
سيرة، كأنها تراكم انهيارات، أنقاض ذكرياتٍ تقوّست من مرور الشكّ في جسد أنهكته الاحتمالات، تنهبهُ الخسارات، وتستفرد به عيون الخوف الجاحظة؛ ناهشة من رأسهِ حُلمهُ العزيز بأن يكون.. هذا الجسد المعبّد بأرواحٍ وطين؛ هو وحده الذي يقضم أطراف النسيان الصدئة.
هذا الجسدُ بقايانا في البعيد الذي طال رجوعه. غزة التي لم تبُح بكامل أسرارها، هي نفسها التي نتأت ذات قدر كعشبة من وجه الريح، تلاشت في فراغها الشاسع أسئلة نكرة كانت تهذي من الوحشة.. لا مستقرّ تفيء إليه ولا صدر يلمّها من أطرافها كحضنِ أمٍ، ووطن!
عند عتبة هذه الرواية توقّفت، فدحني الألم على شكل شكّ، فقد انطفأتْ في الحياة أشياء، وأخرى أضاءت.. ملامح باتت فاقدةً لتعابير الدهشة والذهول، وكأنها كانت محض صدفةٍ أن أبتلع مُسبقًا كل هذا الكمّ من الحذر كي لا أبحث بعدها عن تفسير للمعنى، أو ربما معجزة أن أعثر بين اصطفاف الكلمات على دلائل كثيرة، لئلا أكون مجرّد قدمين بلا جسدٍ؛ أو كتلة مركونة تسترخي قرب حائط مهجور.
كنت كلّما مددت عقلي في النص يعود بالكثير من الحديث، الوجوه، الأمكنة، وشيء مما أحببته وراق لي، كتلك الأسماء التي مزّقت روتين السرد، وألقت بظلال شيء جديد على القصّة .. كهذه السرعة، والهروب من رتابة الزمان والوقت، وكالفكرة التي خنقت العتمة البليدة، واستبدلت المجهول بمعلومٍ؛ لينضج من بين أقواسها وعيُ ومعرفة، لطالما كان السؤال "ما الذي كانوا يفعلونه هناك" – آباءنا ومن سبقونا – وبالطّبع كانت تنشطر الأجوبة وتتشظَّى، ثم تنحصر ليسلك إليك في نهاية المطاف جواب واحد وهو "العمل".. لا، وكنتُ لا أقتنع بمثل تلك الإجابات السخيفة؛ حتى جاء يُسري ليفضّ غشاء اللامعلوم ويسدل الستار عن أشياء أكثر إقناعاً ومنطقيّة، مرتديًا لغة سهلة، مستعينًا بمعانٍ واضح.
لأجل هذا، ربما بات الأمر مفازة، حين استطاعت هذه الرواية أن تُحرّر أقفال العقول من شيخوخة مبكّرة، واستطاع هذا الإنسان الرائع سحبنا بانتظام رغم عبيثّة الوقائع، مانحًا القارئ أملًا بفهم الماضي، والحاضر.
يُسري الذي كان هذا الكتاب باكُورة أعمالهِ الروائية، وكان بهذا الحجم والوجع والغصّة، والحقيقة .. كيف سيكون القادم يا يُسري، كيف ؟
29/10/2017 01:24 pm
.png)






