( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
من المؤكد أنّ ميدان الفكر والمعرفة والثقافة له استقلالية نسبية واضحة وجلية عن ميادين الاجتماع والسياسة والاقتصاد . ويعود ذلك إلى أنّ للفكر والمعرفة زمناً خاصاً يمكننا أن نطلق عليه اسم : (الزمن المعرفي) غير زمن الواقعات (أو الزمن التاريخي) اللذان يتطوران فيه، وقد يكون أسرع ، كما قد يكون أبطأ كثيراً أو قليلاً من الزمن الخاص المتعلّق بالبنى الاجتماعية الأخرى. لقد لاحظ الفيلسوف الألماني، والاقتصادي ، وعالم الاجتماع. والمؤرخ 
كارل هانريك ماركس، ذلك، منذ وقتٍ مبكّر، حين وصف بلاده ألمانيا بأنّها تعيش فكرياً ما تعيشه بريطانيا اقتصادياً ، وما تعيشه فرنسا سياسياً ، أي على صعيدها الفكري الثقافي المتقدم وغير المتناسب، وبالتالي، وفق صعيدها الاقتصادي وصعيدها السياسي المتأخرين. ومع ذلك، فالتقدم في ميدان الفكر والمعرفة والثقافة والتربية شرط ضروري جداً لأي تقدم في ميادين السياسة
والاجتماع والاقتصاد والتطور التكنولوجي ، وعلى قاعدته تقدّمت بريطانيا العظمى حينها ، وفرنسا عندما كانت إمبراطورية حينما لاحظ كارل ماركس ما لاحظه بدقة ، بل على قاعدته سيحصل لألمانيا تقدّمها السياسي وثورتها الاقتصادية الناهضة بعد وحدتها القومية في عام ١٨٧١ بقيادة
أوتو إدوارد ليوبولد فون بسمارك رجل الدولة والسياسي بروسي - ألماني المخضرم، والذي 
شغل منصب رئيس وزراء مملكة بروسيا بين عامي ١٨٦٢ و ١٨٩٠ ، وأشرف على توحيد الولايات الألمانية وأسّس الإمبراطورية الألمانية أو ما يسمى بـ (الرايخ الألماني الثاني) .

 من هنا يمكن لتقدم الفكر والمعرفة والثقافة أن يبصر النور من آخر النفق عن طريق جهود أفراد مبدعين ومعطائين وشغوفين بالتحصيل العلمي والثقافي ، ويمكن لهؤلاء أيضاً أن يطلقوا حركةً واسعةً من التيارات والمدارس السياسية والفكرية والثقافية ، وينتجوا نهضةً ثقافيةً كبيرةً، كما حصل بالضبط في أوروبا بين القرنيْن السادس عشر والثامن عشر الذي أدى إلى الإصلاح الديني وقيام الثورة العلمية والصناعية والثورات الديمقراطية الهامة جداً . غير أنّ تقدُّم المعرفة والفكر والثقافة ، اليوم، لم يعد حصيلة مجهود أفراد مرموقين وعلى مستوى رفيع ، بل من خلال مؤسِّسي، من قاموا بالنهوض بالمؤسسات المنتجة للمعرفة والعلم والثقافة. وعليه، بات مقياس التقدم في هذا المجال ، هو درجة النمو والتقدم الذي تحرزه قطاعات الدولة ثلاثة:
  1 _ قطاع النظام التعليمي .
٢ _ قطاع البحث العلمي . ٣ _ قطاع نظام الاكتساب اللغوي.
 والقطاعات الثلاث تلك ضرورية جداً . ولم تعد مجرّد ميادين لتجسد عملية التقدم بشكلٍ عملي فيها ، بل باتت من وسائل إنتاج التقدم التي لا غنى عنها أبداً .
فمنذ ثورة التطور الميكانيكي والبخار والذي سارت القطارات البخارية على هداه ، في القرن السابع عشر، حتى الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، والثورة التكنولوجية ، وانفجار الثورة المعلوماتية اليوم، كان مبنى الفتوحات الصناعية والتكنولوجية: المدنية والعسكرية، يرتكز على أسس البحث العلمي. ولم يعد التقدم المادي وقفاً على امتلاك الثروات الطبيعية والموارد البشرية فقط ،بل أصبح متاحاً للجميع إن نجحوا في استثمار الثروة البشرية بشكلٍ جيد من خلال تنميتها العلمية. والعلم لم يعد محض نظريات تم اختبارها في المخابر التجريبية وثبتت صحة فرضياتها ، بل أصبح وقوداً ودافعاً قوياً للتنمية والتقدم منذ أن نجح في تطبيق نتائجه في ميادين الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم الأنثروبولوجيا بفروعها المتعدّدة مثل : 
الأنثربولوجيا العضوية أو الفيزيقية. والأنثربولوجيا الثقافية و الاجتماعية. 
