( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
ما زال الصراع محتدماً بين شعبنا العربي الفلسطيني الصامد ضدَّ الكيان الصهيوني منذ نحو عشرة أيام ، وذلك منذ الثامن من شهر أيار الجاري ، هذا الصراع المحتدم ينذر بمرحلةٍ جديدةٍ في جوهر الصراع العربي الفلسطيني مع الكيان الصهيوني الذي يمارس سياسة الحرب المحروقة والتدمير والقتل والسحل من خلال تدمير المباني المدنية والبيوت السكنية للآمنين ،وأسس البنية التحتية للشعب العربي الفلسطيني في غزة ، وهذه العمليات هي الأولى في تاريخ جوهر الصراع من حيث بدء المقاومة الفلسطينية بمقاومة قوات الاحتلال الصهيوني . ففي كل الحروب العسكرية الطاحنة التي احتدمت بين العرب مقاومةً وجيوشاً من جهة ، وقوات الاحتلال الصهيوني من جهةٍ أخرى باستثناء الحرب التي جرت بين لبنان في شهر تموز 2006 والكيان الصهيوني ، وبشكلٍ محدَّد ، بقيت المدن الفلسطينية الكبرى التي تم وصفها في السابق بأنها مدن آمنة وبعيدة كل البُعُد عن شظايا الحرب ، حيث يسجَّل للمواجهة العسكرية الأخيرة وحدها التمكن من الهجوم المكثَّف ، وبشكلٍ خاص ما جرى في مدينة عسقلان التاريخية ، والقدرة الفائقة على استهداف أهم المراكز الاستراتيجية في ( تل أبيب ) والمدن والبلدات والقرى المحيطة بها في عمق الكيان الصهيوني . الهام بالأمر في هذا المقام ليس الحديث بشكلٍ مفصَّل في ما جرى على أرض الميدان ، بل يمكننا الحديث عن تأثير ذلك على مستقبل قضيتنا الفلسطينية التي ساد شعورٌ وإحساسٌ عام لدى عدد كبير من شعبنا العربي على امتداده من المحيط إلى الخليج . بخاصة بعد أن طرح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بأنها باتت من الماضي القريب والماضي البعيد .لقد غيَّرت الأحداث الكثير من القضايا العالقة والملفات التي طواها النسيان والتي يعاد فتحها من جديد ، وأعادت الاعتبار للقضية العادلة للشعب العربي الفلسطيني على المستوى العربي والإقليمي والدولي ، ونقضت بقوة مقولة ( الجيش الذي لا يُهزَم ) وبعثت الروح بقوة مجدَّداً لمركزية القضية الفلسطينية في الوجدان والشعور لدى الأمة العربية وشعوب العالم المُحبة للسلام العادل ، ولكل أحرار العالم . في هذا السياق الهام نجد أنَّ الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة هو جوهر الاستقلال الذي نادت به منظمة التحرير الفلسطينية منذ منتصف ثمانينات القرن العشرين المنصرم ، وكان مطروحاً بقوة لدى أكبر أحزاب الكيان الصهيوني آنذاك ( حزب العمل ) الصهيوني في أثناء قيادة رئيس وزراء الكيان ( شمعون بيرز ) لهذا الحزب . وكان موقف قيادات حزب ( العمل ) الصهيوني في تلك الفترة هو أنَّ ضم أراضي الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة يلحق الضرر الكبير بالكيان الصهيوني لأنه يلغي فكرة (يهودية الدولة ) وهي فكرة عنصرية بامتياز . ويشكك في مصداقية مقولة أنَّ الكيان الصهيوني ( دولة إسرائيل ) هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط ، ويتم تسميتها أمام العالم أجمع بأنها دولة عنصرية ، و(دولة ثيوقراطية) دينية . لقد تم وضع العديد من الحلول للقضية الفلسطينية فكان أحد الحلول من وجهة نظر الآباء المؤسسين للكيان الصهيوني ، أحفاد ( ديفيد بن غوريون ) هو التسليم والموافقة بقيام دولة فلسطينية على الأراضي الفلسطينية التي تم احتلالها من قِبَل قوات الاحتلال الصهيوني في حرب حزيران عام 1967 م . ولتكون الدولة الفلسطينية القادمة المرتقبة والتي سيتم ربطها اقتصادياً بالكيان الصهيوني ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي نادى به ( شمعون بيرنز ) رئيس وزراء الكيان الصهيوني الأسبق ،وكوندوليزارايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية السابقة التي قالت عن دماء الشعب اللبناني والفلسطيني التي كانت تسيل جراء حرب تموز 2006 بأنها مخاض لولادة مشروع شرق أوسط جديد ، وهي التي بشَّرت بالفوضى الخلَّاقة ، والتي تسعى بلادها الولايات المتحدة الأمريكية إعادة رسم المنطقة ، وهي منطقة برية ( للدولة اليهودية ) في كل الاتجاهات ، وهي رؤية تنسجم في أغلب الأحيان مع بعض التعديلات الطفيفة على موقف النظام العربي الرسمي تجاه القضية الفلسطينية وهي القضية المركزية للأمة العربية ، الذي التزم منذ قمة فاس في المغرب يوم 6 أيلول من عام 1982 بقيام دولتين على أرض فلسطين التاريخية.
