( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
لم يكن مفهوم المجتمع المدني قد تبلور منذ ما يقرب من الأربعين عاماُ في وطننا العربي . حيث بدأ ينتشر في منتصف الثمانينات من القرن الماضي . القرن العشرين . 
 وبدأ يتبلور كمفهوم سواء على المستوى الثقافي والفكري أو السياسي أو حتى على الصعيد الاجتماعي، لدى شريحة واسعة من المهتمين في شؤون مجتمعنا العربي واكتسب أهمية فرضتها نوعية المتغيرات السياسية والاجتماعية التي عاشها الشعب العربي منذ منتصف الثمانينات، والتي كانت سبباً مباشراً في ظهور حراك اجتماعي واسع ، تفجّر في عمق الدول والأنظمة العربية الشمولية، بما في ذلك تلك التي اعتمدت النظرية الاشتراكية كطريقة ومنهج لإدارة الدولة والمجتمع وتوزيع الموارد على الشعب ، وما يعنيه ذلك من ضياع للعديد من مؤسسات الدولة وإداراتها وذوبان الدولة شيئاً فشيئاً في المجتمع إلى حد وصل إلى دمج وإلحاق كل ما له علاقة بالمجتمع المدني بالدولة التي بدت هشاستها ظاهرة للعيان ، وهو الأمر الذي يعارض في العمق الأصل الذي تبلور من خلاله مفهوم المجتمع المدني وماهيته، وخاصة نظرية العقد الاجتماعي التي سادت في أوروبا والتي كان من أهدافها في ذلك الوقت فك ارتباط وهيمنة الكنيسة على المجتمع، وفصل الدين عن الدولة، وضد نظرية الحق الإلهي وإحلال بديل لها . وما سيعرف بنظرية (العقد الاجتماعي) من خلال اتفاق وتوافق في إطار المجتمع وبين أفراده لتأسيس السلطة وإدارتها.
في الحقيقة بدأت فكرة المجتمع المدني العربي بالتداول في ثمانينات القرن الماضي كما ذكرنا على نحوٍ محدود، وانتشرت الفكرة واتسعت وتطوّرت بشكلٍ متسارع، بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وتفكُّك الاتحاد السوفيتي السابق ، وانتهاء الحرب الباردة، بصيغتها القديمة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، وعلى نحوٍ سريع وغير متوقّع تأسّست عشرات الآلاف من منظمات المجتمع المدني على امتداد الوطن العربي مثلما حصل في جميع أنحاء دول العالم، الأمر الذي فرض طرح مزيد من الأسئلة حول موقع المجتمع المدني وفلسفته ومنهجه ودوره، ومصادر قوته وامتداده وعناصر ضعفه، علماً أنّ المصطلح ذاته لا يزال يثير التباساً وإبهاماً يتوزّع بين التقدير والتوقير والتقليل والاستخفاف بل التحقير وبين التقديس والتدنيس، وفي أحسن الأحوال ينظر إليه البعض بصفته أقرب إلى الفنتازية الإجتماعية والكماليات والترف الفكري والثقافي منه إلى الحاجة الماسّة والضرورية في ظل حروبٍ وصراعاتٍ ونزاعاتٍ وعنفٍ وإرهاب منظّم ، وتداخلات خارجية إقليمية ودولية، فضلاً عن العديد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والبيئية الطاغية.
