( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
شهدت مدينة القدس وما تزال صراعاً ساخناً دامياً بين شعبنا العربي الفلسطيني وقوات الاحتلال الصهيوني والمستوطنين الصهاينة. فكانت الغلبة لشعبنا الفلسطيني الذي يملك الحق كل الحق فيها على الرغم من آلة البطش والقمع الصهيوني التي تُمارَس ضد الشباب والنساء والأطفال وكبار السن ، بهدف الإمعان باحتلالها كاملة ،وجعلها عاصمةً أبدية لهم ،وتدمير المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم ، والعمل على التقسيم الزماني والمكاني للأماكن المقدّسة. لكن إرادة شعبنا العربي الفلسطيني المرابط لجم جموحهم واعتداءاتهم وتصدى لرصاصهم وهراواتهم بالصدور العارية .
ومدينة القدس تختص بميزة حضارية ودينية خاصة بها تميزها عن باقي مدن العالم، لأنها تحتل مكانةً دينية عالية لدى معتنقي الديانات السماوية الثلاث، مما جعلها حجر الأساس في الصراع ومحوراً دائماً للنزاع، ولما تتمتع به من مكانةٍ خاصة، ولأنها زهرة المدائن فقد تعرضت المدينة على مرِ التاريخ، لأربعٍ وعشرينَ محاولة لتخريبها وتدميرها.
تمتعت مدينة القدس تاريخياً باهتمام معظم دول العالم لما تتمتع به من مكانة كبيرة دينية وروحية واستراتيجية. لذا شهدت الكثير من الغزاة والمعتدين والمحتلين، كما حظيت بأسماءٍ عديدة، ارتبطت غالباً بالحقبة التاريخية لتلك التسمية، وهذا أمرٌ مهم علينا تبيانه وتوضيحه، فقد عرفت مدينة القدس قديماً بــ (يبوس)، نسبةً إلى اليبوسيين بناة القدس الأولين وحارسي مجدها. قرابة الألفية الخامسة قبل الميلاد والتي أطلق على تلك الحقبة (العصر النحاسي) وقد ورد في السجلات المصرية القديمة زمن الفراعنة اسم (يابيثي) . التي تفيد ( يابوس). وتشير نصوص العهد القديم إلى عدّة أسماء مختلفة أخرى، أُطلقت على مدينة القدس، منها هذا الاسم: (يبوس) . كما أطلق على مدينة القدس اسم إيلياء ـ حسب اللوائح التاريخية والمرويات التاريخية والسرديات العربية المتداولة. وهي تسمية تنسب إلى : (إيلياء بن ارم بن سام بن نوح) عليه السلام، وأعيد إطلاق اسم إيلياء على مدينة القدس وما حولها في زمن الإمبراطور الروماني (هادريان)، وفيما بعد تم تبديل اسمها إلى (إيليا كابيتولين)، وصدر الاسم (إيليا)، وهو لقب لأقوى العائلات الرومانية وهي عائلة هادريان، و(كابيتولين جوبيتر) هو الإله الروماني الكبير والرئيسي ، وبقي اسم (إيليا) سائداً مدةً طويلةً ، وكان قد تم تداوله نحو مائتي سنة، إلى أن جاء الإمبراطور الروماني (قسطنطين) الذي توفي عام (237) م، وهو أول من انتمى إلى الديانة المسيحية من أباطرة الرومان العظام ، وهو الذي اعتمد الديانة المسيحية دينا رسمياً وشعبياً في أنحاء الامبراطورية الرومانية – فقام بإلغاء اسم إيليا ، وأعاد للمدينة اسمها الكنعاني الأصلي، وأوَّل اسم ثابت لمدينة القدس، هو (أوروسالم) أو (أوروشالم) أي (مدينة السلام) .كما أسماها العرب الكنعانيون، وعرفها الفراعنة بهذا الاسم أيضا، لقد أثبتت المكتشفات الأثرية أنَّ اسم (أورشاليم) قد كان مدوناً في الرُقم والكتابات المسمارية على هذا النحو : (أورو ـ سا ـ ليم)، وهو ما يوافق اسمها في معظم المكتشفات الأثرية في فلسطين، وأكثرها الآثار الأشورية التي ظهرت منذ القرن الثامن ق.م (أور ـ سا ـ لي ـ أمو) .أي (أوروسالم). كما ورد في العديد من النصوص الدينية أسم (أورسالم) أو (أور شالم) كما ورد اسم (هيروسلوما)، وهو الاسم نفسه، الذي ورد في كتابات أسترابون، وشيشيرون وبليني، وثاكيتوس وغيرهم . 
