( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
أُحتِلت البلدانُ العربيةُ والإسلامية و مثلُها كثيرٌ من البلدان الأجنبية وانتهى الاحتلالُ ومضت شعوبُ تلك البلدانُ لتعيشَ حياتَها الطبيعيةَ لترسمَ دربَ حياتِها المعبَّد بالتنميةِ والازدهار وإن كانَ معظمُ البلدانِ العربيةِ في حقيقتِها تحولت إلى مستعمَراتٍ بصورةٍ غيرِ مباشرة . أما فِلَسطِين فها هي تتجاوزُ عقدَها السابعَ في مقارعةٍ شرسةٍ لمحاولة اغتصابٍ صهيونيٍ بعدَ ثمانيةٍ وعشرين عاماً من الاحتلال البريطاني الذي مهّد للأكذوبة المسماة “إسرائيل” ،
ثلاثة وسبعونَ سنةً من القتل والتنكيل والتشريد والتهجير والتجويع والحصار والقصف ومجازراً تلو المجازر في ظل صمتٍ عربيٍ مخزٍ وإن نبسَ ببعضِ حرفٍ فعلى استحياءٍ يأتي بغرض إسقاط واجبٍ فقط ليس إلا .
لكنَّ الشعب العربي الفلسطينيي أسمى من أن يُتهم ببيع أرضَه أو أن يتركوها ، فشجرةُ الزيتون عصيةٌ على الإقتلاع ، وكما التينُ رمزُ السلام فالزيتونُ رمزُ الصمود المتجذر في أعماقِ الحق و أغوارِ التاريخ، فإذا بهم يواجهونَ المعتدي ببسالةٍ خارقةٍ قلّ أن تلقى لها نظيراً ، متوكلين على الله ربهم بعد أن علموا أنّ حكامَ عرب ومسلمي اليوم أجبن من أن يتجرأوا على الوقوفِ معهم وأدنى من ينالوا شرف ذلك إلا قليلٌ مما رحمَ ربي ، ذلك الصمودُ الفلسطيني الذي جسَّد أسطورةً في عين العالم حينَ ناضلَ بعد إن نفدتِ الذخيرةُ بالحجارةِ و السكاكينَ وبالأبدان المرصوصة أسواراً على بيت المقدس تواجه الرصاص الحي والنار القاتل حتى لايدنس المغتصبون طُهريةِ المكان الذي تفوح منه رائحة الزمان العطرية المقدسة ، فتجد الفلسطينيَّ يرفعُ بيدِهِ غُصنَ الزيتون لكنّك لن تراهُ يرفعُ الرايةَ البيضاء البَتَّةَ. فالسلامُ عنوان قاموسهم الذي لا يوجد فيه مصطلحُ الاستسلام. ذلك الكفاح هو ماحدا بالكاتب “ الإسرائيلي الشهير آري شبيت ” إلى الإقرار مؤخراً بقوله“ إننا أمام أصعب شعب عرفه التاريخ ولا حلّ معهم سوى الاعتراف بحقوقهم وترك الاحتلال ” ليأتيَ بعده الكاتب الصهيوني _ هو الآخر _ يُقرُّ بوجود الشعب الفلسطيني، بل وبتفوقه على " الصهاينة الإسرائيليين" ذلك الكاتب هو “جدعون ليفي” الصهيوني اليساري، إذ يقول :
“يبدو أنّ الفلسطينيين طينتهم تختلف عن باقي البشر، فقد احتللنا أرضهم، وأطلقنا على شبابهم كل سوء ودسسنا المخدرات، وقلنا ستمر بضع سنوات، وسينسون وطنهم وأرضهم، وإذا بجيلهم الشاب يفجر انتفاضة الـ 87 ..أدخلناهم السجون وقلنا سنربيهم في السجون ، وبعد سنوات، وبعد أن ظننا أنهم استوعبوا الدرس، إذا بهم يعودون إلينا بانتفاضة مسلحة عام 2000 ، أكلت الأخضر واليابس، فقلنا نهدم بيوتهم ونحاصرهم سنين طويلة، وإذا بهم يستخرجون من المستحيل صواريخ يضربوننا بها، على الرغم من الحصار والدمار ، فأخذنا نخطط لهم بجدران الفصل العنصري العازلة والأسلاك الشائكة ، وإذا بهم يأتوننا من تحت الأرض وبالأنفاق، حتى أثخنوا فينا قتلاً .
    في الحرب الماضية ، حاربناهم بالعقول، فإذا بهم يستولون على القمر الصناعي "الإسرائيلي عاموس " ويدخلون الرعب إلى كل بيت في "إسرائيل"، عبر بث التهديد والوعيد، كما حدث حينما استطاع شبابهم الاستيلاء على القناة الثانية "الاسرائيلية" . خلاصة القول، يبدو أننا نواجه أشجع شعب عرفه التاريخ، ولا حل معهم سوى أن نُقِرَّ بحقوقهم و ننهي الاحتلال” مناقبٌ شَهِدَ العدوُّ بفضلها و الحقُّ ماشَهِدَت بهِ الأعداءُ .
