( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
يدلُّ المفهوم العام للعدالة على تحقيق المساواة الحقيقية بين أفراد المجتمع دون تمييز ، بغضّ النظر عن مركز الفرد وأهميته أو جنسه أو دينه أو إثنيته ، وبهذا سوف يتحقق الأمن والأمان والسلام لجميع المواطنين الذين سيكونون قادرين عملياً على العيش بسلام، والقيام بأعمالهم بحرِّيةٍ تامة ،دون الشعور بالخوف من الظُلم والقهر والاضطهاد . من هنا كانت العدالة بمفهومها السامي والمتعالي تصوُّر إنساني يُركِّز على تحقيق التوازن والتوافق بين جميع أفراد المُجتمع من حيث الحقوق والواجبات ، ويحكُم هذا التصوُّر تشريعات وأنظمة وقوانين وضعية يتعاون في وضعها العديد من الأشخاص المتخصصون بالشأن القانوني والتشريعي ، بطريقةٍ حُرّة دون أيّ تدخُّل أو تحكُّم داخلي أو خارجي، وذلك من أجل أن تضمن العدالة تحقيق المساواة بين جميع الأشخاص داخل المُجتمع دون تمييز .لأنَّ أهمية العدالة تكمن في تحقيق المساواة بين أفراد المجتمع، والهدف الأساسي هو نشر المحبة والإلفة بين جميع أفراد المُجتمع دون تمييز والشعور بالرضا والإنصاف بين أفراد المجتمع، على عكس ما يمكن أن يُخلّفه القهر والظلم والاستعباد، فتُنتزع صفات الحقد ،والغِلّ والكراهية ،والحسد، لتحلَّ محلَّها صفاتُ الحبِّ والمودَّةِ والاحترام.  
     في مجتمعنا العربي نتحدث كثيراً عن ضرورة وأهمية التراضي فيما بين الأفراد ، وما زلنا نقوم بعملية التراضي من خلال أساليب نمطية فيها الكثير الكثير من الخداع والكذب والنفاق الاجتماعي أو الكثير من التطمينات المخادعة التي بطبيعتها لا تقبل نهائياً القهر والظلم والاستعباد.
كما نجد في مجتمعاتنا العربية تعبيراتٍ نمطيةٍ وأساليبَ خاصة يقولها أتباع الطوائف الدينية والمذاهب الفقهية الإسلامية، وما يقولونه عن بعضهم البعض من وجود علاقة أخوية دينية ،تجمع أبناء المجتمع مبنيةً على التقدير والاحترام ،والتراحم والمحبة .وبالتالي أي حالة رفض لعدم الموافقة بأن يقع شيئ من الضرر على اتباع طائفة معينة أو مذهب محدَّد بسبب التمييز ،أو التسلط أو التهميش . وللتدليل على وجود تلك الرابطة الأخوية التي تتسم بالمحبة، يتفاخرون ببناء علاقاتٍ حميميةٍ بين بعضهم البعض ،ويتزاورون في مناسبات الأعياد والزواج والوفيات ومناسبات الولادة وأعياد الميلاد، وكانت نسبة التزاوج بين أفراد الجماعة لا تزيد عن عشرة في المائة ، وهي نسبة ضئيلة جداً ، وكانت تجري سراً ، وفي الكواليس ،لأنَّها تُخفي وراءها عشرات التساؤلات التي تتضمن تحذيراتٍ واعتراضاتٍ وشروط قاسية . هذا الأمر ينطبق أيضاً على أتباع الديانات أو الأصول العرقية ( الإثنية ) أو الانتماءات العشائرية والقبلية المختلفة . إضافةً لوجود تعابير نمطية لها مساراتها وادعاءاتٍ بوجود المحبة والأخوة وعدم القبول بالاستعلاء أو التمييز أو الظلم .  
كل تلك التعابير يمكن أن تكون صادقةً عند بعض الأفراد من أصحاب الضمائر الحيَّة ، والأخلاقية الإنسانية.لكن جوهر موضوعنا ليس في وجود أو عدم وجود تلك التعابير الأخوية التي تتسم بالمحبة وتبادل الزيارات والمجاملات ، بل وحتى انتشار وقبول التزاوج فيما بينهم بنسب كبيرة.كل ما جرى عبر تاريخنا بنسبٍ مختلفةٍ في كل دول الوطن العربي ودون استثناء . لكنه لم يكن سيطرة فئة على فئة من خلال التمسك بالسلطة والامتيازات والجاه والمال الخفية والظاهرة وبالتالي لم يمنع تفجُّر النزاعات والصراعات الدينية والطائفية والعشائرية والقبلية، ووصول بعضها إلى حالات الحروب الأهلية المدمِّرة .