ونحن من خلال متابعتنا لمجريات الأحداث والوقائع داخل الكيان الصهيوني نجد أنَّ هذه الرؤية تم إعادة إنعاشها من جديد التي نادى بها عدد من قادة الكيان الصهيوني ومن أمثال ( تسيبي ليفني ) و( إيهود أولمرت ) وغيرهما . وفي الحقيقة تأتي نتائج الصراع الساخن الآن بين الشعب العربي الفلسطيني والاحتلال الصهيوني لتعزز هذه الرؤية . وتلك وجهة النظر . وما من شك أبداً في أنَّ وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض وهو الذي يتبنى هذا الموقف والذي رفض إجراءات دونالد ترامب التي اتخذها ضد شعبنا العربي الفلسطيني وشعبنا العربي ودول وشعوب العالم . وبايدن هو الذي سيعيد القضية الفلسطينية للواجهة من خلال تصريحاته المتتالية حول هذا الموضوع حسب منهجه السياسي كرئيس للحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية . مستنداً في ذلك بما حدث ويحدث في ميادين المواجهة الراهنة. أما الولايات المتحدة الأمريكية فإنها لا ترغب ومعهم حكام الكيان الصهيوني في إعطاء أي رصيد قوي لشعبنا الفلسطيني، فالرئيس الأمريكي من الحزب الديمقراطي جو بايدن مصمم على استمرار العمليات العسكرية الصهيونية ضد غزة لإخضاع شعبنا الفلسطيني وأنه من حق الكيان الصهيوني من الدفاع عن نفسه ، والآن أكَّد دعمه لوقف إطلاق النار . وهذا ما يشكل حالة جديدة ، ولا ندري هل يعتبر ذلك تهديداً لأمن الكيان الصهيوني ، وإذا لم يتم اغتنام نتائجها فإنهم بذلك يضعفون القوى الفلسطينية التي يصفونها بالمعتدلة، ومنها السلطة الوطنية الفلسطينية، ، ومن جهة ثانية فإن النتائج الميدانية للصراع العسكري والسياسي المحتدم ، والتي أسستها الأيام الأخيرة، أكدَّت أن القدرات العسكرية والشعبية والدبلوماسية الفلسطينية، ربما لن تستطيع تحرير الأرض، بالأفق المنظور، بسبب الخلل الكبير والواضح في توازن القوى، ولكنها قادرة على إلحاق الأذى بالمحتل وتكبيده أكبر الخسائر، ووضعه في حالةٍ من عدم الاستقرار . من جهته السيناتور الديمقراطي الأمريكي كريس ميرفي قال :( إنَّ رئيس وزراء الكيان الصهوني بنيامين نتنياهو من أشعل فتيل التصعيد ). إن هذه الحرب المتصاعدة كان لها تأثير سلبي على الكيان الصهيوني حيث تشير التقديرات الأولية إلى أنَّ خسائر الكيان الصهيوني الاقتصادية قد تخطت عشرة مليارات دولار في أقل من أسبوع واحد فقط ، وهي خسائر فادحة وغير قليلة بكل المعايير وكل المقاييس. وعودة المفاوضات من جديد مع السلطة الوطنية الفلسطينية، على أساس الاعتراف بحق الفلسطينيين في الاستقلال وتقرير المصير، وهذا من شأنها أن تمنح رصيداً جديداً للسلطة الوطنية الفلسطينية .
 من جهة شعبنا العربي الفلسطيني الذي قدَّم الكثير الكثير ، من قادته ورجاله وشبانه، لن يفرِّط بسهولة في رصيده الذي حاز عليه في الأيام الأخيرة التي تشهد هذا الصراع الدامي ، ولن يقبل بأي تهدئة للموقف إلا على أساس توقف قوات الاحتلال الصهيوني عن بناء المستعمرات ، وقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية، في مدينة القدس وما حولها والضفة الغربية بشكلٍ عام .إنها حالة خاصة وجديدة وهي عملية مفصلية في التاريخ السياسي الفلسطيني وجب علينا نحن العرب والشعب الفلسطيني والقيادة في المطالبة المشروعة لتحقيق المشروع الوطني الفلسطيني والمطالبة العادلة في عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم بموجب القرار الأممي رقم 194 ، وإقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس فوق تراب وطننا العربي الفلسطيني المقدَّس .