( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
لم تتوقف التجارب السياسة للعديد من دول العالم عن تقديم الدروس والعِبَر النفيسة الهامَّة في مجال العلاقات الاقتصادية والتجارية ، فكلَّما نجحت السياسة في دولةٍ ما ، كلَّما تقدمت في تحقيق مصالحها وتعظيمها، ونجدها تتضاءل شرعيتها أو تخفق إخفاقاً ذريعاً ، كلَّما ابتعدت عن هذا المقصد، أو طلبت غيره من المرامي والأهداف، وإن كانت أعلى في القدَرِةِ والقيمةِ والمكانة. لم تستطع الدولة الحديثة أن تقوم إلَّا على مبدأ المصلحة العامة التي لا سبيل إلى تحقيقها إلا بوجود نظام سياسي وقانوني وتشريعي متوافَق عليه. ولم تنجح دولةٌ في إنجاز وحدتها القومية ، إلّا عن طريق إقناع مكوناتها الاقتصادية والاجتماعية بالفائدة المادية الضرورية المتولِّدة من عملية التوحيد. وها هي دول كبرى من العالم كالولايات المتحدة الأمريكية ، والصين وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي ، اليوم، تتخطى حتى حدودها القومية كي تدخل في علاقة شراكة إقليمية قوية مع شركاء آخرين، قضت بها المصلحة المشتركة بينها، والرغبة في تنميتها، وتعظيمها وتقويتها جماعياً. لأنَّ مصلحة الشعوب والدول هي الأهم ، اليوم، هو ميدان محدّد ومتوافَق عليه ، تتحقَّقُ فيهِ وتتجسَّد، هو الميدان المادي بالأساس ، أو قُلْ، ميدانُ العلاقاتِ الماديةِ العامَّة مثلَ : التجارةِ والاقتصاد ، والتبادل، والاستثمار في الكثير من المجالات الحيوية والضرورية ، وانتقال رؤوس الأموال الضخمة ، والخبرات العالية ، والصناعة والزراعة، والسوق المشتركة، والخدمات العامَّة ..إلخ. هذه جميعها تعتبرُ ميدانٌ واسعٌ لجلب المصالح للشعوب والدول ، لأنَّ طبيعة العمل فيها تعاونياً وتبادلياً بالدرجة الأولى يجيب عن حاجات مادية أساسية موضوعية ، تقع في سُلَّم الأولويات للاحتياجات الضرورية للشعبِ والدولة ، بل تُشَكِّلُ أساساً متيناً وقاعدةً لها. وهذه جميعها قابلة لأن تكون موضوع تعاونٍ كبير ، واتفاقٍ تام مشترك من دون أن يفقد الشركاء، في شراكاتهم هذه، سيادتهم المعتبرة ،وقرارهم المستقل، وأنظمتهم القانونية والتشريعية ومؤسساتهم وهيئاتهم العليا الوطنية، أو حتى من دون أن ينال منها بعض النيل.
 
 وإذا كان هناك مثالٌ أثبت نجاحه وتفوقه لهذا النوع من التعاون الأفقي بين الدول ضمن منظومات شراكاتٍ إقليمية، فهو مثال ينطبق تماماً على منظومة دول (الاتحاد الأوروبي) الثماني والعشرين دولة . هذه الدول أحرزت نجاحاً ملحوظاً في تكريس نفسها كقطبٍ اقتصادي قوي في تاريخنا الحديث والمعاصر. صحيح أن الاتحاد الأوروبي لم ينشأ فجأة،فقد بدأت في التكوين من ستة دول في عام 1957 ولم يخرج من العدم، وإنما هو حاء ليتوّج مسلسلاً متصلاً من الخطوات والمشاريع والمكتسبات والخبرات المتراكمة، منذ بدأت دولة ألمانيا، وفرنسا بخطواتٍ متواضعةٍ كمشروع الصُلب والحديد، في النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي، وصولاً إلى لحظته الراهنة التي أثبت جدوى وأهمية هذا الاتحاد ، مروراً بتجربة (السوق الأوروبية المشتركة)، و(الجماعة الأوروبية) الغنية والقوية في آن .وأنه من الصحيح أيضاً، أن مسافة الألف ميل تبدأ بخطوةٍ واحدةٍ، والعبرة في أيِّ مشروعٍ يحتاجُ إلى الإرادة القوية ،والتصميم والعزم، والسعي الحثيث الصادق في البناء والإنجاز بروحٍ فيَّاضة ، وبعقلانية مستخدمي المؤسسات القوية المتماسكة ، وفعل التضامن الفعَّال بين الشركاء. هذه هي القيم السامية التي أنجبت تجربة (الاتحاد الأوروبي (وقوَّته ووطّدتها.
