( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )

منذ الساعة الثانية من فجر اليوم الجمعة 21 أيار 2021 ونتيجةً لقرار قيادة الكيان الصهيوني الإعلان عن وقف إطلاق النار من طرف ٍ واحد ، تم إعلان النصر الفلسطيني بعد حربٍ دامية ، وها هي الجماهير الفلسطينية والعربية وشعوب العالم الحر تشارك فرحة النصر التي تعيشها . 
كل الدلائل والمؤشرات كانت تؤكد أن المواجهة بين الشعب العربي الفلسطيني والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة والكيان الصهيوني ستكون دامية بالمطلق . تلك المؤشرات كانت تؤكد من وجهة نظر قادة الكيان الصهيوني أنه من المقرَّر أن يتوقف العمل العسكري يوم الأحد الماضي بتاريخ 16 أيار 2021 ، لكن تلك الحرب ازدادت ضراوتها واتسعت حتى شملت كامل فلسطين التاريخية ، لكنها استمرت على أمل أن تحقق انتصاراً يمكن أن يتم توظيفه سياسياً ، ويكون على المدى البعيد لصالح الكيان ، كل ذلك كان محاولةً مستميتة لإنقاذ صورة (الحكومة الإسرائيلية) من ناحية، وللحيلولة دون تمكين الفصائل الفلسطينية من فرض شروطها لوقف القتال من ناحيةٍ أخرى، وهي شروط يمكن أن تؤدي في حالة الاضطرار للقبول بها من كافة الأطراف ،من أجل إيجاد حل الأزمة المتفاقمة بخصوص المشروع (الإسرائيلي) كله.
 فقد فشل المجلس الوزاري المصغر ( الكابينيت ) الذي انعقد يوم الأحد الماضي 16 أيار 2021 في الكيان الصهيوني في اتخاذ قرار بوقف العملية العسكرية التي اتسمت بالعنف ضد قطاع غزة التي أعطيت اسم (حارس الأسوار) بسبب تعنت رئيس وزراء الكيان ( بنيامين نتنياهو)، و(بيني غانتس ) وزير الحرب وإصرارهما على مواصلة عملية التدمير الشامل للبشر والحجر، والبنية التحتية وقتل النساء والشيوخ والأطفال في القطاع، لإجبار الفصائل على وقف القتال بضغوط من الرأي العام العالمي ، من دون أن تقدم قيادة الكيان الصهيوني شيئاً، فيما حذر قادة كبار في الجيش من أنَّ (إسرائيل قد تدفع ثمناً باهظاً في حال استمرار العملية، وقد تخاطر بمناورة برية لا يريد أحد دخولها). هذا التعنت والرفض لم يأتِ من فراغ لكنه ورد في وسائل إعلام الكيان وتحديداً ما ورد في صحيفة ( يدعوت أحرنوت ) من محاولة ( بنيامين نتنياهو ) تحقيق انتصار يمكِّنه من تشكيل حكومة جديدة فشل مرات عدة في تشكيلها، من هنا كان تعليق ( يدعوت أحرنوت ) على ذلك الطموح بالقول : (لا تنتظروا صورة انتصار ) . هذا الاستنتاج الهام والذي أفزع وزعزع بنية الكيان من الداخل دعمه بشكلٍ قوي المحلل العسكري الصهيوني ( رون بن يشاي )، وهذا المحلل العسكري مقرّب جداَ من قيادة الأركان ، والمؤسسة العسكرية ، في مقالٍ ساخن نشره على شبكة الانترنت على موقع ( (YNET التابع لصحيفة ( يدعوت أحرنوت ) ذاتها ، الذي حاول تبرير انتكاسات الكيان الصهيوني المتواصلة في حربه على قطاع غزة بأنه فوجئ بأنه مضطر للحرب والمواجهة على أربع جبهات في وقتٍ واحد (مع غزة في الجنوب ) وفي (الضفة الغربية وفي ) و( الداخل الفلسطيني في أراضي فلسطين التاريخية عام 1948 ) والاستعداد لحرب في (الشمال ) من قِبَل المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني من جنوب لبنان ، لكنه خلص إلى القول بأنَّ حسابات الحقل لا تنطبق على حسابات البيدر ، وحسابات المعركة على الصعيد العسكري مازالت رهن تطورات العملية العسكرية الدامية إلى أن تتوقف، أما على الصعيد السياسي فكان توقع المحلل العسكري الصهيوني ( رون بن يشاي ) : ( أن تتآكل السلعة المسماة بالشرعية) . لكن الأخطر من كل هذا وذاك هو المردود النفسي للخسائر الهائلة والغير متوقعة على الجبهة الداخلية (الإسرائيلية) .