( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
لم تتوقف محاولات العقل العربي عن محاورة الفكر الغربي منذ أكثر من مئتي سنة ،وهو ما رصدته الكثير من الأدبيات الصادرة في وطننا العربي تحت عنوان : (أزمة الحداثة) ، وبعض الأدبيات تحدثت عن أزمة ( ما بعد الحداثة )، التي نتجت عنها العديد من الإشكاليات والتي أصبحت فيما بعد أشبه بالحواجز ، يأتي على رأسها ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح ( الآخر ) والذي نال من الإهتمام والدراسة والبحث والتقصي ما جعله متضخماً إلى حدٍ كبير، حتى تحوّل إلى أزمةٍ كبيرةٍ انتهت إلى طريقٍ مسدود ، حتى أنّ البعض لا يرى بصيص نورٍ في نهاية النفق ، لقد تابعنا كيف أنّ معظم مفكرينا وباحثينا وكبار مثقفينا النوعيين توقفوا مؤخراً عن الحديث حول أبعادها وتجلياتها واستحقاقاتها . هذا من جهة . 
من جهةٍ أخرى يرى الكثير من المفكرين والدارسين والباحثين العرب أنّ ( الآخر ) يمتلك ألف وجهٍ ووجه وربما أكثر . فهناك الآخر الاجتماعي، والآخر الثقافي، والآخر الحضاري ، والآخر التقني والتكنولوجي. ووصلت تلك الأدبيات في توجهاتها العامّة إلى أن ثقافتنا العربية تتحسَّس من الآخر بشكلٍ كبير .على الرغم من أنّ اندفاعنا باتجاهه .

لقد أدلى بعض المفكرين وكبار المثقفين العرب بآراء هامةٍ وغريبةٍ نوعاً ما لا تختلف كثيراً عن ما قام به الاستشراق التقليدي في هجومه على ثقافتنا العربية .
 أمّا مَنْ تعاملوا منهم بموضوعية مع مفهوم (الآخر) ، فنجدهم وقد خرجوا علينا بنظرية الثنائية، والتي تقضي بأننا نحن العرب محكوم علينا  وربّما إلى الأبد  بالمراوحة بين نقيضين إثنين :
الأول : التراث والعصر الحديث، الأصالة والمعاصرة.. وهي النتيجة التي رسّخها مثلاً المفكر والباحث السوري الكبير الطيب تيزيني . والمفكّر البحريني محمد جابر الأنصاري و المفكّر المغربي محمد عابد الجابري، والمفكّر المصري زكي نجيب محمود وعشرات غيرهمّ . أي أنّ محصّلة ذلك الحوار الطويل والنقاش الساخن حول مسألة( الآخر )، انتهت إلى نتيجتين اثنتين : الأولى أنّنا نحن العرب لدينا مشكلة مع (الآخر )، والثانية : عدم القدرة على دمج التراث العربي الغني جداِ والموغل في القِدَم في الوقت الحديث والمعاصر للخروج بمركّب حضاري جديد ومتنوّع، فنحن إمّا غارقون في أصالتنا أو معجبون بالغرب حدّ الانبهار . وهذا ما عبّر عنه الكثيرون بأنّه شعورٌ بالدونية . وهذا أمرٌ فيه شيئ من الصحة . 

إنّ المتابع لهذه المشكلة المربكة والمختلطة يلحظ بدقة أنّها خاصّة بالنخبة، ونخبة النخبة ،فالإنسان العادي يمارس حياته بشكلٍ يومي دون أيّ أحساس بالتناقض بين ماضيه وحاضره، وحتى إنّ أعاقه الماضي نتيجةً لبعض القيم السلبية، يتجه مباشرة إلى تغليب مصلحته الشخصية الآنية على المصلحة العامة طويلة الأمد ، لأنّ الواقع يهيمن على البشر بقوّة . 
   صحيح أنّ هناك تأثير للثقافة والوعي المعرفي ، ولكن للعوامل الاقتصادية والسياسية، الكلمة النهائية الفصل في سلوكياتنا بخاصة أن السياسة هي تكثيف للاقتصاد . 

إذا عدنا إلى الإشكالية الأساسية في جانبها الفكري، وجدنا أنّها جاءت إلينا مع مجيء الاستعمار الحديث للعديد من بلادنا العربية ، حيث لم نتطلع إلى الاستفادة واقتباس علوم الغرب وفنونه المتطورة والتكنولوجية فقط، ولكننا اقتبسنا إشكالياته المعرفية و عيه أيضاً، وخلافاته البنيوية ، فالقارة الأوروبية على سبيل المثال ظلّت لقرونٍ مهجوسةً ب (الآخر )، مريضةً بهِ، تخوضُ حروباً دينيةً وعرقيةً تمكّنها من تأسيس دول حديثة ترتكز على فكرة الأمة (نقية الهوية) أو ( نقية العرق )  
، إن جاز التعبير، ونحن ننسى أو نتناسى دائماً أن التنوع الذي نشهده في القارة الأوروبية الآن هو نتاج عدة عقود قليلة ماضية.وليست موغلة في الماضي . 
   إنّ ملف التنوع في الثقافة العربية واسع وشديد الثراء، وهو فسيفساء من العلوم والمعارف ، ومطلوب أن نفتحه الآن من أوسع أبوابه ونتأمل فيه بعمق، فالتنوع في ثقافتنا العربية لا يقتصر على أديان وطوائف وأقليات وأعراق وإثنيات مختلفة ومتعدّدة عاشت على أرضنا العربية لمئات السنين، ولكن كانت لدينا عدّة أنماط أخرى من التنوع، حيث أنها لا تبدأ من تلك الآراء الفقهية المتعدّدة التي تجاورت بسلام، واعتبرها العلماء والمفكرين وكبار المثقفين النوعيين رحمة للناس، فضلاً عن لغة لانهاية لمفرداتها وتركيباتها البلاغية ومعانيها التي وصلت إلى ١٢ مليون كلمة ، وحتى حكايات ألف ليلة وليلة التي قرأ المئات من الدارسين والباحثين دلالاتها وسياقاتها المتنوعة والمختلفة، وهو تنوُّع هائل شمل كل شيء، ولم يعرف إلا التعامل الإنساني والتسامح مع (الآخر).