( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
في سياق تعبيرنا عن العروبة والقومية العربية نؤكِّد أنَّ العروبة هوية في الأساس وليست نهجاً سياسياً أو برنامجاً سياسياً ، وإن استلزم الدفاع عن الهوية العمل السياسي ، فشكَّل ما نعرفه بالقوميةِ العربيةِ . وهذا الفعل كان يجري عبر سيرورة تاريخية يسعى إلى تحقيق الاستقلال الوطني، وتحرير الأرض والإنسان من ربقة الاحتلال الغربي والصهيوني.وإغلاق كل القواعد العسكرية الأجنبية ، ويسعى إلى وحدة الأمة العربية التي تجزأت وانقسمت بفعل التاريخ الاستعماري بدءاً بالاستعمار الصليبي وحروب الفرنجة، مروراً بأربعمائة سنة من الاحتلال التركي، ومن ثم الاحتلال البريطاني، والفرنسي، والإيطالي ،والصهيوني، والأمريكي ، وارتباط عد. كبير من النخب العربية الحاكمة بسياسات الاستعمار القديم والحديث والمعاصر ، وإقامة مجتمع الكفاية والعدل والسلام والمحبة ، وحرّية المجتمع التي تكمن في التحرّر من الاستبداد السياسي والطغيان الذي استشرى في الجسم العربي من خلال الدول الشمولية ، والدول الأمنية ، إضافةً إلى الاستغلال الاقتصادي البشع . كما أنّها تنتهج سياسات للدفاع عن تراثها وماضيها ، ومبادئها تجاه الغزو الفكري والثقافي المدمِّر لمجتمعاتنا العربية ،ومدمّر أيضاً للمجتمعات الغربية التي تصدّرها لنا. لذلك، فإنّ القومية العربية التي نشأت موازية لنشوء الدول القومية في أوروبا فإنها كانت قد نشأت في سياق التعبير عن أنها حركة تحرّرية أولاً ، ووحدوية ثانياً، ومتطلّعة إلى نهضة الأمة ثالثاً.

هذا الاندفاع وهذا الطموح لإنجاز أهدافٍ سياسيةٍ ساميةٍ وواضحة، تحافظ على الهوية ،هو ردّة فعل طبيعية على كل المحاولات اليائسة والمستمرة لطمس الهوية العربية. فلو رجعنا إلى التاريخ قليلاً لوجدنا أنه كانت خلال السنوات الأخيرة للسلطنة العثمانية التي احتلت وطننا العربية ما يزيد عن أربعمائة عام حوالي عملت على تتريك الولايات العربية ،ومارست كل أشكال التجهيل والفقر والتخلّف ، وفيما بعد جاء الاستعمار الأوروبي الذي استكمل احتلال معظم الأقطار العربية بعد الحرب العالمية الأولى. هذه المحاولات وهذا التطاول لطمس الهوية تأتي عبر عدّة محاور.
   ـ المحور الأول هو الهجّوم العنيف على الهوية العربية ، ووصفها بالتعصّب العرقي( الإثني ) أو القومي ، والمتعارف عليه بالمصطلح المُستَعرَب (بفتح الراء) ب (الشوفينية). 
  ـ المحور الثاني هو الانتقاص والتحقير لهذه الهوية عبر استعمال مصطلحات سيئة مثل (عُربان) بما يحمل من نظرة دونية فيها كل الانتقاص من سكّان الجزيرة العربية.
