الحياة برس _فادية عليوة _لطالما شهدت العلاقات بين إيران والسعودية احتقاناً وتوتراً كبيرين منذ عقود ، وإرث هذا التوتر أدى إلى اشتعال الخلافات واحتدام حرب التصريحات المتبادلة ، ولاسيما أن الظروف الإقليمية تلقي بظلالها دائماً على سياسة التعاطي بين الطرفين ، فقد أخذ الصراع السعودي الإيراني بعداً جديداً بعد إعدام السعودية رجل الدين الشيعي نمر النمر و سيطرة الحوثيين في اليمن على مقاليد السلطة وتمددهم الذي يطوق السعودية عند حدودها مما يجعلها في تماس مع "الخطر" الشيعي.فما هي أوراق كل من طهران والرياض وهل سيصل الأمر إلى حد المواجهة ..؟يرى الباحث والمحلل السياسي "منصور أبو كريم " عضو الشبكة العربية لكتاب الرأي والإعلام خلال دراسة أعدها عن "مستقبل الصراع السعودي الإيراني في المنطقة " بأن السعودية وإيران تعتبران الوريثان الشرعيان للخلاف التاريخي والتي تمازجت معالمه بين الصراع الديني والمذهبي والنفوذ الاقتصادي والعسكري في دول الجوار.يضيف الباحث من خلال دراسته "أن ايران تسعى كغيرها من الدول لبسط نفوذها في المنطقة لتحقيق ما يسمى بأمنها العام وفرض نفوذها وهيمنتها على المحيط الجغرافي المجاور لها ، كأنها بذلك تحاول استعادة عرش سلطان الدولة الفارسية ما قبل القادسية".فما تمارسه ايران اليوم ليس طموحات سياسية و اقتصادية بالوسائل المشروعة بل هي اطماع واسعة تتعدى حقوق الاخرين، فقد اتخذت السياسة الايرانية التوسعية مسارا عدائيا تصادميا عبر خطين متوازيين ..الاول : ممارسة العنف والتصعيد ضد العدو الدائم وهم المسلمون السنة والعربالخط الثاني: اظهار العدو الوهمي "اسرائيل وأمريكا "بمظهر العدو الدائم كغطاء لإخفاء حربها على عدوها الرئيسي ووسيلة لممارسة الخداع ضده .وفي ذات السياق يوضح الباحث عن تزايد مخاوف السعودية من التوسع الذي تفرضه جماعة الحوثيين المسلحة في اليمن التي تلتقى دعما مباشرا من ايران التي لم تعد تخفي تدخلها ، في المقابل دعمت السعودية الاصطفاف الشعبي "كتيار شعبي "مناهض للحوثيين لأنها شعرت بان القوى السياسية اليمينية لم تعد فاعلة في الشارع اليمني وأن ثقة الرياض بهذه القوى التي بدأت تتآكل .وعلى أثر تلك التصريحات والمواقف الإيرانية التي أعقبت اعدام النمر يشير الباحث أن السعودية أعلنت قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران وأمهلت أعضاء البعثة الدبلوماسية الإيرانية 24 ساعة فقط لمغادرة البلاد "وهو تصرف شديد القوة في العرف الدبلوماسي " ويعبر عن الانزعاج الشديد من قبل السعودية بسبب الاعتداء على سفارتها وقنصليتها في طهران من قبل عناصر الباسيج، لتفتح هذه التطورات الباب أمام البحث عن مستقبل العلاقات السعودية .ويرى الباحث أن سياسة تصدير الثورة التي تعمل وفقها السياسة الايرانية للسيطرة على المنطقة سوف تؤدي عزلة سياسية بعد تولي دول الخليج في قطع علاقاتها الدبلوماسية معها، فهناك اصطفاف عربي وإسلامي مع السعودية بحكم مكانتها السياسية والدينية والاقتصادية بعد ما اصبحت ايران تشكل تهديد لكل المنطقة .ويؤكد أن العلاقة ما بين السعودية وإيران وصلت لأشد من حالات العداء و التوتر ، وسط تهديدات متبادلة بالانتقام العسكري على أرضية ازمة اعدام النمر وأزمة حجاج منى، والصراع في كل من سورية واليمن والعراق، ولذلك باتت احتمالات الانتقال من حرب واردة اكثر من اي وقت مضى.وضمن سيناريوهات الدارسة التي قدمها الباحث خلال دراسته أن احتمال انفجار الاوضاع بين السعودية وايران وصولاً إلى المواجهة العسكرية أمراً مستبعداً في هذا الوقت بالذات - رغم أن كل الاحتمالات تبقى واردة- ، وذلك نظراً لعدة اعتبارات سياسية وعسكرية واقتصادية .مشيرا أن السياسة الايرانية تقوم على عدم الدخول في مواجهة عسكرية من جديد بعد تجربة الحرب مع العراق التي تم فيها استنزاف ايران سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، واستخدام القوة الناعمة والحرب بالوكالة بديلاً عن ذلك.مضيفا أن الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها ايران بعد تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بسبب العقوبات الغربية التي كانت مفروضة عليها بسبب البرنامج النووي الايراني ، وفتح أي مواجهة عسكرية بين السعودية وايران قد تفتح الباب أمام اسرائيل لقصف المنشآت النووية الايرانية مستغلة بذلك الحرب الدائرة ، لذلك فأن السيناريو الأقرب الي التحقيق خلال الفترة القادمة هو استمرار الحرب الباردة بين الطرفين، رغم تفاقم التصريحات والتهديدات الإيرانية الموجهة نحو السعودية.ختاما إن الحدود التي رسمتها قوى الإمبريالية العالمية بين الدول هي حدود جديدة ترتسم بين أحياء المدن وسيطرة نفوذ القوى الكبرى لتظهر أن الحدود لم تـُرسم في الخرائط بعد ، وأن عبورها يمكن أن يعني الموت للعابرين.