الموضوع الأساسي هو كيفية الوصول إلى مجتمع فيه تعدُّد ديني ومذهبي و(إثني) عرقي وثقافي ولغوي.ولكنَّه مع ذلك مجتمعٌ هام ينعم بالأمن والأمان والسلام الأهلي دون أيِّ حاجة لممارسة السياسات التي تتسم بالتراضي التي وصفنا، القائمة على الكذب والمخادعة والنفاق والتعابير النمطية الكاذبة والمخادعة في الكثير من الأحيان ،والتي لا تمنع حدوث النزاعات والانفجارات والصراعات وقيام النظام السياسي الفئوي المسيطر والمتسلط ، وبمعنى آخر جعل التعدد والتنوع الديني والمذهبي والثقافي والمعرفي (الأبيستيمولوجي ) مصدر قوة وإغناء لحياة المجتمع ومصدر تفاعلات منطقية فعلية تدفع بالمجتمع بالتحضَّر والسمو والرفعة . والإجابة الصحيحة تكون بترسيخ مفاهيم العدالة التي لا تقبل ولا ترفض فقط القهر والظلم ، وإنما العدالة التي تمنع حدوث القهر والظلم والفقر. ونحن هنا في هذا المقام لا نتحدث عن وجود حاكم عادل في مكوناته الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية من خلال احتواء مفهوم العدالة ومدلوله واستحقاقه على أجوبة محدَّدة بشأن قضايا جوهرية هامة مثل الحرية والمساواة وحقوق الإنسان وواجباته، وما له وما عليه ، والمواطنة ، وتوزيع الثروة بشكلٍ عادل بين أفراد المجتمع ، وتبادل السلطة وتداولها ،وشرعية القوانين،وعلاقات السلطات الثلاث الهامة ببعضهما البعض، وهم السلطة التـشريعية،والـسلطة التنفيذيـة،والسلطة القضائية. والمعروف أنَّ النظم الدستورية مختلفة اختلافاً شديداً في طريقة تكوينها من نظام يتضمن ما يجعل اختصاصات التشريع موزعة بين الملك أو رئيس الدولة وبين مجلس نيابي منتخب كلَّه أو بعضه معيَّن ، ويتم انتخابه ضمن هذا الأقنوم حيث يتم انتخاب السلطة ، لذا ففي النظم الديمقراطية من قبل من يحق له أن ينتخب ويتوجه إلى صناديق الاقتراع من أفراد الجماعة أو أفراد الشعب ، ويكون بشكلٍ مباشر إما من خلال قوائم قريبة أو أفراد ضمن دوائر أو ضمن دائرة الصوت الواحد ودون منافس. بالنسبة لنا نحن العرب فإن هذا الموضوع الذي نطرحه بهذا الشكل هام للغاية، إذ إنَّ تراثنا العربي الغني انشغل بمواضيع العدالة الإلهية بشكلٍ كبير جداً ، لأن بلادنا العربية هي مهبط الرسالات السماوية . وبالتالى أصبح العدل في وطننا العربي مساوياً فقط لتطبيق الشريعة وعدم الخروج عن نصوصها وتشريعاتها ، كما انشغلنا نحن العرب بصفات الحاكم العادل، بينما تم إهمال الأسس النظرية للعدالة والحق والتنظيمات الضرورية لتواجدها الفعلي حتى تتواجد كممارسة فى الحياة اليومية المجتمعية يعيشها كل أبناء الشعب . من هنا فإن علاج تلك النزاعات والمشاحنات والصراعات التى كنا قد وصفناها ، إذا كان سيأتى عن طريق تدعيم وإرساء دعائم العدالة وأسسها ، فإنه يجب أن يستفيد من الحوارات الساخنة والمناقشات الغنية العصرية حول العدالة ومدلولها ، والتى تشترط على الأقل وجود العديد من المكونات والمضامين الهامة التالية ،مثل المساواة في الحقوق والواجبات المترتبة،بما فيها المساواة بين الرجل والمرأة ،والمساواة فى الفرص ، بصور نسبية بالتأكيد ،ولكن مرتبطةً أشد الترابط بمبادئ التكافل الاجتماعي والإنساني والتراحم والخير العميم . وهكذا فالعدالة الاجتماعية الصحيحة التى تقوم على توزيع عادل للثروة على جميع المواطنين ومنع استغلال جهد الآخرين من قبل أية أقلية ، ومنع وجود فوارق كبيرة بين الأغنياء والفقراء ، ورفض التمييز فى فرص العمل والفرص الحياتية بشكلٍ عام إضافةً إلى إقامة .علاقات سياسية واجتماعية مبنية بناءاً صحيحاً على مبدأ شرعية القوانين والمواطنة المتساوية، وتساوي الجميع دون تمييز أمامها وانفاذها من قبل قضاء نزيه ومستقل، واستقلال وحيوية المجتمع المدنى بعيداً عن أيَّة هيمنة أو سيطرة ، واحترام كل أنواع الحريات الفردية والجمعية فى التعبير وحرية الرأي والتجمع والتظاهر وغيرهما. 
 إنَّ وجود مثل تلك العدالة التي شرحناها ، العدالة المقننة لتلك النقاط الأساسية أي التي تخضع إلى القوانين والتشريعات الناظمة ، هو الكفيل بانتقالنا السليم من ممارسات التراضي والمجاملات إلى ممارسة العيش المشترك الحقيقي بسلامٍ وطمأنينةٍ ومحبةٍ وأخوةٍ حقيقيةٍ في المواطنة والإنسانية بشكلٍ عام ، كيف لا ورب العالمين هو العدل المطلق والسلام .وهي عدالة متساوقة ومنسجمة إلى أبعد الحدود مع شرائع الأديان ومكملة للعدالة الإلهية التي نادت بها جميع الشرائع السماوية التوحيدية.