( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
الوسيلة المشتقة من الاستراتيجية التي تضع الأهداف وترسم شكل الطريق قد تتخذ من بناء الدولة سُلّمًا لتخفيض مستوى التوتر العنفي، ولكنها لن تكون مُلامة حين يتم تصعيد المقاومة السلمية شعبيًا وسلطويًا وهو حقيقة الحاصل ولكن ليس بحده المؤثر والحاسم، بل بسياقة المنضبط والمحدود.

 بمعنى آخر لوكانت الاستراتيجية الوطنية العامة لمجمل الفصائل المتخاصمة اليوم تنطلق من فكرة بناء أو التأسيس المستمر للدولة عبر ممر السلطة، فإن أسلوب المقاومة الشعبية السلمية يصبح قادرًا على تحقيق استراتيجية المواجهة وليس استراتيجية تعويق عمل السلطة (وفي مرحلة الدعوة لتدميرها كأولوية وأسبقية على مناهضة الاحتلال) أوالانتظار السلبي للمتغير الدولي بتقديم صكوك على بياض.

إن الحاصل اليوم بجناحي الدولة المرحلية المرتقبة أي في الضفة الغربية وقطاع غزة هو توظيف واستخدام للمقاومة الشعبية السلمية بشكل منفصل وغير منسّق وبشكل محدود وغير متصل، بل وتجد التنظيمات المتحالفة هنا أوهناك سواء تحت مسميات المقاومة[1] "الحصرية" أوغيرها، تنسحب أوتقترب ليس ضمن الهدف الجامع وإنما ضمن سياق القوى الاقليمية المؤثرة والمصالح الحزبية الأنانية.

إن المقاومة حال اعتمادها الكلّي من كافة القوى الوطنية يفترض ضبط فهم المرحلة أولًا، ثم يفترض الاتفاق على الاستراتيجية وصولًا للوسيلة الأنجع.

 وبفرضية أنها المقاومة الشعبية السلمية فهذا لا يتناسق مع الأعمال العنفية المتناثرة (هي نقيض شعار شركاء بالدم شركاء بالقرار)، ولا يتناسق مع أفكار التنسيق الأمني لدى الطرفين، ويفترض أيضًا أن تكون المقاومة الشعبية (وسيلة) خيارًا عامًا متفق عليه عمليًا وليس نظريًا أو للمماحكات الحزبية.

 تصبح العوامل الخمسة لتصعيد المقاومة الشعبية السلمية استراتيجية السلطة والفصائل معًا.

 *بتوسيع النطاق الجغرافي للمقاومة الشعبية السلمية، بمعنى توسيع مساحات الاشتباك الميداني أولًا

 *وتوسيع حجم المشاركة الشعبية ثانيًا، وتضم العمال والطلاب والمزارعين والموظفين الحكوميين وغير الحكوميين...الخ

 *وجعلها منهج عمل يومي وليست موسمية أو ردة فعل للأفعال المستعمرين الغزاة الإرهابية فقط ثالثا.

 *ثم وجب دعمها ماليًا وتسخير كل الطاقات لانجاحها إعلاميا وجماهيريا وسلطويًا وعالميًا، باعطائها الأولوية

 *ليكون خامسًا والضابط لها هو خطة العمل المشتركة التي تشكل السور الحامي لجميع الفصائل حيث الارتباط برؤية بقاء السلطة واستثمارها بما لايؤثر عليها دوليًا ضمن فرضية أنها المدخل الصحيح للاستقلال وعبر هذه الاستراتيجية.

استراتيجية المقاومة الشعبية بمنطق العمل الثوري العنفي الممزوج مع العمل السلمي لا تستقيم في الوضع القائم حاليًا وطنيًا واقليميًا وعالميًا، ويجب النظر لها جديًا من منظور المصلحة الوطنية، وليس من منظور المحاور الاقليمية الداعمة ماليًا أو لمصالحها في مواجهة الغرب، أو إشعالًا للمناكفات الحزبية والاتهامات المتبادلة بالتنسيق الامني والخنوع والاستسلام مثلًا[2] ما هو حرتقات حزبية ليست وطنية بالحقيقة.

