( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
هل نستطيع توصيف الحالة الصعبة التي وصلت إليها أمتنا العربية ؟ لقد جرى الحديث في الدوائر الغربية الكبرى أنَّ منطقتنا العربية تبدو فيها الأزمات هي القاعدة والسمة الأساسية لها . حيث تشير أحداث إحدى جولات العنف والقتل والتدمير في بلادنا العربية أن تلك اللحروب الطاحنة والصراعات المستمرة تزداد شيئاً فشيئاً ، وتنبىء بأنَّ هناك عملية تفكيك ممنهج للدولة العربية القومية ، والذي انعكس في تفتيت بلاد الشام والعراق ولبنان واليمن وليبيا وبعض بلدان شبه الجزيرة العربية (السنية ) على نحو متزايد . وأصبحت دولنا العربية أضعف من أي وقتٍ مضى . لأننا نجد الآن أن السلطات الحاكمة التقليدية سواء كانت أنظمة ملكية ، أو أنظمة دينية ، أو أنظمة علمانية أو أنظمة مستبدة ،هي جميعها أنظمة شائخة وعاجزة بشكلٍ غير مسبوق عن حماية شعبها ورعايته . ومع تزايد وهن وضعف سلطة الدولة وعدم قدرتها على الحفاظ على سيادتها أمام دول العالم. تزداد بشكلٍ مخيف الولاءات القبلية والعشائرية والطائفية قوةً وشكيمة ً، تحميها مؤسسات أمنية مرتهنة لأجندات داخلية وخارجية.    
في سيرورة تاريخنا العربي الطويلة مرت قرون عديدة شهدت إسهاماً كبيراً من جانب الطبقات العربية الحاكمة، والتي ساهمت في نهضة البشرية. تخللت تلك القرون عقود تخلف وضعف وانهيار رهيب وانتشار للفساد والمفسدين بشكلٍ فظيع. كما شهدت وقائع تمرُّد وهزائم عسكرية واقتصادية واجتماعية وعدم استقرار وانفراطات في المجالات كافة، لكنها كانت سنين طويلة جداً أو فترات سجل التاريخ العربي بعضها أو أكثرها تحت عناوين الهزائم والنكسات، أي انقطاعات متتالية في تيار كان الظن في الخيال العربي، أنه تيار متدفق ويجري بقوة إلى ما لا نهاية. انتهت آخر هذه العقود بسقوط مدوي كبير للعرب، سقوط متعدد الأقطار والأبعاد، عندما غزت قوات الإمبراطورية العثمانية الناشئة بجيوشها الجرارة معظم بلادنا العربية واستقرت فيها ومارست فيها القتل والتدمير والحرق والقمع والتمييز العنصري البغيض لقرونٍ ليست قليلة. بقيت فيها تعيث فساداً وظلماً وقهراً . وتزرع في معظم أرجائها تخلفاً أسوأ من التخلف الذي لحق بمؤسسات الحكم والدولة في بلادها، وفي النهاية وعلى الرغم من محاولات هزيلة للإصلاح السياسي الغير مجدية ، وعلى الرغم من محاولات جريئة للاستقلال عن الإستعمار القديم والحديث فقد اجتمعت عناصر التخلف لتشارك في صنع هزيمة إمبراطورية أوروبا الواهنة في الحرب العالمية الأولى. التي بدأت من 28 حزيران 1914 م ، وانتهت يوم 11 كانون الأول عام 1918 م . 
