( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
 لا يمكننا بأي حالٍ من الأحوال إغفال دور طموح الشعوب والدول في تغيير سياساتها . والتي تحرّكت على مدى مساحةٍ واسعة من دولنا العربية . والتي تعرّضت للقمع والعنف والتنكيل من الأنظمة الأمنية التي تحكم على صدور المواطنين . والتي ما كادت تأخذ شهيقاً عميقاً وتتنفّس الصعداء مما جرى لها من قمعّ وقتلٍ وحرقٍ ودمارٍ وتشريد حتى ما كادت البلدان العربية التي شهدت حراكاً شعبياً تتنفّس الصعداء بعد تبلور مطالب شعبنا العربي في عدد من البلدان العربية في تونس ومصر وليبيا وسورية ولبنان والعراق واليمن إلخ، حتى بدأت معاناة أخرى قاسية جداً ومن نوعٍ جديد تواجهها بطرق أخرى واتهامات تم وضعها ضمن سيناريوهات بشكلٍ مسبق ، والأمر لا يتعلّق بما صممت عليه الثورات الشعبية العارمة ، وما سعت لتحقيقه بنضالها السلمي ، وما رفعته من شعارات هامّة ذات طبيعة قيمية، مثل المطالبة بالحرّيات ، والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية ، وحرية الرأي والتعبير وغيرها، بل بصراعاتٍ ونزاعاتٍ واحتداماتٍ جديدة اتسمت بالعنف والضرب بيدٍ من حديدٍ ونار، سرعان ما أخذت طريقها إلى المسرح السياسي العربي والاقليمي والدولي ، بخاصةً ما رافقها من قمعٍ وعنف غير مبرّر وغير مسبوق ، وفوضى عارمة ، وتفتت مؤسّسات الدولة وزارات وملحقاتها وانحلال بعضها بشكلٍ دراماتيكي خطير .

      الأمر في هذه الحالة لا يتعلّق بالشرعيات القديمة والقوانين الزائفة التي انهارت بشكلٍ فاضح ، أو تآكلت بين فكي الاستبداد وحكم الطغاة ، أو ضعف دورها بشكلٍ يستدعي الحزن ، بقدر ما له علاقة بطبيعة التغييرات البنيوية الحاصلة على مساحة الوطن ، والحواضن الاجتماعية لها، والمرحلة الانتقالية التي تمرّ بها عبر ممراتٍ ضيقةٍ وموحلة ، ودور الدولة العميقة في التصدي لها ومواجهتها، والتحديات والمعيقات التي اعترضت طريقها، والقوى والفعاليات التي حاولت تجيير عملية التغيير لمصلحتها الذاتية ، والتطورات الجديدة المتسارعة وغير المتوقعة التي أعقبتها.

وإذا كانت القوانين والشرعيات القديمة قد أصبحت من الماضي ، ولا يمكن إعادته إلى ما كان عليه ، أو العودة إليه، فإنّ المسألة في وجهها الآخر الواضح ترتبط بعدم ولادة شرعية جديدة وقوانين ناظمة ، وتوافقات تستجيب لمطامح التغيير والتطوير والتحديث وتطلّعاته، بخاصة في اللحظة الثورية الهامّة التي اتحدت فيها العوامل الموضوعية والمنطقية مع العوامل الذاتية الخاصّة ، بالنسبة إلى جيل الشباب الصاعد .
وإذا كان كل شيئ قديم قد انهار، أو تفكّك، أو تفتّت ، لكن الجديد لم يولد بعد، ويعيش حالة مخاض سياسي وعسكري ، وحتى ولادته كانت قيصرية في الكثير من الأحيان ومؤلمة جداً . وسرعان ما تعرّضت الثورات الشعبية العربية إلى حالة واهية وشبه مجهولة، وحادة في آنٍ معاً .وأعيد إلى حاضنته الشعبية المجتمعية ، فضلاً عن كوابح وعراقيل ومعيقات لم يُحسب لها أي حساب . حيث بدأت مع أولى محاولات إعادة الإعمار والبناء، سواء كان من جانب القوى المستبدّة المخلوعة أو من جانب قوى وجدت مصلحتها في ثنايا الماضي، والتاريخ الماضي المظلم، أو أرادت أن تكون هي بديلاً عنه، بشكلٍ أو بآخر . وهكذا تبدّدت فرص التغيير، والتطوير والتحديث ، وأصيب البعض الآخر بالخذلان والخيبة نتيجة الخيانة والغدر ، بل وُجد هناك من اعتبر التغيير من حالٍ إلى حال كارثة ، وأن ّالربيع أصبح بعرفه خريفاً، لأن البديل لم يكن متبلوراً . بل كان ملتبساً، حيث استشرت الفوضى الخلّاقة بكل تجلياتها وعمّ العنف. وانتشر الإرهاب وتفشى على نحوٍ مريع، بل إنّ الدولة الوطنية أصبحت عرضة للإنهيار والتمزّق والتآكل من داخلها ، وتم العبث بوحدتها وهيبتها ومرجعيتها ورمزيتها.
      وإذا كانت الحركات الشعبية الاحتجاجية استهدفت استعادة الكثير من الحقوق المفقودة والمستلبة بفعل الطغيان والاستبداد ، فإن العواصف والتقلّبات والانقسامات، وحتى الانشقاقات التي شهدتها بلداننا العربية التي عرفت التغيير، دفعت أوساطاً غير قليلة إلى القنوط لدرجة اليأس، والتقوقع على الذات . بخاصة عندما صعد نجم الجماعات الإرهابية المسلّحة ، والتي ترفع الرايات السود شعاراً لها. إضافةً إلى قوى محافظة أحياناً قد تكون أبعد عن الحداثة وما بعد الحداثة من القوى الاستبدادية التي حكمت البلاد بالحديد والنار من خلال القبضة الأمنية .

