الحياة برس - ربما يأتي على الانسان حينٌ من الدهِرِ يكون فيهِ شارد الذِهن، سارح الفكر سوَاح، غير مرتاح، ضائقُ الصدَر، وقد تسير يومًا في مسير تكون فيه مُتكدرًا، مَهَمُومًا، وقد أصابك النَصَبَ، والوصَب، والَتعب، وأثقلك الَهَمُ، والَحَزَنَ، وحَل بك الفاقة، والفقر؛ وهكذا هي الحياةُ فالدنيا مُتقلبة، تدور، ولا تدوم لأحد؛ فلا سرورٌ يدوم، ولا شرور، فالكل سيمر، وحتي إن كان مُرْ، فلن يضر حتي وإن استمر الضُر، وكان في ظاهرهُ الشر، ولكن ربُما يكمُن في باطنهُ بَحرٌ، أو نهر الخير، وبعد العسر يأتي اليُسر!. توجهت بعد عصر يوم أمس كعاداتي ماشياً لأداء واجب العزاء لقريبٍ لنا توفاهُ الله؛؛ وكان المسير للعزاء طويل قليًلاً؛ وفي الطريق رأيت من الناس من اِنطَرَقَ، ومن طَرَقَ، ومن أَطْرَقَ بصرهُ، ومن تَطَرَّقَ:" توسل"، والطَّارِقَةُ، والمَطَرُوَقَ، والَطَارَقَ، والطَوَارِقٌ، والمِطْرَاق، والمَطارِيقُ، وأنا لا أزال أترجل ماشيًا في الطريق مررتُ على أقوام في السوق بعد العصر، وقد كان شبه فارغ من البائعين في هذا الوقت، فشاهدتُ رجلاً كنت أعرفه منذ زمن بصحة جيدة، وبخير، وكان لهُ محل يبيع في السوق، وهالني ما رأيتهُ من حال الرجل فلقد تبدل من الصحة إلى المرض، وكأنني قرأت في عينيهِ ترقرق الدموع؛ وبعدما ألقيت عليه السلام فرد على السلام وكان لسانهُ ثقَيلاً، ويجلس على كرسي متحرك، وقد أصيب بشلل نصفي، ويدهُ ترتعش، وأخري لا تتحرك، وفورًا تذكرت، فَقُلت في نفسي الحديث الصحيح للنبي صل الله عليه، وسلم الذي يقول فِيهِ:" من رأى مبتلًى فقال :" الحمدُ للهِ الذي عافاني مما ابتلاكَ به، و فضَّلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا"، "لم يُصِبْهُ ذلك البلاءُ"؛ وأكملت المسيرة سائرًا فبصرت عن جُنِّب رجل يجلس على كرسي مُتحرك علي باب بيته، ونصفهُ السفلي من بعد الركبُتَين غير موجود، كررت الدعاء، وحمدت الله على نعمة الصحة، وواصلت المشي فأوقفني طفل صغير لم يتجاوز العشر سنوات حسب ظنيِ، وكان جميل المظهر، ومؤدبًا في أسلوبه فقال لي لو سمحت يا عم ممكن أتكلم معك ففهمت مقصدهُ، وقد تَطَرَّقَ:" أي توسل" لي يريد المساعدة، وأكملت السير، وفي الطريق سمعت أذان المغرب فقلت أُصلى في المسجد ثم أكمل مشواري، فوجدت رجلاً يفترش الأرض على باب المسجد، وقد بلغ من العُمر عتيًا، وقد اشتعل رأسهُ شيبًا يمد يدهُ يَطلب المساعدة!؛ فقلت الحمد لله الذي لم يجعلنا مثل كل من سبق، ودخلت للصلاة داخل المسجد فوجدت شابًا بجواري يصلى على كرسي فتأملت ناظرًا اليه فوجدت أنه بقدم واحدة، ووجدت صديق في نفس المسجد مصادفةً فسألته عن حال هذا الرجل بقدم واحدة فقال لي: "بُترت قدمه قبل عدة سنوات لأنه أصيب بقصف من طائرات العدو الصهيوني المجرم؛ وبعد أداء صلاة الفريضة، وقول أذكار المساء بعد صلاة المغرب قمُت لأداء ركعتي سنُة المغرب