وذكر مصدر وزارة المالية الإسرائيلية أنه من المتوقع أن يصل حجم الخسائر التي سببتها الحرب (الإسرائيلية) على قطاع غزة على الاقتصاد ( الإسرائيلي ) إلى حوالي 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وذلك خلال الـ 11 يوماً الماضية فقط. وأكًّدت الصحافة العبرية أنَّ إجمالي خسائر بلادها المباشرة خلال تلك الحرب على قطاع غزة، بلغ نحو 7 مليارات شيكل (2.2 مليار دولار أمريكي)،فعلى الرغم من محاولات التعتيم الإعلامي الفاشلة على الخسائر البشرية والمادية من تلك الحرب الدامية، وهو التعتيم الذي دفع المحلل العسكري في الكيان الصهيوني ( رون بن يشايى) أن يؤكد حالة التشاؤم التي يعيشها الكثيرون داخل الكيان وقوله : (يبدو أننا سنعرف النتائج الحقيقية لعملية الجيش الإسرائيلي فقط في غضون عامين)، إلا أنَّ بعض النتائج باتت معلومة ومؤكدة بعد أن طالت الصواريخ الفلسطينية أهم المرافق( الإسرائيلية) والتي تعتبر مرافق استراتيجية من مطارات وموانئ، خاصةً مطار( بن غوريون ) القريب من (تل أبيب ) وعلَّقت عدد كبير من شركات الطيران الأمريكية والأوروبية الرحلات الجوية إلى الكيان الصهيوني، ودعت الولايات المتحدة الأمريكية مواطنيها لعدم السفر إلى (إسرائيل ) وإلى الأراضي الفلسطينية المحتلة ، حيث رفعت مستوى التحذير إلى أقصى درجة.وحاولت دولة الاحتلال الصهيوني الاعتماد على مطار (رامون) جنوب إيلات، إلا أَّن شركات الطيران العالمي رفضت هذا العرض، ما يعني انهيار موسم السياحة في الكيان الصهيوني، والذي يُعَدُّ أحد مصادر الدخل المالية الهامة لدولة الاحتلال. هذا ويستمر تعطل حركة القطارات بين وسط الكيان وجنوبه بسبب استمرار قصف المقاومة الفلسطينية من قطاع غزة، للمستوطنات والأراضي المحتلة.كما استهدفت صواريخ المقاومة الفلسطينية أنبوب النفط بين عسقلان وإيلات، وإثر ذلك أمر وزير الطاقة بدولة الاحتلال، (يوفال شتاينتز)، بإغلاق منصة الغاز الطبيعي (تمار) الواقعة في شرق البحر المتوسط، الثلاثاء الماضي بتاريخ 18 أيار 2021.وميناء أسدود الذي يدخل عبره 60% من الواردات التجارية والاقتصادية (الإسرائيلية ) من الخارج، وتعرُّض مدينة أسدود لقصفٍ صاروخي مكثَّف ومركّز باعتبارها مدينة صناعية وتجارية ومن أهم المراكز الصناعية في الكيان الصهيوني ، ووصول القصف إلى منطقة (غوش دان) ضاحية تل أبيب وذات الكثافة السكانية العالية والتي تعتبر من أهم المراكز المالية والتجارية، إضافة إلى توقف محطة الغاز في البحر المتوسط بعد أن تعرَّضت للقصف، وهذا معناه خسائر يومية تقدر ب 10 ملايين دولار، وتوقف أكثر من 50 شركة طيران، ووقوع خسائر كبيرة لمصنع الكيماويات، ووصول القصف إلى كافة المناطق الإسرائيلية شمالاً وجنوباً.وتسببت صواريخ المقاومة الفلسطينية في إعلان سلطات الاحتلال وقف كافة الأنشطة الرياضية والثقافية، فضلاً عن تعليق الدراسة في أغلب أنحاء دولة الاحتلال.