( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
لم تكُن القوَّةُ سوى إحدى الأدواتِ والوسائل التي تستخدمها الدولة لتحقيقِ أهدافها ومراميها ، فمفهومُ القوَّةِ جامعٌ شاملٌ يستند إلى مجموعةٍ من العواملَ الرئيسيةِ والهامةِ ، ومنها العواملُ الاقتصاديةِ والسياسيةِ والعسكريةِ والبشريةِ التي تؤثِّرُ في بعضها البعض، وتُعَدُّ عاملاً هاماً لتحقيق سياسةِ الدولةِ في العلاقاتِ الدوليةِ، وعلاقة المجتمع والدول ، وهناكَ جملةٌ من المظاهر العامَّة المنظّمة لاستخدام سياسةِ القوة في العلاقاتِ الدوليةِ وأهمُّها : التدخل المباشر الذي يبدأ استخباراتياً وينتهي بالحربِ العسكريةِ واستخدام القوَّةِ بشكلٍ مباشر وغير مباشر ،عبرَ المؤامراتِ وحربِ العصاباتِ ، والتحالفاتِ الجماعيةِ ، وعبرَ استخدامِ المرتزقةِ والعملاءَ والجواسيسَ ، وتحالفاتٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ ضخمة، كالحلف الأطلسي وتحالفاتٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ كالاتحادِ الأوروبي. إنَّ القوةَ بكلِّ تجلياتها ظاهرةٌ طبيعيةٌ لازمت البشريةَ مُنذُ وجودِها الأوَّل على هذه الأرض، ولقد استخدمها الإنسان في كافةِ مراحل مسيرتهِ وتطوُّرِهِ لغايةٍ أساسيةٍ ألا وهي الحفاظُ على البقاءِ والأمن والأمان من أجلِ تحسين أحوالهِ المعاشيةِ والإنسانيةِ .
وهكذا ومع ما يَشهدهُ الإنسانُ من تطورٍ اجتماعي ،استطاع أن ينظِّمَ نفسهُ وكلَّ علاقتهِ مع معظمِ الجماعاتِ التي تعيشُ معهُ بشكلٍ يضمنُ لهُ تحقيقَ حاجياتهِ الضروريةِ والأساسيةِ ، وذلك بالاعتمادِ على القوَّةِ المتوفرةِ لديهِ، وذلكَ من أجلِ الدفاعِ عنها والحفاظِ عليها ، وبالتزامنِ مع ذلك لازالت السيرورةُ التاريخية للبشرية التي تعاني من ممارساتٍ صعبةٍ وبشعة ومشؤومة تتحلَّى فيها استخداماتٌ للقوةِ الضاربةِ في العلاقاتِ الدوليةِ، بحيثُ تضرَّرت في عواقبها المأساويةِ الصعبةِ . ولقد ارتبط أيضاً مفهومُ استخدامِ القوَّةِ بمفهومِ المصالح القومية والمصالح الوطنية ( القُطرية) والحفاظ عليها منذُ القِدَم، كما أنَّ الدولة مازالت تبني مواقفها استناداً إلى ما تملكهُ من مصادرِ فائض القوَّةِ سواءَ كانت ثابتةً أو غيرُ ثابتة ، كالموقع الجغرافي ( الجيوسياسي ) و( الجيو استراتيجي ) ،والموارد الكامنة في باطن الأرض ،أو كانت متغيِّرةً كالقدراتِ الذاتيةِ لشعوبِها وقوَّتِها العسكرية المسلحة.
