( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
ما زالت التناقضات الأيديولوجيةِ في وطننا العربي تزدادُ حدّةً وتعقيداً، أربكت فكرَ النهضةِ العربيةِ ، ولا تزال تلك التناقضات في تصاعدٍ مستمرٍ ،حتى اللحظةِ الراهنةِ ، وما زالت تُهيمن على الفكر العربيّ المعاصر، بل إنَّها في المرحلةِ الراهنةِ التي نعيش تتجِه نحوَ المزيد من التعقيدِ والقطيعةِ والعنفِ والقسوة . ولعلّ في صدور الأعداد الكبيرةِ جداً من المؤلفاتِ والدراساتِ والمقالاتِ في الدورياتِ والصحف والمجلات العربيةِ تحت عناوين الأصالة والمعاصرة ، والدين والعَلمنة ، والشورى والديمقراطية، والعقل والنقل، والغرب والعرب ، دلالةً صريحةً وواضحةً على تجذُّر الطرح الإشكالي واحتدامهِ المستمر . الأمر الذي باتَ يتطلَّبُ مراجعةً نقديةً عقلانيةً وموضوعيةً ،تذهب إلى جذور الإشكال التاريخي، وتؤدّي في خاتمة المطاف إلى الخروجِ من الحلقةِ المفرغةِ الكبيرةِ التي لا تزالُ تحاصِرُ الفكرَ العربيَّ وتعمل على تجميده .
وهكذا ما زالَ الصّمتُ بثقلهِ يخيِّمُ على ما تعيشه ساحتنا الفكريةِ العربيةِ. وهذا بحدِّ ذاتِهِ يَفرِضُ سؤالاً هاماً عن أحوال تلك الساحةِ، بخاصةٍ وأنَّنا لم نعُد نجد أيّ أطروحةٍ فكريةٍ عربيةٍ هامةٍ تثيرُ الجدلَ العقلاني أو الاشتباكَ في كثيرٍ من الحقول الإنسانية والحقول الحيويةِ ، كالتفكير النظري ، والبحث في شؤون التكنولوجيا وتطوّرها ، والعلوم وتفوّقها، والتعليم ودوره الهام ... إلخ ونحن في الحقيقةِ نشعرُ في هذهِ المرحلةِ الصعبةِ والمعقدّة من تاريخنا فقدانٌ لتياراتٍ فكريةٍ ومدارسَ واتجاهاتٍ عقلانيةٍ كانت تثيرُ المعاركَ والنقاشاتِ الساخنة . وكدنا لا نستمتع بالحوارات والنقاشات الساخنة التي كانت تحتلُّ مساحةً واسعةً من العقلِ العربي والحياة الفكرية العربية التي كان ينخرط فيها إثنان من كبار المثقفين أو أكثر، ولم يخرُج علينا أيّ منهم خلالَ السنواتِ الماضيةِ البائسةِ التي شَهِدَتْ حراكاً شعبياً وسياسياً وعسكرياً وأمنياً واسعاً برؤيةٍ تثير حالةَ الجمودِ والركودِ التي نعيشها ، أو يفاجئنا أحدُ الكتّاب المهمّين بكتابٍ يُعلِنُ فيهِ عن مشروعٍ أو تصورٍ للحالةِ الراهنةِ لواقعنا العربي ، وللمستقبل العربي المنشود. لقد قرأنا ماكتبه الباحث عبدالله العليان وما تضمنه كتابه الهام بعنوان (أكاديميون ومفكّرون عرفتهم، قراءات ومحاورات وانطباعات) على خلفيةِ ما تعيشهُ منطقتنا العربيةِ من أزماتٍ حادَّة يعاني منها المفكرون العرب المعاصرون ، وهو تطوافٌ لفكر العديد من هؤلاء المفكرين والأكاديميون والباحثين في القراءة لمؤلفاتهم وما ينتجون من فكرٍ نيِّر ، وهذا الكتاب الهام جاء ليتوافق مع مطالبنا في ضرورة إعادة قراءة الواقع العربي من جديد بعدَ أن قرأنا بعمق شديد الواقع العربي منذ بداية السبعينات من القرن الماضي ،تلك المرحلة جعلتنا نتعرَّف على الكثيرِ منَ المفكرينَ والباحثينَ العرب ، وغيرهم من كل الاتجاهاتِ الفكريةِ ، وعلى كبارِ الكتَّاب العرب الذين أصبح اسمهم معروفاً وبارزاً