ووفقاً لصحيفة (هآرتس) الصهيونية التي تصدر في الكيان الصهيوني، فإنَّ التكلفة اليومية لإغلاق منصة (تمار) للغاز تقدر بنحو 5 ملايين دولار أمريكي ، وهي منصة تستخرج نحو 8.2 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، ما يدخل لدولة الاحتلال الصهيوني 1.8 مليار دولار سنوياً.وبحسب وكالة أنباء (رويترز) فقد حذَّرت وكالة ( فيتش) للتصنيفات الائتمانية، الخميس الماضي 13 أيار 2021، من أنَّ العنف المتصاعد سيكون له أثر سلبي كبير جداً على تصنيف (إسرائيل). كما عمَّ إضراب شامل الأراضي الفلسطينية والعربية احتجاجاً على استمرار العدوان الصهيوني المتواصل على الشعب العربي الفلسطيني، ليس هذا فحسب بل هب الشعب العربي الفلسطيني والشعوب العربية ،والشعوب الحرَّة في كل دول أوروبا والأمريكيتين وكندا واستراليا وجنوب افريقيا بمظاهرات حاشدة مؤيدة للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة . لقد توقعت هيئة البث (الإسرائيلي)، أن تشهد العديد من البلدات العربية وقفات احتجاجية .وكانت لجنة المتابعة العربية العليا في الكيان الصهيوني ، دعت بعد اجتماعها في مدينة يافا، إلى إضراب شامل في المدن والبلدات العربية في أراضي الـ48.وأعلن جيش الاحتلال الصهيوني في بيان، مساء الثلاثاء 18 أيار 2021، أن الصواريخ التي أطلقت من غزة هي الأكثر عدداً في تاريخ دولة الاحتلال. 
 هذه الخسائر المادية الفادحة لا تقارن بالخسائر النفسية والمعنوية التي ستعجِّل بيوم الحساب بين (الإسرائيليين) والطبقة السياسية الحاكمة ، وقيادات الأحزاب والقوى السياسية وخاصة تيار اليمين المتشدد وعلى رأسه تكتل الليكود وحلفائه الذين دفعوا بالكيان الصهيوني نحو(خيارات انتحارية) بإصرارهم على التمادي والتعنت في مخطط الضم والتهويد للقدس والأقصى والضفة الغربية والأغوار وشمال البحر الميت . 
 وإذا كان الصهاينة قد فوجئوا ببنك الأهداف الفلسطيني ونوعيته وأنواع الصواريخ وأحجامها ومداياتها وقوتها وفاعليتها فإنهم صدموا بأنهم اضطروا لخوض الحرب على أرضهم، وتعريض الجبهة الداخلية لمخاطر غير مسبوقة.
 إذا أضفنا إلى ذلك ما أدَّت إليه هذه الحرب من تحريك الشعب العربي الفلسطيني المقيمين داخل فلسطين المحتلة عام 1948 للانخراط في حراك شعبي واسع دفاعاً عن القدس بشكلٍ خاص وفلسطين بشكلٍ عام ، ودفع شعبنا العربي الفلسطيني في الضفة الغربية لتجاوز كل قيود اتفاقية أوسلو، والتنسيق الأمني بين السلطة الوطنية الفلسطينية ،والكيان الصهيوني، والاندفاع في هبات قد تؤول إلى تفجير انتفاضة شعبية جديدة تعمُّ كل فلسطين من الضفة الغربية والقدس إلى داخل الكيان الصهيوني ، إلى قطاع غزة، فإنَّ ما يمكن أن يجد الكيان الصهيوني نفسه مضطراً لدفعه ثمناً لصورة الانتصار الوهمية التي تريدها الحكومة سيكون مروعاً.لكن النصر الحقيقي هو من حققه الشعب العربي الفلسطيني شعب الجبارين . وها هي الجماهير الفلسطينية تقيم الأفراح بعد أن أعلن الكيان الصهيوني وقف إطلاق النار اعتباراً من الساعة الثانية فجر اليوم الجمعة 21 أيار 2021من طرف واحد خوفاً من فقدان السيطرة وازدياد حالة التدهور في الداخل الصهيوني .