 وهكذا نرى للأسف الشديد، إنّ الطبقة السياسية التي تصدّرت المشهد السياسي عقب أنظمة الطغاة والاستبداد التي أطيحت والتي زعمت أنّها كانت السبب الرئيسي وراء معوّقات التطور الديمقراطي في بلداننا العربية ، وقفت هي الأخرى بسبب صراعها المستميت على السلطة ومراكز القوة والنفوذ ، وبفعل الفساد المالي والإداري الكبيرين، والتشتت والانقسام الطائفي والمذهبي والإثني ، بوجه علميات التحوّل الديمقراطي المنشودة ، لاسيّما في ظل استشراء العنف والإجرام والإرهاب الخطير ، ولذلك ضاعت معظم الحقوق التي ناضلت من أجلها الشعوب وحركات الإصلاح والتمدين، ومن أهمها قضية (الحقُّ في الحقِّ) ، وأساسه الحق في التمثيل السياسي والحزبي ،والحق في الحرية،حرية الرأي وحرية التعبير ، والحق في الأمن والسلام، والحق في الكرامة الإنسانية ، والحق في السكن والعمل والضمان الصحي ، والضمان الاجتماعي، وغيرها من الحقوق المدنية والسياسية والثقافية ،والاقتصادية والاجتماعية ، والإنسانية ، وتلك من مستلزمات دولة الحق والعدل والقانون، خصوصاً باعتماد حكم القانون المعمول فيه في محاكم الدولة واستقلال القضاء ونزاهته، وفصل السلطات ،والعمل على قاعدة السلطة اللامركزية والإقرار بالتنوّع والتعددية وحق الشعب العربي من محيطه إلى خليجه في اختيار من يمثله في المجالس النيابة والمجالس المحلية ، وحقه في عزله إذا اقتضت الضرورة ، على أساس التداول السلمي للسلطة .
لقد استبدلت الطبقة
السياسية التي تحكم البلاد بعد إطاحة أجهزة الأنظمة الاستبدادية السابقة، مفهوم الدولة الاستبدادية الدول التي تدثّرت بالدين وأصبحت دول ثيوقراطية كما في مصر وتونس نوعاً ما . 
وهناك مفهوم آخر طُرح ليحلّ محله مفهوم الدولة الناهبة لثروات البلاد وكأنها غنائم ، وممارسة سياسة المحاصصة الطائفية والحزبية والاثنية الداخلية ، وتكاثرت بسرعة خارقة لوبيات فاسدة وفئوية و( عنصرية ) _ أي تغليب فئة على حساب فئة أخرى _ ولصوصية غنائمية ، فضلاً عن غياب رجال دولة حقيقيين، يقفون في وجه هذه العائلات والتبارات اليمينية المتطرفة . فالطاقم السياسي بشكلٍ عام جاء في أغلبيته من قوى المعارضة ، التي لا تملك القدرة ولا الخبرة النظرية ولا العملية ، وليس لها خبرة أو معرفة بالدولة وآليات عملها، وبنيتها وماهيتها ، وبسبب ضعف الرقابة. والإهمال وتفكك أجهزة الدولة وملحقاتها، ومحاولة الكسب غير المشروع والسريع والنهب المنظّم ، استشرى الفساد المالي والإداري على نحوٍ خطير لم يسبق له مثيل، بل إنه شكّل ظاهرة صارخة ومؤلمة في أوضاع ما بعد الربيع العربي وتاريخ الشعوب والدول .لقد كان من نتاج تلك (الفوضى الخلاقة )نتائج كارثية جانبية لحركات التغيير والتطوير والتحديث ، صعود ظاهرة الإسلام السياسي الجهادي، في مصر وتونس وسورية وليبيا والعراق، بخاصة بين أوساط الطبقات الشعبية المهمشة . والمنحرفين والمجرمين. وأصحاب السوابق الاجرامية . والفئات الأقل تعلماً، تلك التي تبنّت أيديولوجية أصحاب الرايات السود ، التي تمدّدت ليشمل نشاطها قارات العالم وبلداناً بعيدة مجندة آلاف الشباب على اختلاف أهوائهم ، بمن فيه الأوروبي والغرب الأمريكي للالتحاق بها.
كل هذا يدفعنا للتساؤل فيما إذا كانت الدولة العميقة قد انهارت بسرعة كبيرة ، لكن تأثيراتها لم تنتهِ ولا تزال قائمة وقوية بهيكلتها وعمودها الفقري ، وقد استعادت بعض مواقعها من جديد ، ولكن تحت عناوين اقتسام المنهوبات التي يعتبرونها غنائم ، وتوزيع الفوائد على القوى المتنفذة على شكل محاصصة ، مهما اتخذت من أسماء وصفات أو ألقاب .لأنّ الأمر لا يتعلق بقوتها ونفوذها الداخلي فحسب، بل لأنها عقدت شراكات متينة مع الخارج، بما فيها الدول التي كانت تستعمر بلداننا في القرن التاسع عشر والقرن العشرين . والشركات العابرة للقارات والقوميات والحدود التي زعمت أنها تقف مع التغيير من أجل مزيد من الحرية والديمقراطية .