وتحت رماد الحرب المحرقة ،وأطماع المنتصرين في العديد من دول العالم والحبر الغزير الذي كُتبت به مواد اتفاقات (مؤتمر فرساي Treaty of Versailles) أو (صلح فرساي) الذي جرى بين الحلفاء والقوى المرتبطة بها وبين ألمانيا. وهي المعاهدة الرسمية الي أسدلت الستار من جانب القانون الدولي على أحداث الحرب العالمية الأولى الفجائعية. وقد تم التوقيع عليها بعدَ مفاوضاتٍ شاقّةٍ وعسيرةٍ استمرَّتْ نحو ستةَ أشهرٍ هي وقائعُ ما بات يُعرَف بـ ( مؤتمر باريس للسلام ) حيث وُقعتِ الهدنةُ العامّةُ مع ألمانيا في 11 تشرين الثاني عام 1918 م .فقد وقع الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الأولى اتفاقيات منفصلة مع دول المركز الخاسرة في الحرب وهي : الرايخ الألماني ، والإمبراطورية النمساوية ـ المجرية ، والدولة العثمانية ، ومملكة بلغاريا . في هذه الأثناء تحركنا نحن العرب، أفراد وجمعيات ونوادٍ وصحف ومؤتمرات ، بهدفٍ واحد لأوَّل مرة، وليس لآخر مرة.
 كان الهدف واضحاً وصريحاً هو نشر نداء بكلماتٍ واضحةٍ لا تقبل التردد أو التشكيك، تنادينا نحن العرب بأنَّ الأرض التي نعيش عليها، أو ننوي العودة إليها،هي أرضنا العربية. نحن عرب والأرض عربية، لسنا عثمانيين ولن نكون فرنسيين ، أو إنجليزاً. لم يكن المنتصرون الأوروبيون طامعين في الطاقة البشرية، بل كان طمعهم الأساسي هو الاستيلاء على الأرض وما في جوفها من ثرواتٍ هائلة بالدرجة الأولى .كما كانوا يطمعون في السيطرة على أهم المراكز الجيواستراتيجية ،والسيطرة على المياه الدافئة للبحر الأبيض المتوسط ،وأهم الممرات المائية الدولية مثل قناة سويس، ومضيق جبل طارق، ومضيق باب المندب، ومضيق هرمز. لم تستطع تلك الدول الطامعة من أن يمنعوا العرب في أن نعلن تمسكنا بهوياتنا الوطنية والقومية في آن . بشرط الاحتفاظ في الوقت نفسه بحماية كل من إنجلترا وفرنسا.
هكذا ظهر جيل لمرحلة جديدة في حياة أمتنا العربية. جيل يحمل هويات أولية ، هويات رئيسية .وتداعب خياله وعواطفه وشعوره الوطني والقومي، ومصالحه الأساسية الحفاظ على الهوية الوطنية ويحلم بهوية عربية جامعة لكل العرب دون استثناء .من أجل تشجيع انتشار فكرة القومية العربية التي اشتركت الكثير من الأدوار لإنعاش فكرة الدولة العربية الواحدة. وقد رأينا وعايشنا في مرحلة من المراحل كيف تحمس قادة التيارات القومية في وطننا العربي وتحديداً في بلاد المشرق العربي سورية والعراق إلى دعوة مصر حكومة وشعباً للانخراط في مسيرة الوحدة العربية .هناك أيضاً دور كبير لكثير من الشعوب العربية التي وجدت في الفكرة القومية خلاصاً محتملاً لها من أخطار الطائفية وصراعات قادتها وزعمائها، وجدت فيها أيضاً، الأمل في تجديد الحلم العربي المنشود الذي عمقته ممارسات القهر والظلم التي مارسها الحكم العثماني ثم الغربي على أبناء شعبنا العربي.هكذا ،وبفضل جهود قيادات وزعماء بعض أحزاب وحركات وقوى في دول المشرق العربي ، وأشخاص في مواقع حكومية وإعلامية هامة، وفي النخب الأكاديمية وقع الضغط الشعبي والرسمي في مواقع عربية متعددة على قوى الاحتلال الغربية وأعوانها واستطالاتها من القيادات المحلية فكان خروج الاستعمار شهادة عملية هامة على ما يمكن أن يحققه التنسيق العربي بين الدول العربية، والعمل العربي المشترك.
كل ما نرجوه لبلادنا العربية أن تبني سيادتها وكيانها بمعزل عن سيطرة أي جهة أخرى . وأن يتم تحقيق المشروع الوطني والإنساني العربي ،ويتحقق العدل الاجتماعي ،وحرية الرأي والتعبير ، والاستقلال الحقيقي دون تبعية .