية الصحيحة عن علاماتها وإماراتها الصغرى؛ والتي قد تحقق معظمها، فَمن تلك العلامات بعثته صلى الله عليه وسلم، القائل: «بعثت أنا والساعة كهاتين، وقَرَنَ بين السبابة والوسطى، ومن علامات يوم القيامة موت النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيثُ يقول الصحابي الجليل عوف بن مالك رضي الله عنه: أتيت النبى - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك وهو في قُبّة من أَدَم، فقال: «اعدد ستًا بين يدي الساعة، موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم مُوتَان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم، وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفا» رواه البخاري، والأَدَم: هو الجلد، والغاية: الراية، ومن علامات يوم القيامة استفاضة المال والاستغناء عن الصدقة، وهذا الأمر لم يتحقق إلى الآن، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقومُ الساعةُ حتى يكثرَ المالُ، و يفيضَ، حتى يخرجَ الرجلُ بزكاةِ مالِه فلا يجدْ أحدًا يقبلُها منه، وحتى تعودَ أرضُ العربِ مروَّجًا و أنهارًا"؛ ومن علامات يوم القيامة الصغرى التي وقعت هي ظهور الفتن، والقتل، ومن الفتن التي حدثت في أوائل عهد الإسلام: مقتل عثمان رضي الله عنه، وموقعتا الجمل وصفين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الُدنيا»، ومن علامات يوم القيامة الصغرى التي ظهرت ظهور مدَّعي النبوة، ومنهم «مسيلمة الكذاب»، ومن علامات الساعة الصغرى: ظهور مدعي النبوة الدجالين الكذابين، ففي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى يُبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين؛ كلهم يزعم أنه رسول الله»، ومن علامات يوم القيامة ظهور نار الحجاز، وظهرت هذه النار في منتصف القرن السابع الهجري في عام 654 هـ، وكانت نارًا عظيمة، وقد توسع العلماء الذين عاصروا ظهورها، ومن بعدهم في وصفها، قال النووي : «خرجت في زماننا نار في المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكانت نارًا عظيمة جدًا من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، وتواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة"؛ ومن علاماتها الصُغرى ضياع الأمانة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساع؛ ومن العلامات قبض العلم، وظهور الجهل، ويكون قبض العلم بقبض العلماء، كما جاء في الصحيحين، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل"؛ وكذلك انتشار الزنا، وانتشار الربا، فعن ابن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: «بين يدي الساعة يظهر الربا، والزنا، والخمر»؛ ومن علاماتها ظهور المعازف، قال رسول الله صل الله عليه وسلم قال: «سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ، قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا ظهرت المعازف والقِّيِنات"، وشربت الخمور؛ ومن العلامات ما جاء في حديث سيدنا جبريل عندما سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الساعة فَقال: «أخبرني عن أمارتها، فقال صلى الله عليه وسلم: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان»؛ قال النووي: معناه: أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة تبسط لهم الدنيا حتى يتباهون في البنيان؛ ومن العلامات قول النبي: «أن تَلِدَ الأمةُ ربَّتَها» يعني أن المرأة الرّقيقة غير الحُرّة تَلِدَ بِنتًا تكون هذه البنتَ حرّة وسيدة مالكة لأمها، ومن العلماء من فسر الحديث بكثرة العقوق في الأولاد فيعامِل الولدُ أمَّه معاملة السيد أمَته من الإهانة والسب!!؛ ومن العلامات الصغرى لقيام الساعة كثرة القتل، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن، ويكثر الكذب، وتتقارب الأسواق، ويتقارب الزمان، ويكثر الهرج، قلت: وما الهرج؟ قال القتل»، ومن علامات يوم القيامة الصغرى كثرة الزلازل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل، ومن علامات يوم القيامة ظهور الخسف، والمسخ، والقذف، إذا ظهرت القينات والمعازف وظهرت الكاسيات العاريات، فَعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيكون في آخر أمتي رجالٌ يركبون سروج كأشباه الرجال ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهم كأسنمة البخت العجاف؛ ومن علامات يوم القيامة كثرة شهادة الزور وكتمان شهادة الحق، ويَقَل الرجال، ويكثر النساء؛ ورجوع أرض العرب مروجًا وأنهارًا، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا» ومن علامات يوم القيامة انكشاف الفرات عن جبل من ذهب، وهذه العلامة لم تظهر بعد، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ يَقْتَتِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ وَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ لَعَلِّي أَكُونُ أَنَا الَّذِي أَنْجُو"؛ ومن علامات يوم القيامة كلام السباع والجمادات الإنس، فعن روى الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ، وَحَتَّى تُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ ـ طَرَفُهُ ـ وَشِرَاكُ نَعْلِهِ، وَتُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ مِنْ بَعْدِه؛ وهذا لم يحدث بعد؛ ومن علامات يوم القيامة كثرة الروم وقتالهم للمسلمين، وانشقاق القمر كانت من العلامات التي حدثت في عهده -صلى الله عليه وسلم- انشقاق القمر، قال تعالى : «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُ ومن علامات يوم القيامة فتح القسطنطينية لم تظهر هذه العلامة بعد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقٍ ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ ، مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ فَإِذَا تَصَافُّوا، قَالَتِ الرُّومُ : خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ، فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ : لَا ، وَاللهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا . فَيُقَاتِلُونَهُمْ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ، أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللهِ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ، لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا ، فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ، قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ، إِذْ صَاحَ فِيهِمِ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ، فَيَخْرُجُونَ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا جَاءُوا الشَّأْمَ خَرَجَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ، يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ، إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّهُمْ ، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ".
وفي النهاية مما نراه اليوم في بلاد العرب، والمسلمين أنهم رغم الوباء الجندي الرباني المسُخر، والذي جعلهم جميعاً قد لبسوا الكمامة، لكنهم لم يستعدوا لِيوم القيامة، ولَبَسوا إيمانهم بظُلمٍ!!؛؛ وفي ذلك مصيبة، ونقمة، وعلامة!؛ فَمن مات فقد قامت قيامتهُ؛؛؛ لقد حصدت كورونا الجندي الرباني المجهول أروح ملايين البشر، وقد اقترب للناس حسابهم، ولكنهُ لا يزال أغلب المسلمين في غفلةٍ مُعرضون ويا حسرةً علي العبِاد لأنَهم رغم كل تلك الارهاصات، والعلامات، والإنذارات؛ وما أكثر الناس لو حرصت بمؤمنين"؛ وعلى قُلوبهم أقفالها!؛ نسأل الله عز وجل لنا، ولكم حسن الخاتمة والمغفرة والرحمة وأن يكفر عنا سيئاتنا.
الأديب الباحث، الكاتب الصحفي والأستاذ الجامعي والمفكر العربي الاسلامي والمحلل السياسي
أ.د. جمال عبد الناصر محمد عبد الله أبو نحل
عضو نقابة اتحاد كتاب مصر
ورئيس المركز القومي لعلماء فلسطين
مستشار المؤسسة الكندية للتدريب والاستشارات
رئيس الهيئة الفلسطينية للاجئين سابقاً
dr.jamalnahel@gmail.com