في الساحة الفكريةِ والثقافيةِ العربيةِ، من: أمثال الأديب والمفكر والصحفي والشاعر المصري عبَّاس محمود العقاد، ، والمفكر اللبناني ميخائيل نعيمة ،وهو واحدٌ من الجيل الذي قاد النهضة الفكرية والثقافية العربية ، وأحدَثَ اليقظةَ وقادَ إلى التجديد . والأديب الناقد المصري الدكتور طه حسين ، الذي لُقّب بعميد الأدب العربي. والذي غيّر مسار وبنية الرواية العربية، ومبدع فن كتابة السيرة الذاتية . ومصطفى صادق الرافعي الذي ينتمي إلى مدرسة المحافظين وهي مدرسة شعرية تابعة للشعر الكلاسيكي لقب بمعجزة الأدب العربي. و الشيخ علي الطنطاوي، وهو فقيهٌ و أديبٌ وقاضٍ سوري، ويُعد من كبار أعلام الدعوة الإسلامية والأدب العربي في القرن العشرين . وأحمد حسن الزيات الذي يُعتَبر من كبار رجال النهضةِ الثقافيةِ في مصر والعالم العربي، ومؤسِّس مجلة الرسالة . والكاتب والأديب المصري، توفيق الحكيم ، وهو من كبار روَّاد الرواية والكتابة المسرحية العربية . والكاتب الصحفي والفيلسوف والأديب المصري أنيس منصور الذي اشتهر بالكتابة الفلسفية عبر ما ألّفه من إصدارت هامة . وغيرهم من الكتَّاب، وكذلك الفيلسوف والكاتب والأكاديمي المصري الدكتور زكي نجيب محمود ، أستاذ الفلسفة ، من مؤلفاته (المنطق الوضعي) في جزأين، و(خرافة الميتافيزيقا) و (نحو فلسفة علمية). والمفكر وعالم الاجتماع المصري ، الدكتور عبد الوهاب المسيري وهو مؤلّف موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية ،أحد أكبر الأعمال الموسوعية العربية . والكاتب والصحفي والمفكر الإسلامي المصري فهمي هويدي ، وهو ذو اتجاه قومي عربي، ويُعَدُّ من أبرز المفكرين المعاصرين . والمفكر الإسلامي المصري الدكتور محمد عمارة ، مؤلف ومحقِّق وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر . والفيلسوف والطبيب والكاتب المصري الدكتور مصطفى محمود ، هو مصطفى كمال محمود حسين آل محفوظ ، من الأشراف ، وينتهي نسبه إلى علي زين العابدين ، والمفكر والفيلسوف المغربي الدكتور محمد عابد الجابري، والفيلسوف المغربي الدكتور طه عبد الرحمن ، المتخصِّص في المنطق وفلسفةِ اللغةِ والأخلاق. ويُعَدُّ أحد أبرز الفلاسفةِ والمفكرين في مجال التداول الإسلامي العربي . والمفكر الأردني من أصول فلسطينية، الدكتور فهمي جدعان من مواليد سنة 1940م، في بلدةِ عين غزال الفلسطينيةِ، دَرَسَ الفلسفةَ في جامعةِ السوربون ، وحصل منها على شهادة الدكتوراه في الفلسفةِ الإسلاميةِ وعلم الكلام سنة 1968م. والكاتب والمفكر السعودي محمد حامد الأحمري الحاصل على شهادة الماجستير والدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر لشمال أفريقيا ، والرئيس السابق للتجمع الإسلامي، والعلّامة والمفكر المسلم الهندي المعاصر وحيد الدين خان ، لهُ فكر متميز يحاول الجمع بين المنهج الإسلامي والمنهج العلمي والفلسفي . والدكتور برهان غليون ، والدكتور محمد جابر الأنصاري، وأحمد الفلاحي ، والأستاذ زكي الميلاد، والدكتور عبد الكريم بكار، والدكتور تركي الحمد.
