( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
نتيجة فشل التجارب الوحدوية والاتحادية في وطننا العربي، وانعكاسات ذلك الفشل على بنية الدولة العربية ووحدتها وقوتها، وخروجها من الإطار القومي الواسع إلى نطاقها القطري الضيق، وجدنا أن نقدم للقارئ العربي نموذج من الاتحادات الناجحة في العالم ،ودور المؤسسات والهيئات والإدارات فوق القومية في تعزيز تكامل الاتحاد متخذين من الاتحاد الأوروبي القوي، ومن البرلمان الأوروبي أنموذجاً.
إنَّ الدافع الأساس لهذه الدراسة هو حالة القهر التي يعاني منها المواطن العربي على امتداد نحو أربعة عشر مليون كيلومتر مربع، وعدد سكان يتجاوز الخمسمائة مليون نسمة. فقد اقترنت التجارب الوحدوية والتوحيدية والاتحادات في وطننا العربي بالاستبداد والطغيان على الصعيد السياسي، رافقها القطيعة الكبرى والخطيرة على الصعيد الثقافي والمعرفي مع العالم. وحالة الاحتكار على الصعيدين الثقافي الوطني والقومي والاقتصادي . مما أدى إلى فقدان المواطن العربي لعملية التكامل الاقتصادي ، وفشل الأمن القومي العربي المشترك، وخسر الأمن الغذائي مقوماته، والأمن المائي والأمن الاستراتيجي
. من هنا كانت لنا هذه القراءة في تجربة الاتحاد الأوروبي التي يمكن أن تكون أنموذجاً وصيغةً جديدةً على الصعد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية والسياسية، وتحرر المعرفة والثقافة والعلوم والتكنولوجيا المتطورة من سلطة الدولة القومية وسطوتها، وتضعها جميعاً في خدمة المجتمعات المدنية على تعدّدها وفقاً لمبادئ العدالة العامة .
يعتبر الاتحاد الأوروبي جهاز فوق قومي، يضم في عضويته 27 دولة، بعد أن كان 28 دولة. فقد انسحبت بريطانيا من الاتحاد قبل نحو عامين (البريكسيت) . الجدير بالذكر أنَّ الاتحاد الأوروبي تديره ثلاث مؤسسات رئيسية هي: المفوضية والمجلس والبرلمان. ويضم الجماعة الأوروبية وأهم المجالات في السياسة والقضاء والتعاون المشترك في مجال الشرطة الجنائية، وتنسيق السياسة الخارجية الدولية والأمنية المشتركة. وكانت مؤسسات الاتحاد الأوروبي قد دخلت في صراع دائم حول سلطات صنع القرار بشكله النهائي وصلاحياته، تجلى بين المؤسسات الثلاث الآتية:
1 – المجلس: يعتبر المجلس (Council) صوت الدول الأعضاء في الاتحاد، فهو الذي يقرر السياسات الدولية، ويتبنى التشريعات والقوانين الناظمة، يجتمع دورياً على مستوى الوزراء أو على مستوى المندوبين الدائمين في المجلس، ويقوم بتنسيق سياسات الدول الأعضاء فيما بينها ، أو يحدّد سياساتها الخارجية وعلاقاتها الدولية.
2 – المفوضية الأوروبية: المفوضية الأوروبية (European Commission) تمثل المصالح العليا للاتحاد الأوروبي. وهي التي تقترح القوانين والتشريعات، وتحيلها إلى البرلمان الأوروبي ليصادق عليها قبولاً أو رفضاً.
3 – البرلمان الأوروبي : يمثل جميع مواطني الاتحاد الأوروبي البالغ عددهم نحو خمسمائة وسبعة ملايين نسمة، حسب المادة 14 (2) من (معاهدة الاتحاد الأوروبي). ويعتبر البرلمان الأوروبي الهيئة التشريعية الوحيدة المتعددة القوميات في العالم، ويتم انتخاب أعضاء البرلمان الأوروبي من مواطني الدول الأعضاء الـ 27، والمقيمين فيها، من غير الأوروبيين، الذين تتوافر فيهم شروط الانتخاب وهي شروط مبنية على قوانين وتشريعات ناظمة متوافق عليها. هذا يعني أن التصويت يشمل المواطنين غير التابعين لقوميات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
هذه القضية التي يتم فيها دمج عدد كبير من القوميات كان الاتحاد الأوروبي قد وضع لها حلولاً مناسبة حيث تتم معالجة إشكالية العلاقة بين الدول القومية، المنضوية تحت لواء الاتحاد الأوروبي، ومعها المؤسسات ما فوق القومية. مع دراسة حدود التنافر والتعارض في بنية الاتحاد بين نهج السياسات القومية لكل دولة من دول الاتحاد على حدة والتي تتجلى في سلطة وقوة المجلس، والسياسات الاتحادية ما فوق القومية، التي يقررها البرلمان الأوروبي والمفوضية العليا. فلا بدَّ من تعزيز المؤسسات والهيئات والإدارات ما فوق القومية وخروجها من الأبواب الضيقة لتدخل إلى مجالات واسعة مثل السياسة الخارجية والسياسة الدولية ، والسياسات التي تمس حياة المواطنين بشكلٍ مباشر وغير مباشر، والتي ما زالت حكراً على سيادة الدول وقوة قوانينها.ونحن إذ نستقرئ بنية البرلمان الأوروبي وجوهره نجد أنّ البرلمان هو المؤسسة الديمقراطية الأساس والأهم بين مؤسسات وإدارات وهيئات صنع القرار. وذلك لأنه يمثل جميع الشعوب الأوروبية المنضوية دولها في الاتحاد الأوروبي، وله دور أساسي في تعزيز الديمقراطية البرلمانية التي لها ميزاتها الخاصة بها، فتعزيز دور البرلمان يعزز النظم الديمقراطية ذات الطابع المؤسسي والقانوني والتشريعي، ما يؤدي إلى تجديد حيوية وقوة وتأثير مؤسسات الاتحاد ودوره الإقليمي والدولي. أي أنَّ ثمة علاقة وثيقة متبادلة بين الطابع الديمقراطي للبرلمان الأوروبي، والنظام الديمقراطي في كلِّ دولةٍ من الدول الأعضاء في الاتحاد .