لقد تمَّ تطوير شكلَ استخدامِ تلكَ القوَّةِ بشكلٍ مباشَر وصريح ،وخصوصاً القوَّةَ العسكريةَ والقوَّةَ الأمنية ، إلى استخدامٍ غير مباشر للقوَّةِ بشكل التهديد مثلاً ، أو الضغوطُ بكافةِ أشكالها ،والتي تسمَّى عادةً بوسائلِ الإجبار والإكراه على سبيل المثال . والتي لا تصلُ إلى حدِّ الحربِ، ولقد بذلَ المجتمعُ الدوليُّ جهوداً عظيمةً وحثيثةً في سبيلِ تنظيم وتحديد منع استخدام فائض القوّةِ ،وكانت هذه الجهودُ تتناسبُ فردياً وليس جماعياً مع التقدُّم الحضاري الذي حقَّقته وتحقِّقهُ البشرية ، وكلما ازداد هذا التقدُّم ازدادت الجهود في ذلك السبيل متجهةً نحو الهدف ، ولعلَّ السبب في ذلك هو توصُّل العالم المتحضِّر إلى أسلحةٍ أشدُّ فتكاً وتدميراً وإفناءً، بشكلٍ متزايد ومتطوِّر بتطوُّر الحضارةِ التكنولوجية من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى لأنَّ ظاهرة اللجوءِ دائماً إلى القوَّةِ تمتازُ بها عادةً المجتمعات الأقلُّ تحضراً والأكثرُ فقراً، بينما تلجأ المجتمعات المتحضِّرةُ إلى استخدامِ العقلِ والحكمةِ في معظم معضلاتها ومشكلاتها . وعلى الرغم من الجهود الكبيرةِ التي بُذِلَت سواءٌ كانت نظريةً جاءت بها الأديان والمعتقدات والثقافات المتنوعة ،والإيدلوجيات المختلفةِ ، أو عمليةً تمثَّلت في المعاهداتِ والاتفاقاتِ والمواثيقِ التي تخص المنظمات الدولية فلم يتوصل المجتمع الدولي حتى هذه اللحظة إلى القضاءِ على ظاهرةِ الحروبِ ، واستخدام القوَّةِ المفرطة ، بل أخذت الدول تتفنَّن في إيجادِ المبررات والذرائع القانونية والمنطقيةِ والأخلاقيةِ لتبرير لجوءها إلى استخدام فائض القوة العسكرية والأمنية .
        إنَّ الطبيعةَ البشريةَ ومن أجلِ البقاء وتأمين الحاجاتِ العمليةِ والأساسيةِ للحياةِ السياسيةِ المعاصرة ،لا تتمكن من البقاء بدون قوة عسكرية وأمنية ، ولا تسمح بنبذٍ تام لاستخدام القوَّة ِ بكافةِ أشكالها ،وذلك لعدم وجود ضمان دولي حقيقي حتى هذا اليوم ، يردع المعتدي ويعاقبهُ ويدافع عن المظلومِ ويسعى لتحصيلِ حقِّه، فيبدو أنَّ مقولةَ الحقِّ للقوَّةِ مازالت صالحةً في كثيرٍ من الأحوال، ليس بمفهوم العدوان والاعتداء ،وإنما بمفهوم الحمايةِ والمحافظةِ على الحقوقِ والدفاعِ عن النفس من قِبَل الدول ، فالدول الضعيفة والفقيرة لا يمكن أن تدافع عن نفسها وشعبها ، وتحافظ على حقوقها وسيادتها واستقلالها في هذا العالم المتنافس على الهيمنة والسيطرة والمتناقض في الآن ذاته ،والذي يبدو أنه يعمل من أجل المحافظة على السلام والسلم الأهلي باللجوء إلى استخدام القوة العسكرية المفرطة من أجل الردع المتبادل لمنع وقوع الحرب.