الجميع مقصّر بهذا الجانب والطرفان الشرعي وذاك المفتك للسلطة بالسلاح يمارسان التنسيق مع الإسرائيلي يوميًا، ويتم استخدام السلاح (سلاح المقاومة في غزة تحديدًا) ليس كأداة عمل استراتيجي ضمن رؤية مرحلة التحرر الوطني الجامعة، المتحررة من الحكومة أوالسلطة وإنما لخدمة مطالب "السلطة القائمة" فعليًا في قطاع غزة، أي حكم "حماس"، وهذا توظيف غير وطني بالحقيقة وإنما حزبي، وتقليص بشع للأهداف الوطنية وتقزيمها "معيشيًا" حيث لا تجد فرقًا بين التنسيقات المدنية والأمنية إلا بالشكل أو الشِدّة، أومن فوق الطاولة أو تحتها، لدى السلطة الشرعية ولدى سلطة "الحسم" والقهر العسكري في غزة.

إن تبني مشروع أو فهم المرحلة أنها مرحلة تحرر وطني بمنطق فتح الخيارات كلها التي من ضمنها المقاومة العسكرية لا تستقيم مع وجود السلطة/الحكومة التي عملها البناء كما أسلفنا وحالة الخلط بين الفهمين لم تنتج الا طفلًا مشوهًا.

حاول الراحل الكبير ياسر عرفات استثمار السنوات الخمس المحددة لاتفاق أوسلو (1994-1999م) وصولًا للتفاوض على المرحلة النهائية، بتوطيد أركان السلطة كمقدمة للدولة دون أن يزيح من ذهنه بتاتًا فكرة التحرر الوطني الثوري أو العنفي، فلما أغلقت أبواب المرحلة النهائية ل"أوسلو" نتيجة التعنت الصهيوني واشتراطاته المذلّة في (كامب ديفد 2 عام 2000م) كانت المقاومة وبشكليها هي النتيجة. واستشهد  أبوعمار عظيمًا ضاربًا أروع نماذج البطولة والفداء، (وكما قال وصدق: يريدونني أسيرًا أو طريدًا وأنا أقول شهيدًا شهيدًا شهيدًا)، ولكننا تعلمنا صعوبة التوفيق بين الفكرتين أوالفهمين فيما بعد. 

اليوم هل تستطيع أو ترغب قيادة الفصائل الفلسطينية التي تفهم المرحلة ولو نظريًا بمنطق التحرر الوطني أن تتخلى عن سلطتها أوسلطتيها؟ وزُخرف الكرسي؟!

هي إن فعلت فلقد حلّت التناقض الرئيس للفهم! وبالتالي الاستراتيجية والوسيلة، ولكنها تكون قد وضعت نفسها تحت مقصلة السلطة القائمة الأخرى! إلا إن كان هناك التوافق الوطني الشامل بالانتقال من مرحلة الاعتماد على السلطة (الاستقرار) الى مرحلة التحرير الوطني (اللااستقرار) بكل مستلزماتها من تضحيات بشرية ومادية، ومقاومة بأشكالها المختلفة والتي قد تكون أول ضحاياها البناء الوطني المتمثل بهياكل الدولة القادمة الممثلة اليوم بالسلطة، وبالطبع بالالتفاف الدولي أيضًا.

 

التنظيم السياسي (الوعاء)

المعضلة الثالثة هي معضلة الوعاء الحامل للفهم، ثم الرؤية والاستراتيجية أي مشكلة الأطر التنظيمية (الأوعية الإدارية البشرية المنظمة للأهداف والوسائل والحوار الديمقراطي) وهي هنا ثلاثة رئيسة تتمثل بإطار منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف)، وإطار أجهزة الحكم الذاتي الفلسطيني أوما نسميها السلطة الوطنية الفلسطينية سواء في غزة أو تحت سلطة "حماس" الأمر الواقع في غزة-مع الفارق- الواقعتين تحت الاحتلال الإسرائيلي الكامل.