فالمجتمع المدني لا يقتصر
على التطوع الفردي فقط بغرض تحقيق فائدة اجتماعية للناس المحتاجين، أو تكوين اتحادات وجمعات ومؤسسات مع أناس يشتركون في ممارسة رياضة أو هواية مشتركة في أوقات الفراغ، بل تشمل أيضاً حرية تأسيس شركات ضخمة كبيرة ومتوسطة ومؤسسات أهلية للتجارة أو الإنتاج الصناعي بمستويات متعدّدة .فبتزايد الشركات المساهمة التي تنشؤها الأهالي تزداد فرص العمل ، ويتناقص مستوى البطالة، ويقل العبء على الدولة التي يقع على كاهلها توفير عمل لكل مواطنيها، ويتيح للحكومة أن تهتم بالتعليم ابتداءاً من المدرسة الابتدائية إلى الدراسة الجامعية مروراً بالاعدادية والثانوية والمعاهد المهنية والجامعية . والعمل على التأهيل الجيد للشباب كي يستطيع القيام بعد ذلك بالمشاركة الفعّالة في الإنتاج. ومن واجبات الدولة الأساسية بناء البنية التحتية بشكل كامل وجيد ، ومثلاً الاهتمام بالمواصلات والطرق وتسيير السكك الحديدية، والبريد. والمشافي إلخ .. فالمجتمع المدني هو تضامن اجتماعي يشمل الجميع، يشمل الترابط القوي بين صاحب العمل والعمال، ويكون للدولة والجهاز التشريعي فيها باصدار القوانين الناظمة التي تحدِّد علاقة صاحب العمل بالعامل والعمال وحقوقهم وواجباتهم ، كما تصدر القوانين الخاصة بالتأمين الصحي للعمال والموظفين.
لقد حظيت فكرة المجتمع المدني بمكانةٍ خاصة في الدولة الحديثة، والأمر هنا يتعلّق بمستويين إثنين، أوّلهما- نشأتها وتطورها، لاسيّما موضوع الحرية الفردية وشرعية نظام الحكم إدارة السلطة ودرجة تمثيله للشعب وآلية اختيار المحكومين للحكام . أي أن تكون عملية تداول السلطة تسير بشكلٍ مناسب. وثانيهما تطور فكرة الحداثة ذاتها كمشروع استراتيجي متطلّع للمستقبل، علماً أن العلاقة الحقيقية بين الدولة والمجتمع المدني هي علاقة معقدة ومركّبة. متشابكة ومتداخلة في الكثير من الجوانب.. فهل هي علاقة تابعية أم علاقة تفرض استحقاقاتها عليها ؟ وهل هي علاقة تصالحية أم عدائية ؟ وبالتالي هل هي علاقة تكاملية أم تصارعية ؟ أي هل هي علاقة تبعية أم علاقة تشاركية؟ وهو ما يتحدّد بطبيعة نظام الحكم وسطوة الإرادات، ومدى قوة المجتمع المدني ليكون تكميلياً وتشاركياً وليس تبعياً.وحسب الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل فإنّ العقد الاجتماعي ينشئ مجتمعاً مدنياً يتمايز عن الدولة قوامه ، وإرادة أفراده المخلصين الأحرار، في حين يرفض الفيلسوف الألماني كارل ماركس الفكرة التي تقول إنّه يمثل الحقل الثالث بين الدولة والفرد، انطلاقاً من الحلم الإنساني الذي يتجلى بإزالة الفوارق البينية بين المجتمع والفرد والدولة، وهو ما يجسّد فكرة التحرر الإنساني من الكثير من القيود والمعيقات . أما 
ألكسيس دو توكفيل أو ألكسيس دو طوكفيل ‏ هو مؤرخ ومنظر سياسي فرنسي فيعتبر مهمة المجتمع المدني المكوّن من جمعيات ومنظمات تطوعية هي حماية الدولة من الانزلاق أو الجنوح في التجاوز على حقوق الأفراد وحقوقهم وحرياتهم ، وقد سعى الفيلسوف والمناضل الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي لإعطاء مفهوم المجتمع المدني نكهة أخرى جديدة ذات أبعاد قياسية ومعيارية، باعتباره الفضاء الأوسع للتنافس الإيديولوجي من أجل الهيمنة والسيطرة بميله إلى التوسط بين الدولة والفرد.
وهكذا فإننا لا نجد هناك أي مطابقة بين المجتمع المدني والدولة، وإنما هو أقرب إلى حالة تباعد ، في إطار جدلية مركزية تمثل سيرورة حيوية نابعه من صيرورة مطلقة يمكن ملاحظتها في العديد من التطورات التي حصلت في عدد كبير به من البلدان في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية والعديد من دول دول الاتحاد السوفييتي السابق، وآسيا وإفريقيا في العقود الأربعة المنصرمة.