إنَّ المشهد الدولي الراهن اليوم لا يبدو منتظماً ومضبوطاً ، فهناك من يسيء للعديد من المفاهيم والاصطلاحات والركائز القانونية ، ومن أهمّها عدم تحريك استخدام القوة العسكرية والأمنية إلَّا في حالةِ الدفاع عن النفس، في الحقيقةِ لقد ساهمت الحروب الطاحنة التي يشهدها الواقع الدولي في معظم أنحاء العالم اليوم في تشجيع المفكرين والباحثين الجادين لإعادةِ دراسةِ موضوع استخدام القوَّةِ العسكريةِ بكلِّ أشكالها في القانون الدولي ، وتدقيق وتمحيص الذرائع والحجج التي باتت تسوقها الدول الكبرى لتبرير استخدامها المًفرِط للقوَّةِ بصورةٍ منفردةً ، خلافاً لأحكام ميثاق الأمم المتحدة وقوانينها.   
        لقد ظهرت فكرة غطرسة القوَّةِ كمفهوم جديد بفكرة (فائض القوة والجبروت) وهذا المفهوم الذي كرّسته الولايات المتحدة الأمريكية في مخاطبتها للعالم، بخاصَّة دول أوروبا، ومعظم مراكز الدراسات الإستراتيجية تذهب إلى استخدامِ مُصطلَح (فائِض القوَّةِ والجبروت) للتأكيد على تنفيذ مشاريعَ استعماريةٍ ، يُراد منها السيطرة والهيمنة وإظهار التفوّق ، لفَرْضِ خطط واستراتيجيات دولية محميّة من أقطابٍ ودولٍ دافِعة لنظرياتِ الرّدع بالقوَّة. وبالتالي تشكيلُ مظلّةٍ حاميةِ تستفيد منها هذه الأقطاب وتلكَ الدول من دونِ أن تتدخّل بشكلٍ مباشر.
    وهكذا علينا النظر إلى الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ من خلالِ قوتها الهائلة التي تتمتَّعُ بها والتي يمكنها أن تفرض معاييرها المزدوجة على العالم بما فيها أوروبا حيثُ تفرضُ أنَّ التعاملَ مع أوروبا كدولةٍ متحضرةٍ وبطريقةٍ منفتحةٍ، والتعامل بالقوَّةِ العسكريةِ مع بقيةِ العالم، فقد كان المنظِّر السياسي البريطاني روبرت كوبر يؤكِّدُ على مقولةِ : (بين دولنا يجبُ تطبيقَ القوانينِ، أمَّا عندما ندخل إلى الغاب، فيجبُ أن تطبق شريعته ). والمقصود هنا بالغاب هو العالم الإسلامي وليس الأوروبي أو الأنكلو ساكسوني،فقد أصدر مركز السياسة الخارجية (The Foreign Policy Centre) البريطاني، سنة 2002، مجموعةَ مقالاتٍ بعنوان :( إعادة ترتيب العالم: الآثار بعيدةَ المدى للحادي عشر من سبتمبر). اشتملت على مساهماتٍ من رئيس وزراء الكيان الصهيوني الأسبق إيهود باراك، وكنعان مكّية من بين آخرين، وقدّم لها طوني بلير وكنعان مكِّية هو ,معماري أكاديمي عراقي من مواليد مدينة بغداد، أستاذ سيلفيا ك هاسنفيلد في الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في جامعة براندايس . ومن كبار المؤيدين لتدخل الولايات المتحدة الأمريكية العسكري إلى العراق . . اكتست هذهِ المقالةُ أهميةً خاصةً بالنظرِ إلى العلاقةِ القويةِ التي تربطُ كاتبَها برئيسِ وزراء بريطانيا الأسبق طوني بلير في حينها.تضمّنت هذه المجموعةُ مقالةً تم اعتبارها من أهم المقالاتِ في حينهِ لـ روبرت كوبرRobert Cooper بعنوان’دولة ما بعد الحداثة The Post Modern State‘ يخلُص فيها الكاتب والسياسي والدبلوماسي البريطاني روبرت كوبر إلى مشروع إمبريالية من نوعٍ جديد غير معروف سابقاً، تأخذ أحد شكلين: (إمبريالية الاقتصاد العالمي الطوعية)، و(إمبريالية الجوار)، ومفهوم الجوار عند الكاتب روبرت كوبر يتسع ليشمل العالم كلَّهُ.في هذهِ المقالةَ الخطيرة في طرحها تقدِّم تصوّرٍ تفصيلي للمشروع الإمبريالي في مرحلةِ ما بعدَ الحداثةِ، لغةُ المشروعِ ومسوِّغاته فقط هي الجديدة، رسالتُه لم تعُد جلبَ قيمِ الحضارةِ الإنسانيةِ لأمَمٍ همجية فقيرةٍ متخلفةٍ أو فتح الممرّات أمام التجارةِ، فلكلّ عصرٍ لغتهُ.في المقالةِ تعبيرٌ عن الخلفيةِ الفكريةِ للسياساتِ الماضيةِ في اجتياحِ أرضنا العربية ومنطقتنا ومفرداتِ الإعلام المصوَّب نحوها.