والأنثربولوجيا اللغوية. 
والأنثربولوجيا التربوية
وعلم الأثار أو الأركيولوجيا
. وما من مجتمع، اليوم، يملك أن ينهض ويحرز نجاحات في التنمية والتقدم إن لم يبنِ قاعدة علمية واسعة يتوسّلها في العملية التنموية، وأن ينفق على برامجها من الجهد والمال الكثير الكثير. ويتعهدها بالرعاية والاهتمام، وتكون منزلتها في سياساته العليا منزلة المادة الاستراتيجية المركزية الهامة والضروية، والقطب الذي عليه تدور آلة السياسة والإنتاج الاقتصادي والصناعي والفكري والمعرفي والثقافي . ونحن نرى أنّه ما من سبيل إلى بناء قطاع علمي حقيقي له تأثيره الكبير والفعّال إلا عن طريق تحديث المنظومة التعليمية والتربوية، وإعادة تأهيلها بشكلٍ جيد، حتى تكون قادرةً على أداء دور مصنع المعرفة والفكر والثقافة في المجتمع، ومصدر التثقيف والتنوير وصقل الوعي . لأنّ الاستثمار في النظام التعليمي، في زمننا الحاضر ، هو استثمار في المستقبل الذي نرنوا إليه ، استثمار في التنمية والنهضة والتقدم العلمي والحضاري والإنساني ، وبالتالي، توفير لقاعدة الارتكاز القوية لتنمية البحث العلمي. ولأنّ العائلات الفقيرة لا تملك أي وسيلةٍ لرقيها وتطوّرها الاجتماعي سوى تعليم أبنائها تعليماً جيداً ، كذلك ليس للدول الفقيرة والتابعة ضمنياً للدول الإستعمارية على الرغم من إعلان استقلالها الظاهري من طريق إلى التقدم إلا بنشر التعليم الجيّد بين مواطنيها وتطوير المنظومة التعليمية بشكلٍ جيد ، وتأهيلها لأن تنتج الموارد البشرية المؤهّلة لخوض غمار البناء التنموي والنهضوي على أسس متينة ، الذي من خلاله تتغيّر أوضاع المجتمع إلى الأفضل. وما من مجتمع من مجتمعات العصر الحديث أصاب نجاحاً في تحقيق إقلاعه النهضوي بقوة إلا من خلال هذه الطريق، ومن بوابة التعليم المتطوّر الحديث والمنتج والذي يساهم في بناء الأوطان .
القضية الثالثة والهامة أيضاً هي قضية اللغة واكتسابها وتعلّمها بشكلٍ جيد . لأنّه من غير حيازة اللغات تمتنع حيازة المعارف. فالإنسان بات يعيش في قريةٍ صغيرةٍ نتيجة تطوّر تكنولوجيا المعلومات . ويلزم التعرّف على آخر منتجات العلم والفكر والمعرفة . من الآخر . والتبادل المعرفي والثقافي والسلعي ، وهو أمرٌ بات ضرورياً من أجل استكمال دائرة الاقتصاد والمال والبناء والعمران والتطور التقني والتكنولوجي. وحيازة اللغة وحدها لا تكفي مجتمعاً كي ينهض تعليمه وتنطلق تنميته إن لم تسبقها حيازة فعلية للغته الوطنية والقومية، 
وباللغة الصحيحة تكون التنمية الصحيحة ، لأنها لغة التفاهم والتواصل مع الآخر ، كما أن النهضة والتقدم تقوم من خلالها. وما من أمةٍ تحترم نفسها استعارت لسان غيرها وتوسلته كي تتقدم، إلا إذا هي اختارت أن تكون تابعاً له. والتبعية ما كانت، يوماً، رديفاً للتقدم على الإطلاق ، لأنّ من مستلزمات التقدم الحضاري هذا التحرر والسيادة. ولكي يحوز مجتمع لسانه ولغته حسن الاحتياز، عليه أن يتعهده بالتطوير والتأهيل والدرس العلمي والمثابرة الجادة نحو تحقيق الهدف المنشود ، ليكون أهلاً لخوض المنافسة العلمية والثقافية والفكرية والمعرفية في عالم اليوم المتطوّر .