( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
لم يمضي سوى أيام معدودة على عبورنا من عام 2021 إلى عام 2022 ،هذا العبور ليس سفراً في الزمن أو انتقالاً من عالمٍ إلى آخر .أو انتقال من الماضي السحيق إلى المستقبل البعيد. هو انتقالٌ ما زلنا نعيش فيه في ظل حياة متلونة ومتنوعة، في ظل حلمٍ يراود الجميع ويكون بحجم الكون، حلم يكون دون جوائح وكوارث وحروب وخراب وتدمير، وتشريد وفقر وحرمان. ودون جهل وتخلف، ودون العيش داخل دول تحكمها طغمة فاسدة مدعومة من أجهزة مخابرات واستخبارات قمعية تمنع على الإنسان حتى أن يتنفس ملئ رئتيه من الحرية والكرامة. حلم يتخلّص فيه من آلامه وأوجاعه وجميع موبقاته وأدرانه . 
نعم من حق البشرية جمعاء التي تعيش على كرتنا الأرضية أن تحلم وتتمنى ،وترجو الخيرالوفير، وتحقيق السعادة والحرية والعدل والمساواة، ومن حق البشرية أيضاً أن يكون القادم من الأيام والسنين مزدهراً ،وأفضل مما سبق . لكن من واجبها أيضاً أن تدرك تمام الإدراك أنَّ الزمن يسير في مساره الطبيعي المرسوم بعنايةٍ وفوضى بآنٍ معاً، ولن يقفز بنا إلى زمنٍ مختلف أو عالمٍ آخر مختلف، فالمستقبل لن يحمل لنا سوى نتائج ما قمنا به في الماضي والحاضر، ومن يريد عالماً آمناً سالماً فيه كل الأمن والأمان، عليه أن يعمل بجدٍ واجتهاد لتحقيق مراده وما يسعى إليه، ولكل سلوكات بشرية جماعية أو فردية نتائج تشبهها أو قريبة منها، ولكل فعل رد فعل مساوٍ له في القوة، ومعاكس له في الاتجاه. كما قال عالم الفيزياء والرياضيات البريطاني إسحاق نيوتن.
ولو قمنا بجولة سريعة في بعض دول العالم لوجدنا أنَّ هناك دول تنعم بالتقدم والرفاهية والحياة الحرة الكريمة ،ودول أخرى تعاني سقوطاً سياسياً مدوياً وما يتبعه من سقوط اقتصادي واجتماعي وثقافي ومعرفي، وتعليمي وصحي إلخ ... النمط الأول تحققت له الرفاهية التامة أو شبه التامة ،ويسعى دائماً إلى لأفضل، نتيجة حكمة قادته وإدراكهم ضرورة بناء بلدهم والإنسان الذي يعيش فيه ،فهم يعملون دون كللٍ أو ملل بشكلٍ دؤوب . من أجل تحقيق مصلحة شعوبهم على اختلاف مشاربهم الدينية والطائفية والمذهبية ، ويتوازى مع ذلك الرقي في السلوك المجتمعي بشكلٍ ملموس ، والحرص على الاستفادة من المكتسبات السياسية الكبيرة التي حصلوا عليها ،بعد أن دفعوا مئات الآلاف من الضحايا، وخسروا الغالي والنفيس ، وناضلوا من أجل نبذ صنّاع الفتنة والمروجين لها وللفوضى بكل أصنافها بما فيها (الفوضى الخلّاقة) التي ابتدعتها ( كوندوليزارايس) وزيرة الخاجية الأمريكية الأسبق، والساعين لتعطيل حركة المجتمع أو تدمير مرافقه العامة ،ووضع العصي بالعجلات. أما النمط الثاني فقد غرق في مستنقع الفوضى العارمة، بفعل فساد ساسته كبيرهم مع صغيرهم وهم الذين مارسوا كل أشكال الفساد حتى بات الفساد جزءاً من ثقافة تلك الدولة. هؤلاء الساسة هم الذين فقدوا الوعي، وتوهموا أنهم امتلكوا شعوبهم بقبضتهم الحديدية من خلال سيطرتهم على الأجهزة الأمنية القمعية ،وسيطرتهم القوية على سلطة الجيش، وأنَّ حركة الزمن تبدو عاجزة عن زحزحتهم من مواقعهم التي تمسكوا بها باستعانة خارجية أو داخلية من عشائرهم أو طوائفهم أو أحزابهم العصبوية، وبسبب استجابة قطاعات عريضة من شعوبهم لنداءات الفتنة والتفتيت والتجزيئ، وعدم تقبل الآخر، والتسلح بالتطرف بدلاً من التسامح،والتمسك بالعنصرية المفرطة والشعبوية القاتلة،والتنوع المجتمعي، وانعدام إدراك أن الاختلاف في العرق أو الدين أو الطائفة أو المذهب أو الرأي لا ينال من حقوق المواطنة، وعدم التزام البعض بما ينص عليه دستور البلاد ولا بالقوانين والتشريعات الناظمة، لتقودهم أطماعهم السلطوية الخاصة لخلخلة بنية الدولة وركائزها الأساسية، بل وإسقاطها سقوطاً مدوياً نتيجة ارتباط قياداتها بالخارج .