من بؤرة الظلام أتوا بعقيدة التوراة ( التناخ ) بعد أن زيفوها ، وبدين التلمود المؤلَّف من أخيلة حاخاماتهم الشيطانية ليشردوا شعباً من أرضه كي يسكنوهُ هُم ثم يصنعون خِرقةً أسموها “ علم اسرائيل” تلك الخِرقةُ التي تتوسطُها نجمةٌ تسمى “نجمة داؤود” بين خطين أزرقين رمزاً لحلم اسرائيل الكبرى وأملاكها بين النهرين ، حيث أن حلمها يمتد من نيل مصر حتى فرات العراق يؤكد ذلك خارطة (اسرائيل الكبرى) التي لاتزال _ على الرغم من اتفاقيات التطبيع _ أعلى “باب الكنيست” في استخفاف واضح بعقول العرب وسكان المنطقة ، وها هي تسير إلى حلمها المشؤوم بخطىّ واثقة في حين أن حكام العرب مشغولون بالتطبيع مع من يتأبط شراً لهم في سقوطٍ لهم إلى الحضيض وهو ما دفع الكاتب الإسرائيلي شاي غولد بيرغ إلى قوله : “ أيها المطبعين العرب نحبكم كحبنا لكلابنا” تعبيراً عن احتقاره للمنبطحين للدولة الصهيونية قالها وهو على ثقةٍ بأنهم كلامه حقيقة يؤمن به المطبعون قبله ولن يجرؤون على فتح فمهم فهم متخصصون إلى جانب العبودية لدول الإجرام العالمي بقمع شعوبهم تاركين فلسطين لقمةً سائغةً في فم الوحش الصهيوني النَّهِ من أن هم الذي لن يكتفيَ بالثور الأبيض حتى يتبعه بالثور الأسود والأحمر ، ولم ينتبه لخطورة هذا السرطان الصهيوني الخبيث سوى ثلةٍ سَمَت نفوسُهم وتنقت ضمائرُهم وتطهّرت أفكارُهم من شوائب العصر الذي يبثها بنو صهيون تمهيداً لوهمهم ، ثلةٍ مرابطةٍ على أكنافِ بيت المقدس لايضرُّهم من خذلهم حتى يأتيَ أمرُ اللَّه بنصرِهم، إنهم فتيةٌ آمنوا بربهم وزادهم هدىً فربطَ على قلوبِهم ومضوا يشقون دروبَ الجهادِ، الأمرُ الذي أذهلَ العالمَ حينما أبدوا بسالةً وحِنكةً وشجاعةً جَعلت من تَلَّ أبيب “عاصمة اسرائيل” المغتصبَة جحيماً لايُطاقِ في وقتٍ لايجرؤُ أيُّ حاكمٍ عربيٍ على تخيلِ أمرٍ كهذا فضلاً عن تطبيقِه والجميعُ يعرف كيف تمكن الفدائي الفلسطيني المكنى أبو عبيدة من جعل الصهاينة يصدقون كلامه ويتركون كلام قادتهم و يضبطون ساعاتهم على توقيته الصادق .
إنّها العقيدةُ الصحيحة التي تواجهُ العقيدةَ المزيفة فتُعَرّي حقيقتَها وتكشفُ سوأتَها والباطلُ لايصمدُ أمامَ الحقّ ساعةً ( بَل نَقذِفُ بالحَقِّ على البَاطِلِ فيَدمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق.. ) 18-الانبياء. 
هذي هي فلسطين ولَّادةُ الرجال ومصنعُ الأبطال ، وهذهِ هي القدس التي بارك اللَّهُ حولَها مسرى الرسول محمد عليه الصلاة والسلام ، ومكان نزول المسيح عليه السلام وموقع مصرع المسيخ الدجال . ليست مجرد جغرافيةٍ عقيمة كما يظنُّها البعضُ من الجَهَلَة بل هي جنةُ الدنيا و مسرح التاريخ وأرضٌ بارك الله فيها فتميزت بقداستها وطهرها _ كغيرها من البقاع المقدسة _ ولن يرثَها سوى عبادُهُ الصالحون ، وهذا مايَفُكُّ لنا شفرةَ الصمودِ الجهادي الأسطوري في وجهِ أعداءِ القداسةِ وجُهَّال التاريخ . ففلسطين _ في خُلاصةِ حقيقتِها _ عقيدةٌ صحيحةٌ عنيدةٌ لا مجرّدَ قِطعةِ أرضٍ وتراب .