        إنَّ هذهِ الشريعة التي يدعو إلى تطبيقها غلاةُ المحافظين الجُدُد في الإدارةِ الأمريكيةِ أمثال دونالد هنري رامسفيلد ، السياسي ورجل الأعمال الأمريكي المتقاعد. شغل رامسفيلد منصب وزير الدفاع الثالث عشر في الفترة من 1975 إلى 1977 في عهد الرئيس جيرالد فورد، ثم أصبح وزير الدفاع الحادي والعشرين في الفترة من 2001 إلى 2006 في عهد الرئيس جورج دبليو بوش. وكونداليزا "كوندي" رايس عالمة سياسية ودبلوماسية أمريكية. وقد شَغلت منصب وزير خارجية الولايات المتحدة بالفترةِ من 26 كانون الثاني 2005 حتى كانون الثاني من العام 2009 . و الكاتب والمؤرِّخ الأمريكي روبرت كاغان وغيرهم، تدعو هذه الشريعة إلى استخدام القوَّةِ الباطِشةِ الكاسحةِ الماسحةِ التي باستخدامها يكونُ البقاء دائماً للأقوى. وهذه هي العقيدةُ الداروينية التي تمارسها القوى الغربية ضدَّ العربِ والمسلمين، مستلهمينَ من دروسهم التاريخية ما قاموا بهِ الأمريكيون الأوائل من اضطهاد ٍ ضد الهنود الحمر، حيث يبدو أنهم مستعدُّون للقيامِ بأبشع منها في الدولِ العربيةِ، مبتدئين بالعراق وفلسطين بعد الصومال ومن ثم أفغانستان ،وبعدها في اليمن وليبيا وسورية ، فقد سَبقَ للصهاينةِ المتأمركين بتطبيق العقيدةِ الداروينيةِ من خلالِ استخدامهم للطائرات الحربية المتطورة والمروحيات والدبابات والجرافات أمريكية الصُنُع، وكذلك كافة الأسلحةِ المتاحةِ والممنوعة دولياً مثلَ القنابل العنقوديةِ والانشطاريةِ واستخدام غاز السارين والتابون، حيثُ ساهموا في قتلِ البشر وتهديم البيوت، وتجريف الأراضي، واعتقال المواطنين، واغتيال المناضلين، ولم يتورعوا عن اغتيال مواطنة أمريكية مشاركة في البعثةِ الإنسانيةِ وهي راشيل كوري.