  ـ المحور الثالث هو عبر نفي المساهمة العربية في الحضارة الإنسانية، ونسب القسط الأكبر لإنجازات الحضارة الإسلامية إلى الحضارات المجاورة غير العربية كالفرس والهند والصين إلخ. وأخيراً وليس آخراً، ازداد الهجوم على العروبة وتفاقم عبر نفي وجودها. فالحديث الغربي عن الأقطار العربية مبني على قاعدة أنَّ الشعوب القاطنة فيها هي تجمّعات طائفية ومذهبية وعرقية( إثنية )، وليست عربية الهوية والهوى. فعلى سبيل المثال يوجد في سورية ثمانٍ وعشرين مذهب وطائفة وعرق ودين . هذا الفسيفساء المنسجم اجتماعياً، تحاول الدوائر الخارجية اللعب عليه بهدف تفتيت عرى المجتمع وترابطه العضوي . أيضاً العراق مكوّن من سنّة وشيعة وأكراد. فللأكراد قوميةٌ يُعترف بها ، بينما يتم نفى عروبة السنّة والشيعة ،وحتى عروبة المكوّنات الأخرى للمجتمع العراقي والمجتمعات العربية! وكذلك الأمر في بلاد الشام وذلك لتبرير وجود الكيان الصهيوني المبني على قاعدة عنصرية ودينية فهو طرح نفسه على أنه كيان يهودي ونادى ( بيهودية الدولة) بمعنى أنها (دولة ثيوقراطية ) . وبعض المثقفين العرب المتغرّبين يعتبرون أنَّ المشكلة الأساسية في الحركة القومية العربية هو التنكّر للأقلّيات العرقية متناسين عن قصد أو غير قصد أن الهجوم القائم هو على الأكثرية الساحقة من مكوّنات الأمة العربية وتجاهل (الأكثرية) وهم السكان الأصليين في البلاد. 
مع كل هذا وذاك ، ما زال البعض يطرح سؤاله الهام : هل العروبة (هوّية) أم حركة قومية؟ هو سؤالٌ غالباً ما يُحدِث التباساً وتشويشاً لدى المتلقّي، بل وفي بعض الأحيان لدى المعنيين وأصحاب الرأي والقرار ، الذين لا يفرّقون بين العروبة والقومية. وإذا كانت اللغة والثقافة والتاريخ والعيش المشترك والآمال المستقبلية المشتركة ، الأساس في الهوّية، فإنَّ القومية كما بيَّنا أنها فعل سياسي لها برنامج ذو شحنة أيديولوجية، ويزداد الأمر تكريساً وتأكيداً حين تنشئ نظاماً سياسياً. وجميعنا يعرف أنَّ الحركة القومية العربية كانت قد تكوّنت في نهاية القرن التاسع كرَدّ فعلٍ دفاعي مستميت عن الهوّية، ضد كل السياسات التي اتبعتها الدولة العثمانية وتحديداً سياسة التتريك على حساب العرب والعروبة والقومية العربية ، وفيما بعد وقفت ضد سياسات الاستعمار الغربي الذي احتلَّ العديد من بلداننا العربية . 
إنَّ من يقرأ تاريخنا العربي منذ صيرورته الأولى ، وعبر سيرورته الطويلة ، يُدركُ تمام الإدراكِ أنَّ العروبة ولغتها العربية سبقت الإسلام بعشرات القرون ، حسب المؤرخ العراقي وشيخ المؤرخين العرب عبد العزيز الدوري،مؤلف كتاب بحث في نشأة علم التاريخ عند العرب، الصادر في بيروت 1960 م. وحين جاء الإسلام ترسّخت العروبة أكثر لأنّ لغة القرآن الكريم كانت عربيةً، ويذهب المفكر المغربي الدكتور محمد عابد الجابري للقول بثنائية العروبة والإسلام، والعربي هو من يصبح عروبياً بنزوعه إلى الوحدة الثقافية، وبالعودة إلى التاريخ فالعرب العاربة أو العرب المُستعرِبة يجمعهم اللسان الواحد . أما العروبة فهي امتدادٌ حضاريّ تاريخي وإنساني ، ورابطة تتصل بالثقافة العربية المشتركة من تبادل المعرفة والعلم والأدب والفن والتراث، وهي رابطة واقعية وموضوعية لا يمكن إنكارها أبداً ،وليس لها بٌعد أيديولوجي، أو أنها برسم السياسةوالسياسيين  
 .ووفقاً لهذا المنظور، فالعروبة رابطة وجدانية وإنسانية وشعورية جامعة . وهي ليست ثابتة بمعنى سُكونية، بل متطوّرة وحركيّة ولها سيرورتها الخاصة بها ، وهي ليست كاملةً أو نهائية، بل هي متفاعلة مع محيطها في الإضافة والحذف والتغيير والتطوير.