في أوائل الفتح الروماني، تم تسمية المدينة (هيروسليما)، ثم (هيرو ساليما). وعندما حاصرها تيطس في العام (70م) ، أطلق عليها اسم (سوليموس). وفي عصر الامبراطور الروماني هادريان (117-138م ) ،تم تبديل الاسم الذي يطلق على منطقة أورشليم هو إيلياء الكبرى، أو إِيلياء كابيتولينا. كما تسمى (مدينة العدل) و(مدينة داود) أيضاً ، أي مدينة القدس. 
بقيت مدينة القدس تُعرف بالاسم الروماني (إيلياء) حتى الفتح الإسلامي. وقال الجغرافي العربي ياقوت الحموي في كتابه الهام : (معجم البلدان) إنَّ (إيلياء) و(إلياء) اسم لبيت المقدس، ومعناه بيت الله. ومن أسماء مدينة القدس :{ (بيت إيل) ومعناه (بيت الرب)، وكذلك القرية، والأرض المباركة، والساهرة، والزيتون}. والكثير من الأسماء التي لا حصر لها في هذه المقالة. أمّا الاسم (جيروسليم)، فقد ورد، للمرة الأولى، في الكتابات الفرنسية، التي ترجع إلى القرن الثاني عشر. كما حظيت مدينة القدس بالعديد من الأسماء عبر أزمانٍ مختلفة وقصيرة مثل : ( إيفن، ومدينة الأنهار، ومدينة الوديان، ويهوستك، ونورمستك، ونور السلام، ونور الغسق، ويارة، وكيلة، وإريانه، وجبستي، وأوفل، وميلو، وأكرى، وأنتوخيا).
والاسم الشائع في اللغة العربية، هو (بيت المقدس) أو (القدس). أما في الكتابات المسيحية الأولى، فتسمى (أورشليم)، نقلاً عن اسمها العبري. أما عن معنى اسم (أورشليم)، فالرأي السائد في معظم الدراسات، أن اسمها يعني (مدينة السلام) أو (مدينة الإله ساليم). وتعتبر مدينة القدس عند المسيحيين من أهم المدن المقدّسة بعد أن تم صلب يسوع المسيح على إحدى تلالها المسماة (جلجلة) حوالي عام 30 للميلاد، وبعد أن عثرت القديسة هيلانة على الصليب الذي علِّق عليه بداخل المدينة بعد حوالي 300 سنة وفقاً لما ورد في العهد الجديد، أما مدينة القدس عند المسلمين فهي ثالث أقدس المدن بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهي أولى القبلتين، حيث كان المسلمون يتوجهون إليها في صلاتهم بعد أن فرضت عليهم حوالي 610 للميلاد، وهي أيضاً تمثل الموقع الذي عرج منه النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وسلّم إلى السماء. كما تمتاز مدينة القدس عن سائر مدن العالم بأهميتها الدينية والتاريخية والروحية وهي ذات أهمية كبرى لوجود كنيسة القيامة، وحائط البراق والمسجد الأقصى وقبة الصخرة ، والمسجد القبلي. ومدينة القدس القديمة تم تصنيفها على أنها موقع تراث عالمي هام . وقد جرت الأعراف والعادة على تقسيمها إلى أربع حارات، إلّا أنَّ الأسماء المستخدمة اليوم لكل حارة من هذه الحارات : حارة الأرمن، حارة النصارى، حارة الشرف أو (حارة اليهود) وحارة المسلمين، لم تظهر إلا في أوائل القرن التاسع عشر.
هذه المدينة المقدسة التي تغنى بها الشعراء، ومرَّ بها الرسل والأنبياء .وهزم فيها أعتى الغزاة. صدحت حناجر المرابطين والمناضلين الفلسطينيين لنصرتها وحمايتها ، ودافعوا عنها وما يزالون يحمونها بصدورهم العارية ، هذه المدينة صمدت في وجه أعتى الغزاة والمحتلين على مرّ التاريخ. وستصمد وسينتصر شعبنا للحق ولنصرة قدسنا وقضايانا المصيرية .وستبقى القدس الموحدة العاصمة الأبدية لفلسطين.