        في أوروبا انهارت عام 1989 منظومتان سياسيّتان كبيرتان عمرُهما ثلاثة قرون ونيِّف هما: ميزان القوى والنزعة الاستعمارية. لم يتميّز ذلك العام 1989 بنهاية الحرب الباردة فقط بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية ، ولكنه تميّز كذلك بما هو ذو مغزىً أبعد من ذلك ،وهو نهاية منظومة الدول في أوروبا، وهي التي يعود تاريخها إلى حرب الثلاثين عاماً التي مضت . لقد أوضح ما جرى في الحادي عشر من أيلول 2001 واحداً من مضامين التغيير الهامة في العالم .من هنا وجب علينا فهمُ الماضي إذا أردنا فهمَ الحاضر، فالماضي بما له وما عليه لا يزال معنا. لقد ارتكز النظامُ الدوليّ في الماضي إمّا إلى السيطرة والهيمنة أو إلى التوازن. لكن الهيمنة أتت أولاً، وفي العالم القديم كان ذلك يعني وجود الإمبراطوريات. نعِمَ مَن بداخل الإمبراطورية بالنظام والثقافةِ والحضارةِ، وبقي خارجها المتخلفون والهمج والفقراء والاضطراب والفوضى وعدم الاستقرار . وترسّخت صورةُ السّلم والنظام من خلال مركزِ قوّةٍ مسيطر ومهيمِنٍ ووحيد منذ ذلك الوقت وحتّى الآن. إلاّ أن الإمبراطوريات ليست مؤهّلةً لإحداث التغيير النوعي في العالم ، فالمحافظة على تماسك الإمبراطورية ـ والإمبراطوريات في الأساس يطبعُها التنوّع والتبدُّل ويتطلّب في العادة نهجاً سياسيّاً سلطوياً مهيمناً ، فالابتكار والاختراع ، في المجتمع والسياسة على وجه الخصوص، يؤدّي إلى الإخلال بالتوازن في حال الامبراطوريات. لقد كانت الإمبراطوريات في التاريخِ ساكنةً على وجهِ العموم دونَ تطوُّر أو تقدُّم .
         أمَّا في أوروبا فقد وُجد سبيلٌ وسَط بين حاليْن ساكنيْن هما حال الفوضى وحال الإمبراطوريات تمثّل في الدولةِ الصغيرةِ. لقد نجحت الدولة الصغيرة في جميع مكوناتها في بناء السيادة والقوة ، ولكنّ ذلك كان فقط في إطار ولايةٍ قانونية وتشريعية محدودةٍ جغرافيّاً. وبذلك يكون النظام الذي أُطلق عليه فيما بعد بالسّلم الداخلي قد تحقَّق مقابل ثمنٍ من الفوضى الدولية المستمرة. لقد كان التنافس السريع بين الدول الصغيرة في أوروبا مصدَراً للتقدم، ولكن المنظومة بشكلٍ عام كانت مهدّدةً دائماً إمّا بالعودة إلى الفوضى أو إلى هيمنة وسيطرة قوةٍ بمفردها. وكانَ الحلُّ لهذا الوضع هو توازن القوى، أي بإقامة منظومة من التحالفات المتوازنة مقابل بعضِها البعض، وهو ما أصبح يُنظر إليه كشرطٍ للحرية (liberty) في أوروبا، فأُنشئت التجمّعات (coalitions) الكبيرة بنجاحٍ لكبح طموحاتِ الهيمنة والسيطرة لدى أسبانيا أولاً ثمّ فرنسا وأخيراً ألمانيا التي تمثل أقوى قوة ضاربة في أوروبا .