 إنَّ اطلاعنا ومتابعتنا الحثيثة لقضايا الفكرِ في وطننا العربيّ كانت شاملةً تميَّزت بالرصانَةِ والقوة والموضوعيةِ في التصدَي للإشكال الحضاري المزمن الذ نعاني منه ، واطلعنا على أساسها للإحاطةِ بفكرنا العربي المعاصر من خلال رموزهِ الكُبرى وأطروحاتهِ المركزيةِ وتناقضاتهِ الأيديولوجية، بغيَةَ تكوين صورةٍ أكاديميةٍ دقيقةٍ لنظريات مفكرينا وآرائهم ومواقفهم السياسية والاجتماعية والفلسفية.
 وهكذا نجد القارئ الحصيف لمسار الفكر العربي وتطوُّره واتجاهاتِهِ لا يعثُر على عقدٍ كاملٍ لم ينتج فيه المثقفونَ والكتّابُ مقولاتٍ هامةٍ وضروريةٍ ويتبنوا نظرياتٍ ، حتى ولو كانت مستوردةً من دولِ الشرق أو الغرب ، كما هي حالتنا في العقدين الأخيرين، أي منذ بداية العام 2000 م ، لعلّ آخر ظاهرة أثارت اهتمامَ الجميع وحثَّتهم على إعمالِ حاسَّةِ العقلِ النقديّ وتنشيطها ، هي تلك التي تمثَّلت في العولَمةِ، والتي بدورها أدّت إلى جعل العالم قريةً إلكترونيّةً صغيرةً تترابط أجزاؤها عن طريق الأقمار الصناعيّةِ والاتصالات الفضائيّةِ ، والقنوات التلفزيونيّةِ ، ولكنَّنا توقفنا بعد ذلك. والمُتابع لمسار هذا الفكر سيعجز عن الإجابة إذا سأله أحدهم، من خارج ثقافتنا العربية وهو : ما هو السؤال المركزي الهام الذي تبحثون عن إجابته الآن؟، حيث أنّه لا يوجَدُ فكرٌ من غيرِ سؤالٍ، ولعلّ هذا المتابع سيلجأ بالضرورة إلى ذاكرتهِ أو أرشيفه الخاص ليفتشَ عن آخر مرَّةٍ سَمعَ فيها أحدُ مفكرينا يطرح أسئلةً موزونةً، تستشرف الغَدَ ، وتستشعرُّ القادم بعمقٍ وعقلانية ، وسيجد نفسهُ أمام كثيرٍ من الأحجيات والمبررات الواهية وهو يبحث عن تفسيرٍ لحالةِ الانقطاع عن التفكير التي نعانيها حتى الآن.
الحالة الفكرية العربية بشكلٍ عام هي تعبير عن نشاط ذهني يعكس حالة المجتمع العربي وحراكه.
لقد أثار العديد من المفكرين العرب جملةً من القضايا المركزية الراكدة في مجتمعنا العربي كان منهم زكي نجيب محمود ، ود. محمد عابد الجابري الذي بأفكاره أحدَثَ ردوداً وانتقادات ونقاشات عند عدد كبير من الباحثين والأكاديميين العرب مثل المفكر والمترجم السوري جورج طرابيشي . والمفكر الإسلامي محمد عمارة ،والمفكر الفلسطيني فهمي جدعان ، وطارق عبد الفتاح سليم البشري قاضٍ ومفكر مصري، شغل منصب النائب الأول لرئيس مجلس الدولة المصري ورئيسًا للجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع . وسواهم، فاتهم بالتحريف والتزييف والتغيير ،والنظرة التجزيئية، وبعدم إعطاء الأخلاق الدينيةِ المكانةَ الحقيقيةَ التي تستحقها في تحليلاتهم. لكن المفكر المغربي محمد عابد الجابري في سنواته الأخيرة كان أكثرَ اقتراباً من الفكر الإسلامي ، لكنّنا لا يمكن مقارنَتَهُ، بمحمد أركون المفكِّر والباحث الأكاديمي والمؤرِّخ الجزائري . أو نصر حامد أبو زيد أو سواهما ممن لهم مشاريعهم الفكرية التي لا تلتقي مع فكر محمد عابد الجابري ونهجه الفكري.
