الحياة برس - مع حُلول شهر رمضان الفضيل تكون قد هَلتَ البركات، وأطلت الخيرات، وتضاعفت الحسنات، وزادت التَحَصِّينَاتْ، والتحسِيَّنَاتَ، وتبدلت السيئات مع التوبة لِحسَنات، وسادت الروحانيات، وعَادت الراحات، وتجملت وتزينت المساجدُ بالتجليات، ودَوُتْ في أجمل التلاوات، وهبت النسماتً، وكثرت الإيمانِيَّات، والأمُنيات، وحَلت، وأحَلت، وجَلت، وتَجَلت النُورانيات، وقُرأت القراءات لِكتَاب الله، تتلوها قراءات جَمِيِلاَتَ؛ ولكن مما غاب عن ذاكرةِ أغلب دُعَاة الأمُة من الأئمة، وذهبت عنهم، فَمُسحت، وكأنها طُمست، ثُم كُشِطت من الذِكريات، تلك اللمحة الربانية العظيمة؛ حيث فيها تتجلى الرحمات، لو أمَعنا الكثير من النظرات، وأتبعناها مزيدًا من التَأمُلات، مع القُربَات، والطاعات، واكتست بِعمل الصالحِاتْ، لوجدنا في شهر رمضان الذي أنُزل فيه القرآن، أجَمَل جَمَالٍ جَميلٍ جليل، فيهِ أعظم التفسيرات؛ حيث تجد أعظم المَنِح الالهية، والكرامات، والعطيات، والهبات، أتت من ربِ البَرِيَاتَ، للصائمين، والصائِمات، من المؤمنين، والمؤمنات، والمسلمين، والمسلمات، القانتين، والقانتات، والصابرين، والصابرات والصادقين، والصادقات، المتصدقين، والمُتصدقات برحماتٍ أفادت، وأفاضت، وأجادت، وجادت، بأن رفَعَتَ، وأَعلَتَ أَجَـرُ الصائمين فَجَعلتهُم في أَعَلى مَقامً يوم القيامة في جناتٍ، ونهر، وفي منزلة عَلية ارتقت بالصائمين واِعِتَلتَ، بهم درجاتٍ منه ومغفرة فجعلتهم أعظم أجرأً من دَمِ الَشُهَداَء"؛ وإليكم الدليل الشرعي على ذلك: فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" والَّذي نفسي بيدِه لا يُكْلَمُ أحدٌ في سبيلِ اللهِ ـ واللهُ أعلَمُ بمَن يُكْلَمُ في سبيلِه ـ إلَّا جاء يومَ القيامةِ وجُرحُه ينثَعِبُ دمًا اللَّونُ لونُ دمٍ والرِّيحُ ريحُ مِسكٍ"؛ وهنا الفرق الشاسع والمفارقة الرائعة نجدها ما بين دم الشهيد، والذى رائحته كريح المسك، وما بين وصف النبي ـ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ بأنهُ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ، فهنا رائحة فم الصائم أجمل، وأطيب من رائحة المسك نفسه، وهذا يؤكد أن أجر الصائم كبير جدًا، وعظيم، وأن الله سبحانه وتعالى هو من يجزي بهِ؛ والدليل ما جاء في الحديث الصحيح عن رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: قالَ اللَّهُ: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ؛ فإنَّه لي، وأَنَا أجْزِي به، والصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإذَا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولَا يَصْخَبْ، فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ"؛ وعن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه: "أن رجلين من بلي قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إسلامهما جميعًا، فكان أحدهما أشد اجتهادًا من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي، قال طلحة: فرأيت في المنام بينا أنا عند باب الجنة، إذا أنا بهما، فخرج خارج من الجنة، فَأَذِن للذي توفي الآخِر منهما، ثم خرج فأذن للذي استشهد، ثم رجع إلي فقال: ارجع فإنك لم يأن لك بعد، فأصبح طلحة يحدث به الناس فعجبوا لذلك.. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثوه الحديث فقال: «من أي ذلك تعجبون» فقالوا: يا رسول الله، هذا كان أشد الرجلين اجتهادًا ثم استشهد، ودخل هذا الآخر الجنة قبله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أليس قد مكث هذا بعده سنة» قالوا: بلى، قال: «وأدرك رمضان فصام وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة»، قالوا: بلى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض»؛ وتلك الأحاديث النبوية الصحيحة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن أجر الصيام أعلى من أجر الشهيد، فاغتنموا الثواب في هذا الشهر الفضيل شهر الصبر، الزاخر الزاهر، المُزهِر، الأزَهر، المُنير بفضائله على سائر الشهور، قال ابن كثير: "يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم" أقْسَمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بقولِه: «والذي نفْسُ محمَّدٍ بيَدِه»، أي: يُقسِم باللهِ الَّذي رُوحُه بيدِه؛ وذلك لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ هو الَّذي يملِكُ الأنْفُسَ، وكثيرًا ما كان يُقْسِمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بهذا القَسَمِ، «لَخُلُوفُ»، أي: تَغيُّرُ رائحةِ فَمِ الصَّائمِ -لخَلاءِ مَعِدَتِه مِن الطَّعامِ- أطيَبُ وأزْكى عندَ اللهِ تعالَى يومَ القِيامةِ مِن رِيحِ المِسكِ الَّذي هو أطيبُ الرَّوائحِ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ رُتبةَ الصَّومِ عَلِيَّةٌ على غَيرِه؛ لأنَّ مَقامَ العِنديَّةِ في حَضرةِ اللهِ تعالَى مِن أعْلَى المَقاماتِ، وإنَّما كان الخُلوفُ أطيَبَ عندَ اللهِ مِن رِيحِ المِسكِ؛ لأنَّ الصَّومَ مِن أعمالِ السِّرِّ التي بيْن اللهِ تعالَى وبيْن عبْدِه، ولا يَطَّلِعُ على صِحَّتِه غيرُه، فجَعَلَ اللهُ رائحةَ صَومِه تَنُمُّ عليه في الحشْرِ بيْن النَّاسِ، وفي ذلك إثباتُ الكَرامةِ والثَّناءِ الحُسْنِ ل؛ كما أن الصائم يقترب من الملائكة، والذين هم مخلوقان نورانية لا تأكل ولا تشرب، وخُلقهم الله عز وجل من غير شهوة، فبالصيام يرتقي الانسان لدرجة يصبح فيها كأنهُ ملاكٌ طاهر من الملائِكة الكرام؛ وما يدعم صحة ما سبق ذكرهُ هو هذا الحديث: وهو ما رواه أبي ربعي حنظلة بن الربيع الأسيدي رضي الله عنهُ أحد كتاب رسول الله ﷺ قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله ما تقول؟! قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا، قال أبو بكر : فو الله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ، فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ: وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي العين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا. فقال رسول الله ﷺ: والذي نفسي بيده، لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، لكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات"؛ فكل عمل للمسلم له، إلا الصيام فهو لله عز وجل، والله يجزي به، وفي رمضان المبارك ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن الكريم، والتي هي خيرٌ من ألف شهر أي أن أجرها أكثر من عبادة 84 سنة تقريبًا؛ ولذلك، ومما سبق ذكرهُ نعتقد جازمين، وحازمين الأمر، ومتوكلين على الله عز وجل بأن أجر الصائم القائم بِحق الصيام أعظم درجة عند الله من دم الشهداء؛ وتقبل الله منا، ومنكم الطاعات، وصالح الأعمال وكل عام وأنتم بألف خير.
الباحث والكاتب الصحفي، المحاضر الجامعي، والمفكر العربي، والمحلل السياسي
الأديب الأستاذ الدكتور/ جمال عبد الناصر محمد عبد الله أبو نحل
عضو نقابة اتحاد كُتاب وأدباء مصر
رئيس المركز القومي لعلماء فلسـطين
المفكر العربي، الإسلامي والأستاذ الجامعي
dr.jamalnahel@gmail.com