لقد مرّت على دولنا العربية الكثير من الكوارث والصراعات والنزاعات البينية التي كان من نتائجها الدمار والحرق والقتل والتشريد والفوضى، كل ذلك بفعل الفوضى العارمة التي مرت خلال ما يسمى بالربيع العربي. لقد مرت عشر سنوات عجاف من دون أن تطلع عليها شمس الاستقرار والأمن والأمان والتقدم والعطاء، وانتقلت من عام إلى عام، وهي غارقة في ظلام الفتنة والصراعات المسلحة والقتل الإجرامي المجاني الجماعي والفردي، وتسيّد الفساد والفاسدين والمفسدين ، ونشروا أفكارهم الظلامية والتآمرية على مدار العقد الماضي. حيث كانت شعوب هذه الدول وشعوب الدول العربية الأخرى تعاني ما تعانيه، تحلم ككل شعوب العالم مع بداية كل عام أن يكون عام الخلاص، والانتقال من زمن الفوضى والقتل والتشريد والجوع والفقر والقمع ،إلى زمن الاستقرار والأمن والأمان، ولكنه الحلم الذي لم يتحقق بعد، ومع بداية 2022 م تجدَّد الحلم والتمني والترجي بأن يكون هو عام الأمل والتفاؤل بالقادم وتحقيق ما تصبوا إليه عقولهم ونفوسهم. .
 من ينظر إلى الخارطة العربية، سيجد أن الوضع ما يزال على ما هو عليه منذ سنواتٍ بعيدة ، ولم يغيّر الانتقال الزمني فيها شيئاً، بل إن بعضها ازداد سوءاً، فمنذ ثمانية عشر عاماً والعراق الشقيق يعاني عواقب احتلال أمريكي غاشم ، أسقط الدولة وفكك الجيش والقوات الأمنية، وتركها مرتعاً للإرهاب والإرهابيين والميليشيات المسلحة والجماعات الخارجة عن القانون التي تديرها قوى إقليمية ودولية لا تريد عودة عراق الحضارة والتاريخ والعراقة، بلاد العلم والعلماء، وليبيا منذ أحد عشر عاماً وهي تعاني من الانقسام المناطقي، وصراع جماعات الإرهاب المسلّح المدعومة إقليمياً ودولياً ،وأصحاب المصالح من الداخل والخارج، أما اليمن ما زال يعيش في حالة ما بات يطلق عليه (الخريف الحوثي) الذي لا يريد للشعب اليمني الأمن والأمان والاستقرار ولا توفير لقمة العيش الكريمة. وسورية لا زالت مطمعاً للمحيطين بها إقليمياً ودولياً .وما زالت مطمعاً للإرهابيين المجرمين الذين لا يهتز لهم جفن،لقد ساهم جميع المتصارعين في تدمير مدنها وقراها وبلداتها وبنيتها التحتية، وشتتوا شعبها الذي توزع على دول العالم كلاجئين، والسودان خرج من مستنقع الحكم القمعي ليقع في أتون الصراع على السلطة بين المدنيين والعسكريين والإسلاميين، ولبنان الذي تحكمه حكومة عاجزة عن تلبية متطلبات شعبها ،والذي بعتبر مسرحاً وساحة واسعة لكل أجهزة الاستخبارات في العالم والتي لها علاقات مع جماعات طائفية لا تقبل للبلد سوى السقوط الكامل لمصلحة قوى خارجية. وكذلك تونس التي استبشرنا خيراً بخروجها من حالة الصراعات سالمة. 
في الختام ،نرجوا أن يكون الغد الأفضل للشعوب المكافحة والمناضلة من أجل الأمن والاستقرار وتحقيق العدالة والمساواة. وما نرجوه أن تتضمن الدساتير والقوانين والتشريعات الناظمة في دولنا العربية كل متطلبات الشعب في تحقيق حريته وعيشه الإنساني الكريم ،وأن يتم توزيع الرثوة بشكلٍ عادل على أبناء الشعب. مع علمنا المسبق أنَّ نهضة الدول واستقرارها لا تحققه الأحلام ولا الأمنيات ولا الترجي، بل تحققه القيادة الرشيدة والوعي الشعبي، والعمل الجاد البنّاء والاصطفاف في مواجهة محاولات القتل والتدمير والتشريد والتهب والتخريب والإرهاب بكل أشكاله، حتى الإرهاب الفكري.