        إنَّ فكرةَ فائض القوَّةِ والجبروت التي استخدمها ويستخدمها الأميريكان من أجل النفط والثروات الباطنية الهائلة في منطقتنا العربية ،وسحق الأصولية، والمقاومة الفلسطينية, ومحاربة الإرهاب، وكل من يمانع الحرب ضد المشاريع الأمريكية في العراق والمنطقة العربية مثل بعض الدول الأوروبية وجمهورية روسيا الاتحادية وجمهورية الصين الشعبية ، حيث اعتقدَ قادة الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ أنَّهم بضربةٍ واحدةٍ صاعقةٍ ومكثفة سيحقِّقون السطوة والاحتلال ،وأنَّ المعركة ستكونُ خاطفة وناجحةً وكأنَّ القوات الأميريكية ستذهب إلى نزهةٍ في العراق. إنَّ تجارب التاريخ تقدم لنا الكثير من الدلالات حول كيف تتشكل القوة وفائض القوة والجبروت من أجل مزيد من الهيمنة والسيطرة لذا نجد اتحادُ ’ما بعد الحداثة الأوروبي يقدّم رؤيةً جديدة للإمبراطورية التعاونية وللحرية المشتركة والأمن المشترك بين البلدان ، من دون سيطرة أو هيمنة عرقية أو مركزية مطلقةٍ مثل التي طبعت معظم الإمبراطوريات في الماضي، وكذلك من دون تفرّدٍ عرقيٍّ طبع الدولة القومية. لم يعُد التفرّد العرقيُ مناسباً على الإطلاق في عصرٍ اختفت فيهِ الحدود بشكلٍ شبه تام ، وهو غيرُ عمليٍّ في مناطق عديدة في العالم مثل البلقان.أو في منطقتنا العربية قد تكون الإمبراطورية التعاونية هي الإطارُ السياسي الداخليُّ الأكثرُ ملاءمةً للتغيّرات البنيوية والجوهرية التي تنطوي عليها دولة ما بعد الحداثة كالتي جاء بها المنظر السياسي البريطاني روبرت كوبر، بصفتها إطاراً يكون فيه للجميع نصيبٌ في الحكمِ، ولا تنفردُ فيهِ دولةٌ بعينها بالسيطرة والهيمنة ، وتسودُها المبادئ القانونية الناظمة لا العرقية. سيكون المركز فيها ضعيفُ التأثيرِ، والبيروقراطيةُ المركزية بالضرورةِ تحت المراقبة ِ الدقيقة والمحاسبةِ بصفتها خادم الاتحاد لا سيّدَه. ويجب أن تكرِّس مثل هذهِ المؤسَّسةِ نفسَها للعنصرين المكوِّنين لها فقط وهما الحرِّية والديمقراطية. وسيقدّم هذا الاتحاد لمواطنيه ـ مثلما كانَ الحالُ بالنسبةِ لروما ـ بعض القوانين والتشريعات وقطعَ النقود، والبطاقات الممغنطة، والطُّرقَ مِن آنٍ لآخر.
    إنَّ استخدامَ القوَّةِ ، أي فائض القوة والجبروت من أجلِ نشرِ الرعبِ والخوفِ في نفوس الناسِ ليسَ إلَّا مرحلةً يزداُد فيها قلق العالم بنسب مخيفة، وهو تأكيد على ولادة عصر دولي وعربي جديد، ودليل على إفلاس للحياة السياسية والإغراق المتزايد في الضياع والفقدان، وذلك لأن المخاطر الحقيقية يمكن أن يقودنا إليها الاستمرار في استسهال ضرب عرض الحائط بالمصير المشترك للبشرية، عن طريق استسهال استخدام التطور التكنولوجي الهائل في كل أنواع الأسلحة بلا أية ضوابط أخلاقية ذات فعالية حقيقية بعيداً عن الشعوذة التي تقوم بها العديد من الدول حالياً في محاولة مكشوفة لتغطية النوازع المصلحية الرخيصة المفضوحة – برؤيا إيمانية - أخلاقية مثالية وطوباوية.
       إن ما تقوم به تلك الدول باستخدام فائض القوة والجبروت سيؤدي بالواقع إلى ولادة جديدة بعد مخاضٍ صعب إلى صحوةٍ شاملةٍ للشعوب، تلك الولادة العظيمة المؤكدة لقوة جديدة في ساحة السياسة الدولية، هي قوة الرأي العام. ومن بشائر الخير الملموس أن تكون هذه القوة الجديدة عبرت عن نفسها أقوى ما عبرت في البلدان التي اندفعت حكوماتها للسير وراءَ الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ إنَّ هذا المخاض العالمي الكبير سيكون لنا نحنً العرب فيهِ حصة كبيرة. وحيثُ كانَ البدءُ في الأرض الفلسطينيةِ المقدَّسةِ.