 لقد نجح مبدأ المصلحة العامة، فكانت تلك التجربة غنيةً وفريدة من التعاون والشراكة القوية المترابطة ، إلى الحد الذي باتت فيه مرجعيةً لكلِّ من يريد أن يبني اتحاد أو وحدة راسخة مبنية على عوامل الاقتصاد والتجارة والسوق والمصالح المشتركة للشعوب والدول. وما أغنانا عن القول إن هذه التجربة الوحدوية الناجحة لم تأخذ من دول الاتحاد، بل أعطتها منفردةً ،ومجتمعةً. ويكفي أنَّه ما من دولةٍ خسرت سيادتها في هذا المشروع، بل كَسَبَت منه ما تعزز به نسيجها الاجتماعي والوطني الداخلي. نعم، كاد الاتحاد الأوروبي، قبل سنوات عدَّة، أن ينعطف نحو وحدةٍ سياسيةٍ ودستورٍ موحَّد يتوِّجُ من خلالهما مساره الاقتصادي التوحيدي القوي. لكنَّ تلك المحاولة أخفقت إخفاقاً ذريعاً، لا بسبب أنَّ هناك )أمة أوروبية) موزَّعة بين دولٍ وعاجزةٍ عن توحيد نفسها كما هي حال أمتنا العربية اليوم بل لأنَّ الأمر في ذلك الإخفاق يعودُ إلى وجود عدِّة أممٍ أوروبية تتمسك كل واحدة منها باستقلالها القومي الخاص بها .
 نحن، إذاً، إزاء نموذج توحيدي جديد مبني بالأساس على المصالح العامة . مصالح الشعوب والدول هو نموذج التوحيد الاقتصادي والتجاري الفعَّال ، وهو الذي تحقَّقَ بشكلٍ ناجح عن طريق الخيار التعاوني الاندماجي. وغني عن البيان أنَّ النجاح في هذا الخيار الهام قد يفتح باباً على مصراعيهِ أمامَ أشكالٍ أخرى أرقى للوحدة السياسية في مرحلةٍ ما من التقدم. فالاتحاد الأوروبي له برلمانه الخاص به ،وهذا بالذات، ما أدركه الأوروبيون مبكراً بعد الفشل في تصويت على دستورٍ موحَّد كان يمكن إرجاؤه قليلاً. ويمكننا أن نلحظ، من جهةٍ أخرى، الآثار والنتائج الإيجابية الهائلة التي تتولَّد نتيجةَ هذا السوك وهذا المنهج التعاوني الاندماجي على الصعيد السياسي، أو يمكننا القول على صعيد سياسات الدول الداخلة في الشراكة في هذا المشروع التعاوني الإقليمي. أوَّل ما يجده الدارس أنَّ الدول الشريكة في مشروع دول الاتحاد الأوروبي في حالتنا دخلت تجربة الشراكات الاقتصادية والاندماج أول ما دخلتها وهي دول ذات سياسات خارجية وطنية مستقلة استقلالاً تاماً لم تكن تطلب منها الشراكة أن تتنازل عن استقلاليتها، لأنَّها شراكة متينة وقوية مبنية على المصالح الاقتصادية والتجارية وهي مصالح مادية بالدرجةِ الأولى ، وعلى مبدأ سيادة الدول واستقلالها السياسي ،أي دون تبعية سياسية خارجية . ولكنَّ تجربة الشراكات الوحدوية في الاقتصاد والتجارة سرعان ما هيأت وأنضجت شروط شراكات وحدوية في السياسة بقوة تأثيرات المصالح المادية المتبادلة بين الدول والشعوب وتعظيمها ، فأصبحت لاتحاد الدول الأوروبية سياسةً واحدةً جامعةً منسجمة ، ولساناً سياسياً واحداً متماسكاً ناطقاً باسم مصالحها المادية . وهي دون أدنى شك، خطوة أولى كبيرة وهامَّة نحو الاندماج السياسي الإقليمي الذي يتسم بقوته الاقتصادية والتجارية .