( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )

مُنذُ إن بدأَ سرطانُ بني صهيون يستشري في جسد فلسطين تحديداً في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين سرياً بدعمٍ تام من بريطانيا ومن ثمّ إعلان دولتِهم وسيطرتِهم على مُعظم ثم كلِّ مناطق فلسطين مترافقاّ ذاك مع “نكسة يونيو 67” التي استمدَّ منها الجيشُ الصهيوني وصفَ “الجيش الذي لا يُقهر” حتى بُوغِتَ بوثبة حرب “أكتوبر 73” فتبددَ ذلك الوصفُ وأثبت زَيفَه، لكنَّ التطبيعَ الذي حصل في 1978 مع “إسرائيل” في الإتفاقية المسماة “كامب ديفيد” و مثله مع الأردن عام 94 في اتفاقية “وادي عربة” كان قد أعاد لجيش الاحتلال بعضاً من هيبته الزائفة ومالبثت أن ترسخت تلك الهيبة بكلِّ قوّتِها مؤخراً في عقول ضعفاء العرب من حكام ومحكومين والذي كانت سخافات التطبيع الأخيرة سبباً ونتيجةً لها في آنٍ واحد .
طَبَّع حكامُ العرب وخضعت لهم شعوبُهم فتبخترَ الكَيانُ الغاصب وتباهى بقوتهِ و مكرهِ متجاهلاً - إن لم يكن ناسياً - أن هناك قِطعةَ أرضٍ خِصبةً بالحرية تنمو على تربتها أشجارُ الصمود الباسقة حاملةً على أغصانها ثماراً بشريةً من الفداء والبسالة والتضحية، تلك القطعةُ الملائكيةُ هي غزةُ العزةِ والكرامة، غزةُ الإباءِ التي أبت إلا أن ترفعَ لواءَ الكفاح المرير، نوت ذلك وهي تعلمُ أنّ الطريقَ الذي اختارتهُ ليست مفروشةً بالورد ولا معبّدةّ بالأسفلت بل وَعِرٌ مليءٌ بالأشواك فهي تؤمنُ بحقيقة أنّ “للحرية الحمراء بابٌ بكل يدٍ مضرجةٍ يُدقُ” فانتفضت في عام 2006 بكل قوةٍ لتواجهَ القوةَ الغاصبةَ رشقاً بالحجارة حتى انسحبت قوات الاحتلال إثرَ تلك الانتفاضة الشرسة من قبل الفلسطينيين في القطاع ومن هناك بدأت فصائل المقاومة في تصنيع اسلحة النضال أخذاً بأسباب النصر وإيماناً بقوله تعالى :{ وأعدوا لهم مااستطعتم من قوة..}60-البقرة. ومِن هناك لم يألُ المناضلون جهداً في سبيل الإعداد لمرحلة الجهاد المنظم ضد القوات الصهيونية المحتلة تلك المرحلة الخطيرةُ الفاصلة التي يُرَّصُّ دربُها باللحم ويُطلى بالدِّمِ ويتعطرُ بِشذا الأرواح الفدائية العَطِرةِ التي تنبعث من أنفاس الشهداء فتصنعَ إكليل النصر بيديها المُجهدتين ثم تلبسُهُ وهي تتلو قولَهُ تعالى : { وما النصرُ إلا من عندِ اللَّهِ العزيز الحكيم} 126-آل عمران.
غزةُ العزم الصادق الذي كسرت غطرسةَ أكذوبة اسرائيل وعفرت وجهَها القبيح بتراب فلسطين حتى استاءَ الترابُ من تدنيسه بهذا القذارة معتبراً ذلك إهانة مع أن كلَّ ثرى الأرض المحتلة فخرٌ واعتزازٌ بغزةِ وابطالِها الأحرار .