فسمعت صوتًا نديًا شجيًا جميلاً يقرأ القرآن الكريم في حلقة ذكر لرجال أغلبهم كبار السن بعد الصلاة، وقرأ قوله سبحانه: " وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ""؛ قلت سبحان الله كأن الآية تذكرني بكل ما رأيته في أثناء طريقي، وهي سلوى للقلبِ المخموم، وتَطيَِِبَ للنفس، وتَطَبِيِبَ لَلَرَوَحَ، وأبصرت القارئ فوجدته هو الشخص نفسه الذي بِقدمٍ واحدة!!؛؛ وخرجت من المسجد، وأكملت المسيرة، وقد اقتربت من الوصول للعزاء، فرأيت فتاة شابة صغيرة في السن تُكَلِم نفسها، وتدندن، وتغني، وتتراقص، ولما تأملت في حالها علمت أنها فاقدة لنعمة العقل فقلت الحمد لله على النعم التي لا تعد، ولا تحصي التي أنعم بها علينا، وما أن سِرت خطوات أخري وإذ بي أري رجل كَث اللحية، مُترهل الحال، ومتسخ الثياب، ويكلم نفسه، وحاله يرُثي له، فبكت نفسي في نفسي على نفسي، وقالت: نحن في نعمة كبيرة، وعظيمة لا يملكها ملايين الناس وهنا تذكرت قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا»؛؛ وهنا تذكرت قصيدة شِّعِر للصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول فيها: " إِذا كُنتَ في نِعمَةٍ فَاِرعَها،،، فَإِنَّ المَعاصي تُزيلُ النِعَم وَحافِظ عَلَيها بِتَقوى الإِلَهِ،،، فَإِنَّ الإِلَهَ سَريعُ النِّقَم،،، فَإِن تَعطِ نَفسَكَ آمالَها،،، فَعِندَ مُناها يَحِلُّ النَدَم،،، فَأَينَ القُرونَ وَمَن حَولَهُم،،، تَفانوا جَميعاً وَرَبّي الحَكَم،،، وَكُن مُوسِراً شِئتَ أُو مُعسِراً،،، فَلا بُدَّ تَلقى بِدُنياكَ غَمّ،،، وَدُنياكَ بِالغَمِّ مَقرونَةٌ،،، فَلا يُقطَع العُمرُ إِلّا بِهَمّ،،، حَلاوَةُ دُنياكَ مَسمومَةٌ،،، فَلا تَأَكُلِ الشَهدَ إِلّا بِسُمّ،،، مُحامِدُ دُنياكَ مَذمومَةٌ،،، فَلا تَكسَب الحَمدَ إِلّا بِذَم،،، إِذا تَمَّ أَمرٌ بَدا نَقصُهُ،،، تَوَقَّ زَوالاً اِذا قيلَ تَمّ،،، فَكَم آمِنٍ عاشَ في نِعمَةٍ،،، مِما حَسَّ بِالفَقرِ حَتّى هَجَم،،، وَكَم قَدَرٍ دَبَّ في غَفلَةٍ،،، فَلَم يَشعُرِ الناسَ حَتّى هَجَم""؛؛ وقد وصلت أخيرًا مكان العزاء، وهنا نختم بمِسك الختام في حديث رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القَائلَ:"" إِنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الحَامِدون، ثُمَّ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ مَنْ نَاوَأَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ حَتَّى يُقَاتِلُونَ الدَّجَّال" والحمد لله رب العالمين ...
الباحث، والكاتب الصحفي، والمفكر العربي الإسلامي، والمحلل السياسي
الأديب الأستاذ الدكتور/ جمال عبد الناصر/ محمد عبد الله أبو نحل
عضو نقابة اتحاد كُتاب وأدباء مصر، رئيس المركز القومي لعلماء فلسـطين
الأستاذ، والمحاضر الجامعي غير المتفرغ/ غزة ـــــــ فلسطين
0dr.jamalnahel@gmail.com