وثالثًا في المنظمات (الفصائل الفلسطينية) فهل الفصائل الفلسطينية اليوم، بسياساتها وقياداتها وهياكلها الداخلية الحاملة، مؤهلة أو قادرة على حمل عبء الفهم والاستراتيجية على فرضية إقرارها؟... ودون ذلك في ظل الاحتراب اليوم خرط القتاد؟

إن إطار منظمة التحرير الفلسطينية رغم الهلهلة التي يعيشها، والشيخوخة والضعف والنسيان التي يعانيها منذ أقيمت سلطة الحكم الذاتي عام 1994م وابتلعتها إلا أنها مازالت عالميًا وتنظيميا (فصائليًا) تحظى باجماع على صلاحيتها كإطار معترف به دوليًا وعربيًا-في ظل الاعتراف بدولة فلسطين عالميًا دون تحقيق ذلك على الأرض- ومن هنا فإن التخلّي عن شرعيتها في ظل تزعزع وضع السلطة (أو السلطتين الشرعية وتلك المفتكة) يصبح انتحارًا سياسيا لأن حكومات الكيان الصهيوني تهدّد ليل نهار بإزالة السلطة الوطنية عن الوجود عدا عن "خيارات" سبق وطرحت -أو هدّد بها- من أقطاب بالسلطة الفلسطينية بأنها يجب أن تُزال (سنسلم المفتاح)، فماذا يتبقى للإطار الجامع إن كانت منظمة التحرير الفلسطينية خارج المعادلة والاحتضان؟ وما يتوجب عمله فعلًا لاصلاحها ديمقراطيا ونضاليًا في ظل الفضل الكبير الذي حققته بالاعتراف العربي والعالمي وبناء الكيانية والحفاظ عليها حتى الآن.

دعني أقول أن المعضلة بين ثلاثية الفهم والإدراك المستند للمرجعية الفكرية الحاكمة أو الضابطة، والرؤية الاستراتيجية، والوعاء لا تتوزع على مساحة الفصائل بمعنى أن الفصيل "س" يفهمها كذا والفصيل "ص" يفهمها كذا، بل بالحقيقة هي معضلة عابرة للفصائل حيث تجد هذا التوزع بالفهم أوالحيرة أوالتفكر في تعريف المرحلة ثم بناء الاستراتيجية ومدى صلاحية الوعاء داخل كل تنظيم سياسي فلسطيني.

يمكننا أن نضيف هنا أيضًا مجموعة هامة ومتميزة وذات رأي يُحترم من تلك التجمعات أو القوى الفلسطينية الفاعلة التي ظهرت خارج إطار الفصائل المعروفة، وعبّرت عن نفسها في قوائم الانتخابات التي لم تجري عام 2021م.

 أن امكانية التعاون أوفر حظًا حين تكاتف الأيدي المخلصة من كافة فصائل وتجمعات العمل الوطني[3] من امكانية الهدم ذاك المرتبط بالمصالح الشخصية ونزقها، وبتدخلات الاقليم البائسة والصراعات الدولية في المنطقة.

أما بالنقطة الثالثة من الأوعية وهي الفصائل الفلسطينية ومدى قدرتها كوعاء أوأوعيه على حمل الأمانة ومدى تحمل الأكتاف للفهم والرؤية الاستراتيجية، ففي ذلك الكلا م التالي لنا.

(سلسلة حلقات سنصدرها في كتيب من مركز الناطور للدراسات ومركز الانطلاقة للدراسات، وهذه الحلقة الثانية منها)

 

الحواشي

[1]  بعد أن سارت "حماس" في إثر حركة "فتح" سياسيًا، ونضاليًا، اتخذت من "خاتم" أو ختم الاسلام مدخلًا متمايزًا للاستقطاب، ثم اكتشفت خاتمًا آخر واستخدمته حصريًا وهو خاتم المقاومة بافتراض أنها بدأت من عندها! رغم أننا نعلم بالشعب الفلسطيني مقاومة أصيلة ما قبل "حماس" بعقود طويلة، وأيضًا منذ إنشاء فتح عام 1958 وانطلاقة الثورة الفلسطينية. لذا يقع التمايز المرجعي الاستقطابي ويتم احتكار الأختام!

