( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
كان يوماً مشهوداً، ومسطوراً في سجلات الشرف والبطولة لشعبٍ حُرٍ أّبيٍ يأبي الانكسار، أو الاندثار، أو الاندحار، يوماً معطراً بَعبقْ شذي دماء الشهداء الأبرار، الأطهار الأخيار؛ في ذكري النكبة السبعون، كان حلُم العودة لفلسطين التاريخية يتجدد، وكان خيرة أبناء فلسطين ترتقي أرواحهم الزكية إلي العلياء، صاعدةً إلي السماء عند بارئها عز وجل، في يومٍ ذي مّسغْبةَ، تشتكي إلي الله عز وجل ظُلم، وبطش المحتلين الصهاينة اليهود، والإدارة الأمريكية النازية، أولئك الكافرين المُلحدين الظالمين القتلة المجرمين السفاحين، البُغاة، المفسدين في الأرض، شذاذ الأفاق، خنازيرُ الأرض، مصاصي دماء الأطفال، وقّتلةِ الشباب، والنساء، والشيوخ!؛ لقد سُجِّلت عدسات الكاميرات مشاهد القنص والإعدام الدامية للفلسطينيين علي حدود قطاع غزة، علي يد عصابة جنود الصهاينة الفاشين النازيين القتلة السفلة لتبقي مجازرهم شاهداً علي العصر، وعلي خيانة وتآمر الأنظمة العربية، والإسلامية، وصمت الغرب وأوروبا علي تلك المجازر والجرائم التي ارتكبت بحق الأبرياء من أبناء شعب فلسطين ، والذين يتمنون العودة إلي ديارهم التي هُجّرُوا منهم بالقوة، وغصباً عنهم، بفعل المجازر الصهيونية المتواصلة منذ ما يقارب القرن من الزمان!؛ وهم يحلمون بتحرير أرضهم، والصلاة في المسجد الأقصى المبارك؛ من أجل فلسطين أرض المحشر والمنشر، وأرض الرباط، المباركة المقدسة، أرض المسجد الأقصى المبارك أولي القبلتين وثاني المسجدين، وثالت الحرمين الشريفين، ومسري ومعراج النبي صل الله عليه وسلم، هبوا للدفاع عن المسرى، والأسري، وحق العودة، وكانوا عنواناً للتضحية والفداء، العطاء، وبذل الغالي والنفيس لأجل فلسطين لأن حب الأوطان من مقُتضيات الايمان، فالنبي الكريم صل الله عليه وسلم حينما أخرجه قومه من مكة ظُلماً وعدواناً، خرج مُهاجراً منها إلي المدينة المنورة، نظر لموطنه مكة المكرمة، وهو ينظر إليها شوقاً وحنيناً وتترقرق الدموع في مقلُتيهِ قائلاً والله يا مكة لولا أن قُوْمّكِ أخرجوني منكي ما خرجت!. 
وها هو الشعب الفلسطيني يقف اليوم، وحيداً مدافعاً عن القدس والمقدسات، وعن شرف، وكرامة الأمتين العربية والإسلامية، ليبقي رأس الحربة في مقدمة الصراع الكينونية مع العدو الصهيوني، والأمريكي، ومُسطراً أروع ملامح البطولة والتضحية، والصمود؛ حينما يقف المتظاهرين الأبرياء العُزل علي حدود قطاع غزة أملين بالعودة لديارهم التي هُجروا منها عام 1948م بفعل المجازر التي ارتكبتها ولازالت ترتكبها العصابات الصهيونية الجبانة، فيكون الرد عليهم بوابلٍ من زخات الرصاص والاعدامات والمجازر البشعة، ليرتقي ما يقارب المائة شهيد، وما يقارب ثلاثة ألاف جريح، جُلهم بحالات خِّطِرة واعاقات، وحالات بتر للأطراف!، ولتري غزة تتوشح بثوب الحداد والسواد، ومن يسير بشوارعها، يُشاهد جنازات الشهداء تُحمل علي الأعناق لتفارق ظُلم أهل الأرض؛ إلي عدل رب السماء، ولتري الأب، والأم يودعان فلذة كبدها ابنهُما شهيداً بعد أكثر من عشرين عاماً، يرحل عنهم فجأة وبدون استئذان، وأمهُ التي كانت طول السنون الماضية تُرضعهُ حليب العزة والكرامة، وترعاه، وتحنو عليه، وتخاف عليه حتي من نسمة الهواء، وتراها تتابع الأيام تلو الأيام، تنُظر إليه لتراه يكبرُ رويداً رويداً، حتي أصبح شاباً يافعاً جميلاً وسيماً، تم تحلم أمُه بتخرجه من الجامعة، وأن توفر له عيشاً وعملاً كريماً، وتراقب أمهُ بنات الأقارب والأحباب، لتقع بنظرها علي عُروسٍ لهُ، لتكون زوجتهُ في المُستقبل القريب، وفجأة يأتيها ابنهُا مضجراً بدمهِ الزكي الطاهر، وقد أصابتهُ رصاصة قناصٍ من سفاحٍ مُجرمٍ يهوديِ ماسونيِ يحمل سلاحٍ أمريكي، ودعم مالٍ عربي إسلامي خليجي، فيطيش عقل الأُم لحظتها!؛ حينما تري فلذة كبدها والدم قد غطي جسدهُ، واللون لون الدم، والرائحة رائحة المسك، وقتها يربطُ الله جل جلالهُ الصبر ، والثبات علي قلبها فبدلاً من أن تُصرخ من حُرقة المشهد، وتلطم خدودها، وتشقُ جيوبها من شدة وفاجعة الحدث، تراها ينطلق لسانُها بالزغاريد والتكبير والتحميد قائلةً الحمدُ لله، وكأنهُ صُبرْ النبيُ أيوب، علي البلاء والمكُتوب.
نعم هو شعب فلسطين شعبُ الجبارين المؤمنين الكنعانيين، فقد جُّبِلتْ ترُبة فلسطين بدماء أبناءهِ واختلطت بلحمهم ودمهم وعظمهم، وسجلت علي مدي الأزمان أن تلك الأرض الفلسطينية الكنعانية لا تقبل القسمة أو الضرب إلا علي نفسها، وأنُه لا مكان للاحتلال الصهيوني علي هذه الأرض المجبولة بدماء، وبأرواح الشهداء الأتقياء الأنقياء، وأنها من بحرها لنهرها ستبقي للشعب الفلسطيني، وأن القدس عربية إسلامية، وأن كل قرارات العالم الظالم من وعد بلفور إلي وعد ترمب، ونقل السفارة الأمريكية للقدس هي تحت أحذية الشعب الفلسطيني، وأنها لن تغير من صمود الشعب الفلسطيني شيئاً، بل علي العكس ستزيدهُ قوة واصراراً علي التحرير والصمود والتحدي والمواجهة، وستبقي دماء الشهداء العِّظاَمْ المّنُفِرشِّة في أرض فلسطين نوراً لمن ينتظر دورهُ في الشهادة، ولعنةً تُطارد المُحتلين القتلة المُجرمين ومن معهم، وإن قلوبنا إذ تحترق ألماً علي فراق الشهداء الأبرار ودموعنا تنهمر حُزناً علي فراق الأحبة، ولكن عزاؤنا أن الملتقي الجنة، وأن النصر قادم.
   بقلم الكاتب الصحفي الباحث والمفكر العربي والإسلامي
 الأستاذ الدكتور/ جمال عبد الناصر محمد عبد الله أبو نحل