 وبهذا المعنى فالعروبة ليست دهرية أو سرمدية ومقفلة وتماميّة مثل مستنقع راكد، بل هي على العكس من ذلك هي عبارة عن جزر متقاربة ومترابطة كالأرخبيل المفتوح تتفاعل مع غيرها وتؤثر فيه وتتأثر به ارتباطاً بالتطورات العالمية بل بالتطورات الكونية، وهذا الأمر ينطبق تماماً على جميع الهوّيات. وهكذا فإنّ أمر اختلافها ليس مفتعلاً، وإنّما هو منطقيّ وواقعي، يرتبط بالمواطنة والحقوق الإنسانية والحداثة ، التي هي نتاج تطور تاريخي منذ قبل مجيء الشاعر العربي الكبير أمرؤ القيس، الذي عاش قبل ظهور الإسلام ، مروراً بالشاعر أبو الطيب المتنبي ،وعالم الاجتماع العربي الأول ابن خلدون، وصولاً إلى جبران خليل جبران والدكتور طه حسين والشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري. 
 وفي الأندلس كان المعتمد بن عباد ثالث وآخر ملوك بني عبَّاد في الأندلس، وابن أبي عمرو المعتضد حاكم إشبيلية، وابن طفيل الأندلسي فيلسوف وعالم وطبيب عربي مسلم ورجل دولة . وابن باجة، وأبو المطرف عبد الرحمن بن الحكم وهو رابع أمراء الدولة الأموية في الأندلس . وابن حزم وعباس بن فرناس جميعهم كانوا رمزاً للعروبة في صعودها وانفتاحها على ما حولها. كما كانت الخصوصيات في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تؤكد على أهميتها ووجودها الثقافي عبر جورج حبيب أنطونيوس أوَّل مؤرخ للقومية العربية، ومحمد رشيد بن علي رضا أول شيخ وإمام القلمون ومسجدها، وشكيب إرسلان، وأمين الريحاني ،وآل البستاني ، ...إلخ وصولاً إلى المفكِّر القومي ساطع الحُصَري، استمراراً للومضات الأولى لحركة الإصلاح وإرهاصات النهضة العربية التي ابتدأت مع المفكر جمال الدين الأفغاني ،ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، والشيخ محمد حسين النائيني ،وخير الدين التونسي، ورفاعة الطهطاوي.
من هنا نجد ضرورة وجود المفكرين والفلاسفة القوميين وكبار المثقفين ليقوموا بدورهم المنوط بهم في بلورة خطوط عريضة لمشروع نهضوي عربي مستقبلي جديد، أساسه التخلُّص من الحكّام الطغاة ،والتحرّر السياسي في مواجهة الاستعمار بكافة أشكاله ، والعمل على النهوض بالتنمية العربية المستقلة في مواجهة التبعية والتخلّف، وإشادة الوحدة العربية في مواجهة التفتت والتقسيم والتجزئة ، والديمقراطية في مواجهة الاستبداد والقمع ، والعدالة الاجتماعية في مواجهة الاستغلال والهيمنة والسيطرة ، والتجدّد والتطور الحضاري في مواجهة التغريب وتوظيف التراث العربي الغني إيجابياً. الحل لحال التجزئة والتفتيت والتجزئة التي نعيش والحروب التي تدمّرنا هو في وحدة الأمة العربية والعمل على إقامة دولة الوحدة. ففي الوحدة العربية قوة وصون حقوق جميع مكوّنات الأمة العربية وصنع الاستقرار والأمن والأمان ، وإقامة مجتمع الكفاية والعدل ، وتوزيع الثروة بشكلٍ عادل دون استئثار مجموعة على حساب مجموعة أخرى ، وتكافؤ الفرص. كل هذه الأحلام والطموحات والآمال ننشرها جميعاً على الرغم من الألم الشديد الذي يعترينا جراء التشرذم والأقسام والضياع.