2 تنتهج القوى الاسلاموية منهج الفصل بين الرؤى او المشاريع مفترضة أنها صاحبة فهم التحرر الوطني، لا السلطة. فتقول بوضوح أن هناك مشروعين الاول مشروع مقاومة وبالطبع يتم الخلط بين المسلحة وتلك السلمية (والإيحاء قد يكون مقصودًا) مقابل المشروع التسووي أوالتصفوي السلمي في سياق شعارات تبقي المعضلة والازمة الوطنية قائمة ولا تحث على الاقتراب، وفي ذات الوقت والتنظير يُمارس أصحاب "مشروع المقاومة" في غزة كل أفعال السلطة حذو القذة بالقذة كما تقول العرب!؟

 

3 فصائل أو منظمات العمل الوطني الفلسطيني هو التوصيف الأمثل لأن كل التنظيمات على إطلاقها تعمل في الإطار الفلسطيني مهما حملت من عباءات ملونة يمينًا ويسارًا وتلك التي كانت ترفض القومية أو الوطنية أو الديمقراطية تبنتها بعد طول تمنع وآخرها "حماس" و"الجهاد" التي أعلنت عن ذاتها بوضوح لا يقبل الشكل بوثيقة 2017 أنها حركة وطنية فلسطينية. لذلك يجب إسقاط مفهوم الحركة الوطنية والاسلامية فهذه ال "والاسلامية" تمثل عامل تمايز مريح للطرفين للأسف، ولكنه يقسم الشعب الفلسطيني بين مسلم وغير مسلم أوبين وطني وغير وطني..الخ.


[1]  بعد أن سارت "حماس" في إثر حركة "فتح" سياسيًا، ونضاليًا، اتخذت من "خاتم" أو ختم الاسلام مدخلًا متمايزًا للاستقطاب، ثم اكتشفت خاتمًا آخر واستخدمته حصريًا وهو خاتم المقاومة بافتراض أنها بدأت من عندها! رغم أننا نعلم بالشعب الفلسطيني مقاومة أصيلة ما قبل "حماس" بعقود طويلة، وأيضًا منذ إنشاء فتح عام 1958 وانطلاقة الثورة الفلسطينية. لذا يقع التمايز المرجعي الاستقطابي ويتم احتكار الأختام!

[2]  تنتهج القوى الاسلاموية منهج الفصل بين الرؤى او المشاريع مفترضة أنها صاحبة فهم التحرر الوطني، لا السلطة. فتقول بوضوح أن هناك مشروعين الاول مشروع مقاومة وبالطبع يتم الخلط بين المسلحة وتلك السلمية (والإيحاء قد يكون مقصودًا) مقابل المشروع التسووي أوالتصفوي السلمي في سياق شعارات تبقي المعضلة والازمة الوطنية قائمة ولا تحث على الاقتراب، وفي ذات الوقت والتنظير يُمارس أصحاب "مشروع المقاومة" في غزة كل أفعال السلطة حذو القذة بالقذة كما تقول العرب!؟

[3]  فصائل أو منظمات العمل الوطني الفلسطيني هو التوصيف الأمثل لأن كل التنظيمات على إطلاقها تعمل في الإطار الفلسطيني مهما حملت من عباءات ملونة يمينًا ويسارًا وتلك التي كانت ترفض القومية أو الوطنية أو الديمقراطية تبنتها بعد طول تمنع وآخرها "حماس" و"الجهاد" التي أعلنت عن ذاتها بوضوح لا يقبل الشكل بوثيقة 2017 أنها حركة وطنية فلسطينية. لذلك يجب إسقاط مفهوم الحركة الوطنية والاسلامية فهذه ال "والاسلامية" تمثل عامل تمايز مريح للطرفين للأسف، ولكنه يقسم الشعب الفلسطيني بين مسلم وغير مسلم أوبين وطني وغير وطني..الخ.