إنَّ المتابع لبنية التركيبة التنظيمية للاتحاد الأوروبي وآلية عمله ودور البرلمان الهام والأساسي فيه سيجد أنه إذا تم تعزيز دور البرلمان فإنه سيؤدي بالتأكيد إلى تقليص دور الدول القومية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وهذا سيؤثر تأثيراً كبيراً في التوازن المؤسساتي والإداراتي ضمن الاتحاد، أي إنه سيؤثر في التأرجح بين سلطتي المجلس الوزاري والبرلمان، حيث تتراجع سلطة المجلس الوزاري لمصلحة البرلمان. 
الجدير بالذكر أنَّ البرلمان الأوروبي الذي يمثل السلطة التشريعية العليا في الاتحاد هو الذي يملك سلطة التشريع فعلى الرغم من أن البرلمان الأوروبي يملك سلطة التشريع الأوَّل في الاتحاد إلا أنه لا يمتلك المبادرة التشريعية التي تمتلكها البرلمانات الوطنية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، فلا يحق له المبادرة إلى تقديم اقتراح التشريعات والقوانين، بل يشارك فقط في عملية صنع القوانين والتشريعات مع المجلس، أو يحق له قبولها أو رفضها، وتعديلها. 

أهم أشكال صنع القرار:

يتم صنع القرار في البرلمان الأوروبي بمشاركة المجلس. وفي حال رفض البرلمان الأوروبي المصادقة على الإجراء فإنَّه يعطِّل دور المجلس عندها لا يستطيع المجلس اتخاذ القرار .وقد شكلت المشاركة نسبة ستين بالمئة من التشريع في خلال إحدى الفترات النيابية وهو الإجراء الذي نصَّت عليه معاهدة ماستريخت عام 1992 م . وتم إطلاق عليه اسم : ( العملية التشريعية الاعتيادية) التي أصبحت تشمل تسعين بالمئة من مجالات السياسة لتشمل معظم السياسات، باستثناء الأمن الاجتماعي والشؤون الضريبية، ومعظم مجالات السياسة الخارجية والعلاقات الدولية. فسلطة القرار هنا للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ولا تمارس عملية (المشاركة في اتخاذ القرار). أما إجراء المشاركة فإنّه يتطلب الأغلبية المؤهِّلة في المجلس، والأغلبية المطلقة في البرلمان الأوروبي. عندها تتم عملية صنع القرار وفقاً لما بات يعرف بـ (الإجراء التشريعي العادي) .وعندما يتم تبني القانون أو التشريع تقوم الأعضاء بالتنفيذ دون تأخير أو تردّد وفقاً لأنظمتها القانونية والتشريعية الخاصة وعملياتها.
هناك قضية غاية في الأهمية لا يمكن إغفالها وهي أنه في بعض الحالات، تكون الاستشارة البرلمانية إلزامية وذلك لأن الأسس القانونية والتشريعية تتطلب ذلك، ولا يمكن للاقتراح أن يصبح قانوناً أبداً إلا في حالةٍ واحدة وهي إذا أعطى البرلمان رأيه في المقترح المقدَّم. هناك حالات أخرى قد تكون علينا الالتفات إليها وهي أنَّ الاستشارات اختيارية، عندها قد تطلب المفوضية الأوروبية من المجلس أن يقوم باستشارة البرلمان، وفي هذه الحالة بالذات لا يكون هناك أي داعٍ لتشكيل لجنة التراضي وقراءة ثالثة. وفي مجال الموافقة يضطر المجلس أن يأخذ موافقة البرلمان قبل أن يتم اتخاذ أي قرار . تلك القرارات يجب أن تكون محدّدة وتكون في الوقت نفسه في غاية الأهمية. هذه الآلية التي يتم استخدامها هنا هي نفسها الآلية المتبعة في الاستشارات، عدا أن البرلمان الأوروبي ليس باستطاعته في هذه المرحلة أن يقوم بطلب تعديل المقترح: وليس أمامه أي رأي سوى: (إما الموافقة وإما الرفض). وعادةً تؤخذ الموافقة بأغلبية الأصوات. وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ أهم القضايا التي تشملها الموافقة تتضمن مهمات محددة مرتبطة بالبنك الدولي، كما تتضمن تعديل دستور النظام الأوروبي للبنوك المركزية مثل البنك المركزي الأوروبي، آلية الانتخاب للبرلمان الأوروبي، انضمام دولة جديدة إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وتصديق المعاهدات الدولية.