لقد خاض المفكر الفلسطيني فهمي جدعان في مفهوم (التقدم) في مؤلفه الهام بعنوان : (أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث) الصادر عن دار الشروق عام 2008 م ، فرأى أنّ المفهوم مرتبطٌ بمفهومي التطوّر والتغيير. الأول هو وليد الفلسفةِ الداروينية، وهو ذو طابعٍ محايد أخلاقياً ويتصل بالكائن الحي أو البيولوجي بشكلٍ مباشر ، أما التغيير فينصبُّ على التطور الكوني بشكلٍ عام ، وهو مكشوف وعارٍ عن كل مضمون أخلاقي . من هنا وقف الباحث فهمي جدعان موقفاً نقدياً من الليبراليةِ التي هي صيغة جديدة محدثة من الداروينية التي تقدّس الفردانية وتسحَقُ الضعيفَ ، وتغلّب القوي ، والتي لا يمكن أن تكونَ الصيغةَ المتوافقة مع العرب في الإصلاحِ والتقدم . وقد رفض مقولةَ نقد العقل العربي التي كتبها المفكر المغربي محمد عابد الجابري، فالخلل والعطب ، في رأيه ، ليسا في العقلِ العربي، بل إنَّ النقدَ يجب أن يوجَّه إلى (الفعل) وهو الأساس ، فالعقل دوره دور الخادم للأهداف والغايات المسوّغ للرغبات. يختلف الدكتور طه عبد الرحمن ، المتخصِّص في المنطق وفلسفةِ اللغةِ والأخلاق مع الدكتور فهمي جدعان، إذ يرى أن روح الحداثةِ كمصطلح ليست دائماً من صُنعِ الغربَ، وليست مُلكاً لأمةٍ بعينها ، بل هي مُلكٌ لكلِّ أمةٍ متحضِّرةً. كما يختلف اختلافاً كبيراً مع المفكر المغربي محمد عابد الجابري في مقولته الزاعمة في كتابه العقلُ الأخلاقي العربي : ( لم ينهض العرب والمسلمون بعد, ولا ايران ولا غيرها من بلاد الإسلام النهضةَ المطلوبة, والسبب عندي أنهم لم يدفنوا بعد في أنفسهم "أباهم" أزدشير) ، في إشارةٍ إلى أخلاق الطاعةِ الفارسيةِ. الأمر الذي تنقضه وترفضه الحركات الثورية التي عرفها العرب في تاريخهم القديم والحديث.
   إنّ الحالة الفكرية العربية بشكلٍ عام هي تعبير عن حالة المجتمع العربي وثقافته اليومية السائدة ، ورؤيته للعالم ، والعلاقات المهيمنة بين مختلف فئاتهِ وشرائحهِ وتفاعلهِ معَ المجتمعاتِ الأخرى ، ذلك أمرٌ بديهي يعرفهُ الجميع، ولكنّها أيضاً تستدعي بدورها سؤالاً مهماً لا يمكن إغفاله على الإطلاق ، وهو : هل توقفت مجتمعاتنا العربية عن الحراك الدائر الذي يثيرُ أدواتَ المفكّر ليحلِّل أبعادهُ كافةً على العديد من المستوياتِ ؟ أم توقَّف مفكرونا العرب عن الانفعال بذلك الحراك، ومن ثم قرّروا الصمت وعدم التدخّل ؟ من المستحيل أن يتوقف أي مجتمع مهما كان كبيراً و اسع الطيف عن الحركة، حتى لو كانت خفية وغير ملحوظة للوهلة الأولى، وهنا يكمن التساؤل الاحتجاجي لماذا هذا الصمت القاتل ؟. 
