( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
على الرغم من قراءاتي المتواصلة والمتنوعة والمتخصصة منذ شبابي الأول وتحديدا في مجال أنثروبولوجيا الثقافة العربية والثقافات العالمية ، ما زلتُ أجد صعوبةً في البحث عن الحلقة المفقودة ما بين التراث والمعاصرة. ليس لشيء وإنما لضخامة هذا التراث الثر . ولوجود فارق كبير جداً في نمط التفكير وأسلوب الفهم ، ونمط الحياة العربية في القديم التي أنتجت هذا التراث العربي الغني الذي نعتز به وبالكثير من فصوله أيما اعتزاز . وهذا ما أكّد عليه الدكتور الراحل طيب تيزيني. في كتابه بعنوان : ( مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في الفكر الوسيط). من هنا نجد أنّ 
القارئ لكتابات الكثير من مفكرينا حول التراث العربي يلاحظون مشكلةً أساسيةً تتعلّق بالرؤية اللاتاريخية، في التعاطي مع العديد من زوايا هذا التراث ومفاصله. رؤيةٌ لا تقتصر على أطروحةٍ بحثيةٍ لنقد جانبٍ من الجوانب الفلسفية أو المعرفية الأبستمولوجية ، ولكنّها تمتد إلى تحقيق الكتب التراثية القديمة، ولا تتوقف عند ما كتبه السلف للنخبة ونخبة النخبة ، وهو ما تعاملوا معه بروح تتوخى الموضوعية والدقة وفق مناهج زمنهم، بل تشمل تلك الرؤية أدب الرحلات، والجغرافيا وكتب الطب والفلسفة والفلك والعلوم الاجتماعية كالتي أرساها عالم الاجتماع العربي عبدالرحمن بن خلدون
( ١٣٣٢ _ ١٤٠٦ ) الذي ولد في تونس
 ، وعالم الاجتماع العربي ابن الأزرق أبو عبد الله بن الأزرق الأندلسي . 
 وأبو نصر محمد الفارابي .
مؤلف كتاب هو الأبرز : بعنوان :(آراء أهل المدينة الفاضلة).أبو علي أحمد بن مسكويه( ٩٣١ _ ١٠٣٠ ) م .
 وغيرهم إلخ ..كما وجدنا الكثير الكثير من الأدب الإنساني ذات البعد الإنساني، أي ما خصص فيه آنذاك للجانب الإمتاعي والحكائي، فالمفكر المعاصر يتعامل بأحدث ما وصلت إليه علومه مع كتابات ودراسات حاول أصحابها الاجتهاد مع ظروفهم المختلفة تماماً والمتناقضة أحياناً أخرى . 

 أيضاً يواجه القارئ في العديد من كتب الجغرافيا، أو الفلك القديمة، مشكلة إيديولوجية مع محقِّق الكتاب الذي تتضخَّم هوامشه وشروحاته وتعليقاته إلى حد غير مقبول، لتصحيح معلومات المؤلف، أو التعليق عليها، فضلاً عن ما يكتبه في مقدمة الكتاب الخاصة التي تنتقد معظم ما ورد في متن النص الذي يقوم بتحقيقه، ويصل هذا النقد الناري إلى حد الرفض بل والسخرية من رؤية المؤلف ومواقفه . وهناك مقارنة دائماً مع أحدث الخرائط التي تنتجها المؤسسات المتخصصة ، وما كشفته مراكز الفضاء الحديثة والمنتشرة بكثافة في الفضاء الخارجي ، من بعد هذه المرحلة ننتقل إلى مرحلة اتهام المحقق للمؤلف، لاعتقاده أنّ أعماله وما ينتجه غيره الكثير من القدماء كانت السبب المباشر وراء حالة الجهل والتخلُّف ، وتفشي التفكير اللاعلمي والخرافي، وانتشار الأساطير السائدة بين معظم البسطاء والدهماء في العالم العربي. 

 وإذا انتقلنا إلى كتب الرحلات والدراسات التي كتبت حوله. وكتب الجغرافية فسنجد أنَّ وجهة النظر مستنسخة وإن كانت لتحقيق أهدأ ف غايات أخرى، فالرحالة ابن بطوطة تحدث عن عوالم غرائبية وعجائبية، وكان من أهم الرحالة العرب 
الإدريسي وأحمد بن ماجد
و ابن جبير الاندلسي
و أحمد بن فضلان
والحسن بن الوزان
وأبو القاسم بن حوقل.. 
وأبو الحسن المسعودي
وحسن المراكشي . وابن فضلان الذي تميز بعنصرية واضحة في رؤيته لشعوب الشمال التي اعتبرها شعوب بربرية ، وبالتالي هو مسؤول، وغيره، عن رفض ( الآخر ). 

 في سياق هذا الموضوع لا نعثر أبداً على ظل من تسامح حقيقي لدى معظم محققي تلك الكتب تجاه مؤلفيها، ومن أشهر محققي الكتب التراثية هم : 
1 _ أحمد محمد شاكر
2- عبد السلام هارون
3- محمد ناصر الدين الألباني
4- بكر أبو زيد (تحقيق وإشراف)
5- عبد الله بن عبد المحسن التركي (إشراف)
6- حبيب الرحمن الأعظمي
7- محمود محمد شاكر (كتب الأدب)
8- محمد عوّامة
9- شعيب الأرناؤوط
10- عبد القادر الأرناؤوط
كما لا يمكن إلا أن نلمح أن المحقّق يتحدث عن واقعه هو، فالتراجع العلمي والتفكير الخرافي مشكلاتنا نحن، وأسبابها في الزمن الراهن لا الزمن الماضي والماضي السحيق ، وأسلافنا من الفلكيين والجغرافيين، وحتى الرحالة، واجههم عالم غامض كان لا بدّ من تفسيره بما توفر لهم من أدوات، وكانت معاناتهم كبيرة وصعبة جداً جداً نتيجةً لبدائية تلك الأدوات والوسائل . ولو توافرت لهم خرائط (غوغل ) عبر الأقمار الصناعية ، والتلسكوبات الأليكترونية فائقة الحداثة والدقة ، لكانوا تركوا لنا شيئاً مختلفاً، ولا يمكن تصوّر إيمان أحد علمائنا بهذه الأفكار اليوم، و هي لا دور لها أي في إعاقة التطوّر والتقدم، وحتى إعجاب البسطاء والدهماء بتلك المرويات لا يؤثر فيهم إذا بحثنا عن سبل فعّالة وعملية يمكن من خلالها إشاعة العقلانية ونشرها ، والرؤية العلمية وفتح آفاق جديدة للفكر والثقافة والمعرفة ، إنّ غياب التسامح وتبادل الأفكار والمفاهيم والثقافة والمعرفة يشكّلُ بؤرة واقع تتعدد مشكلاته الكبيرة التي يأتي في نهايتها ما نعثر عليه هنا، أو هناك في كتب التراث وفي ثنايا الماضي العربي ..
لقد تجاوز العديد من الكتّآب والمفكرين والأدباء الحدود المرسومة .حيث نجد أنّ هناك من ينظر إلى تراثنا كما ندركه ، أنّه ينقصه الحس التاريخي والجمالي. أي أن نتابع القراءة ونستمتع جيداً ونحن نعي أنَّنا أمام الماضي القريب والبعيد ، هي لحظة نتخفف فيها من ثقل الحاضر واستحقاقاته ، وإشكالياته الخاصة بنا وحدنا نحن العرب .