ليست المرةَ الأخرى في محاولة قوات الاحتلال اكتساح غزة و اجتثاثها غروراً بضخامة عتادهم ، جاهلين أنَّ العِتادَ غيرُ القوة، فالقوةُ روحٌ قبل أن تكونَ آلة ، فقد حاولوا في الأعوام “2007 و2008 و2009 و2012وو2014 و2020 ” القضاءَ على روح غزة المقاوِمة لكنّهم أصيبوا بالخيبة عندما لم يتمكنوا من نيل مبتغاهم حتى هذا العام وفي الأيام الأخيرة لشهر رمضان المبارك عندما أرادوا إحتلال حي “الشيخ جراح” المجاور للمسجد الأقصى لإحلال مستوطنيهم وطرد السكان الأصليين ذلك الإجراء الذي قوبل برفض شعبي عنيد فاعتصموا بالمسجد الأقصى و تشبثوا بأرضهم ومنازلهم باستماتةٍ عجيبة مما استدعى إلى التعامل بقوة السلاح معهم من قبل قوات الاغتصاب فثبت الفلسطينيون هناك ثم استغاثوا وإذا بالمقاومة الباسلة التي لم تنتهِ بعد من تنفيذ أوامر اللَّهِ في توجيهه {كُتِبَ عليكمُ الصيام} حتى هبت لتأدية أمره الآخر {كُتِبَ عليكمُ الجهاد} وإذا بها تَسلُّ “سيف القدس” وتهوي بهِ صورايخاً على رؤوس الصهاينة حِجارةً من سِجّيل فتجعل مدنَهم المغتصبةِ كالعصف المأكولِ وكل مُستوطنِيها قابعون في الملاجئ من شدة الذُّعر والهَلَع الذي يصيبهم كالعادةِ جرّاءَ جُبنهم وحبهم الشديد للدنيا مصداقاً لقوله تعالى ﴿ ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ..} 96 -البقرة.
فما نفعُ قوةِ عدّتِهم وعتادِهم و هم لايملكون قوةَ تِلكَ المدينة الصغيرة المحاصرة براً و بحراّ وجواً، تِلكَ القوة النابعة من روح الحق والكامنةُ في حب نيل الشهادة كحبِّ أعدائهم للحياة، القوة التي جعلت من صاروخ لا تتجاوزُ قيمتُهُ 800 دولاراً يضرب عمق مدن العدو المحتلة ناشراً الخوف والهلع عصياً على أن يسقطَه صاروخٌ مضادٌّ متطور قيمتُه 62000 دولاراً وكم فرقٌ بينهم شاسع في المادة والغاية، وهذا ما جعلهم ينكصون على أعقابهم هاربين يجرُّون أذيالَ الخيبةِ والهزيمة مطأطئين رؤوسَهم بعد إن جاءَ نصرُ اللَّهِ في غزةِ ببشرى الفتح إلى بيت المقدس على أشكال صواريخ بأسٍ شديدٍ صُنعِت بأيدٍ متوضئةٍ جعلت من القبةِ الحديدية المتطورة الذي يتباهى بها الاحتلال مجرَّد فُقاعة . 
لقد جاهدت غزةُ وجالدت وكافحت ونافحت باستبسالٍ يُذهلُ العقولُ وهي محاصرةٌ بقبضةٍ حديديةٍ، محاصرةٌ من كل شيءٍ إلا من نصرِ اللَّهِ الذي نزل إليها ظفراً وعليها بركةّ وخير، صنعت غزةُ النصرَ فاحتفلتِ القدسُ لتنتعشَ فلسطينُ بعد إن كادَ روحُها يذبلُ فإذ برياحِ النصرِ تبثُّ روحَ العزم في جسدِها المتهالك وتزرعُ فيه أملاً ويقيناً سرمديا عصياً على توقعات القهر واحتمالات الإنهزام . 
تِلكَ غزةُ التي أرادَ أعداؤها دفنَ أبطالها ولم يعلم أنهم بذورٌ تنمو اشجاراً من التين والزيتون وعندما حاولوا اجتثاثَها انصدموا كمداً إذ وجدوها تضرب بجذورِها في أعماقَ الأرض عصيةٌ على الاجتثاث .
تِلكَ غزةُ البسيطةُ العظيمةُ التي لاتزيد مساحتُها عن 350 كم² فقط مكتظةٌ بسكانِها الذين لايزيدون عن المليونين نسمة ومع ذلك تمنحُ أمةَ الملياري نسمة والأربعين مليون كم² حللاً من الفخر والعز تقادمَ عهدُها بها، فهي نافذةُ الأمة التي تتسرب منها خيوطُ الضوء وبصيصُ الأمل إلى أن يتبدد الظلامُ المُخَيِّمُ عليها والمرضُ الجاثمُ على صدرِها وهناك تشرقُ شمسُ المجد ويبزغُ بالعزِّ فجرٌ جديد.