  لقد كانت لحظة تحرّر المجتمع في أوروبا والغرب عموماً من أسْر الكنيسة وفصل الدين عن الدولة 
التي قام بها مارتن لوثر (10 نوفمبر 1483 - 18 فبراير 1546) وهو راهب ألماني، وقسيس، وأستاذ للاهوت، ومُطلق  عصر الإصلاح في أوروبا، بعد اعتراضه على صكوك الغفران. ومن تبعات نظرية الحق الإلهي في الحكم، الخطوة الأولى على طريق قيام مجتمع مدني على أساس فكرة التعاقد بين الدولة والمجتمع وفقاً للإرادة الحرّة ودون قيود أو شروط، وذلك بالسعي إلى تأصيل نظرية الإرادة الاجتماعية القائمة على التعاقد بين الأفراد والدولة ، حيث يتنازل فيه الأفراد عن حرّياتهم الكاملة لصالح الدولة وسلطاتها وقوانينها وإرادتها ، وهو ما دعا شارل لوي دي سيكوندا ‏ المعروف باسم مونتيسكيو ‏ ، هو قاض ورجل أدب وفيلسوف سياسي فرنسي. هو صاحب نظرية فصل السلطات الذي تعتمده حالية العديد من الدساتير عبر العالم . لتصوّر حالة من التوازن بين الدولة والمنظمات الاجتماعية والسياسية على تعدّدها وتنوعها، وهذا التوازن يجعل حكم القانون ممكناً، أي أنّ المجتمع المدني يتمايز عن السلطة ويكون خارجها في إطار حكم القانون وسطوة الدولة ، فهل مثل هذا الدور والوظيفة واقع في ظروف المجتمع المدني العربي؟
   إن المجتمع المدني العربي بما له وما عليه ما زال ناشئاً وهو في طور التكوّن والتشكّل، وفي بعض البلدان العربية لا يزال جنينياً ولا يبدو ظاهراً. وأقرب إلى الإرهاص، ولا يزال في بداية طريقه إلى النضوج والمخاض يسعى للحصول على الاعتراف به رسمياً ، والترخيص القانوني ، حيث تتبلور مطالبته بالاصلاح والمشاركة الفعلية في عملية التنمية والتطوير والتحديث والعمل على بناء وتطوير البنية التحتية على كافة الأصعدة . وأعتقد أن ذلك جزء من مسار كوني كبير لا يمكن لأي بلد عربي مهما أمتلك من إمكانيات وقدرات أن يعزل نفسه عنه، فالعالم العربي له دور تاريخي وسياسي واجتماعي وفكري لا يستهان به ، ولذا يمكنه أن يتفاعل مع محيطه الإقليمي والعالمي .ولكي يسلك المجتمع المدني الطريق الصواب والنهج القويم فإنّه ينبغي عليه الفصل بينه وبين العمل السياسي وملحقاته واتباع نهج سلمي مدني وعلني نابذ للعنف والإرهاب. والقمع ، وخاضع للقوانين والأنظمة المرعية، التي نظمتها وشرعنتها الدولة. كما لا بدّ من وضع مسافة واضحة بينه وبين السلطات الحاكمة وأجهزتها السيادية من جهة . وبينه وبين أي قوى معارضة تظهر على الساحة من جهة أخرى، وللحفاظ على استقلالية المجتمع المدني يحتاج إلى حصانة وطنية للحفاظ على أمنه وعدم اختراقه ،والعبث فيه من قوى خارجية أو داخلية مشبوهة ، لاسيّما بتحديد أولوياته من العلاقة بجهات التمويل والدعم الدولية، كي يحصل على استحقاقاته التي تصب في القالب الوطني وليس أن يكون تابعاً وينفّذ أجندات خارجية .