       وهكذا نجد المفكر المغربي عبدالسلام بنعبد العالي يمتدح أدب الشذرات ، والمفكر علي حرب يضع مسؤولية الإنسان على المحك ،وبرهان غليون المعارض للاستبداد والشمولية الرافضة للتعدد والتنوع، الذي يرى أنّ الأنظمة العربية تركّزت على الأيديولوجيا والدعاية من دون خطط خمسيني أو عشرية ، واستراتيجيات ، حارمةً الحركةَ القوميةَ العربيةَ من منبعين للتغيير ، الفكر وحرية الفكر ، ما أدى إلى تحكم النفوذ الغربي بالمنطقة العربية. وردّ على كل الذين يتهمون الدين في تأخر العرب التاريخي، بأنّ المسؤول ليس الدين بل السياسة والقيادة السياسية والأمنية والعسكرية التي أخذت على عاتقها مهام التوزيع والاستثمار والإدارة في المجتمع. لمحمد جابر الأنصاري رؤية مختلفة لأزمة العرب السياسية. فالعرب في رأيه لم يعرفوا الديمقراطية ولم يقتربوا منها، شغلتهم خلافاتهم القبلية والعشائرية الدائمة عن النهوض والتطور في العصور المختلفة. ما يرفضه المؤلف، الذي رأى أنّ الإسلام استطاع أنْ يفكك القبيلة ويدمجها ويغير العقلية الجاهلية إلى عقليةٍ تؤمن بالحوار الجاد على قاعدة تقبُّل واحترام الآخر ، وترفض الظلم والقهر والاستبداد ، بينما انهارت النُظُم الماركسية والشيوعية في أوروبا الشرقية، في حين أنّ القبليةَ لا وجود لها هناك.
      يبحث الكثيرون عن ذرائع لتبرير ذلك الصمت الرهيب ، بأنّنا نعيشُ مرحلةً تاريخيةً هامّة ومفصلية توقّفَ فيها الناس عن اتباع النخبة، وقرّروا أن يعيشوا أفكارهم البسيطة والعادية بمفردهم بعيداً عن تعقيدات وتنظيرات المفكرين وكبار المثقفين، أصحاب الياقات البيضاء، كما يؤكد من يشعر بالانهزام من خلال صمته عن سابق تصميم ويقول : إنّ هذا هو واقع زمن العالم الافتراضي ، ولكن هذا العالم الأخير نسخة من نظيره الواقعي الذي نعيش ، تحكمه القوانين الناظمة نفسها والتي تطرح العديد من الأسئلةِ الحيويةِ التي تستدعي التأمل والتريث والتفكير بعمق ومن ثم الإنتاج الفكري الذي ينتظره الشعب والقادة الوطنيين على حدٍ سواء ، والسؤال الأهم، وهو : منذ متى تنتج النخبة أفكارها للشارع وللناس بشكلٍ عام ؟
صحيح أنها كانت تتأثر بالشارعِ والشعب بشكلٍ مباشر وتتابعهُ، ولكن كانت تؤثّر فيهِ بشكلٍ ملحوظ لاحقاً عبر وسائلَ عدّة منها التعليم لكافة المراحل والإعلام بفضائه الواسع، فهل تراجع المحتوى الفكري العملي الجاد في هذين القطاعين الحيويين أي التعليم والإعلام ؟، وهل حالةُ الصمت الرهيبةِ هذه جزءٌ من مناخٍ عالمي لا يضع الفكرَ في مقدمةِ أولوياته ، ولا على أجندته ؟، وهل توقّفَ المركز الغربي الرئيسي بالفعل عن إنتاج الأفكار الكبرى التي كنّا نحنُ العرب نعيدُ تدويرها من جديد ؟ وفي النهاية هل أصبح الصمتُ الفكري في حد ذاته، ظاهرة؟ مع أنّها ظاهرةٌ سلبيةٌ جداً. ونرفضها رفضاً قاطعاً. وإلى أي مدى يمكن اعتبار تلك الظاهرة وتلك الحالة بمثابةِ سؤالنا المركزي الراهن الذي يفرض نفسه ويعيد إلى الجميع ألق وأهمية التفكير وأهمية العقلانية في حل معضلاتنا المتفاقمة ؟.