الحياة برس -  قصي الفضلي 
تقول في نص لها من ديوانها " كل من عليها غاو " : لن أقص عليكم حكايتي للشكوى , لأن من يشكو, فهو كأبكم يشكي لأصم ..لكنني أريد أن أستعجل الأحداث للوصول الى الأجداث.. فالفجر ما عاد يمد يده إلي عبر بلورة نافذتي و الشمس لا تطل إلا لتودعني ..... حين يمتلئ الكأس و يفيض فإن ما يأتي بعده سوى مضيعة و قد ضحكت ليلة حين رأيت القمر يغتابني مع نجومه , ألا يدري أن الدهر أكل لحمي و لم يبق منه ما ينهش, فلم كل هذه اللذة و الشهوة في البقاء؟ و لم هاته الأصابع المبتورة تناشد العزف على قيثارة حياة مكسورة الأوتار .

ضيفتنا : الشاعرة المبدعة والشخصية الثقافية المغربية القديرة ابتسام بنبراهيم وهي من مواليد الدار البيضاء المغرب من اسرة محافظة صوفية اصولها من المدينة العلمية فاس ، بكالوريا آداب عصرية ، بعدها غيرت وجهتها الدراسية نحو المحاسبة ثم المعلوماتية ، و الآن تشغل منصب رئيسة جمعية بسمة الابداع للثقافة والفنون وهي امتداد للصالون الادبي الذي افتتح عام " 2013 " .. صدر لها ديوان " فانتازيا " وقيد الطبع الآن ديوانها " كل من عليها غاو " و " في الدرك الأسفل من الجنة " .. وكالة " الحياة برس " : ضيفتها وأجرت معها حوارا موسعا لتخرج بالمحصلة التالية :
  • ** عند ذكر الوطن فإن شعوراً وجدانياً يتفجر فينا ، لوطن يسكنك ، كيف تجسديه شعرياً ..؟ً 
- الوطن هو جسدنا وروحنا التي تشكل انسانيتنا وانتماءنا قبل ان يكون قطعة ارض نستقر عليها . الوطن هو الذات والصفات بالنسبة لي ، هو ملامحك فكيف نعيش بلا ملامح . وفي ديواني فانتازيا كانت تجلياته حاضرة وهذا مقتطف من نص صورة وطن :
" ثمة صورة تكبر بداخلي
كلما اقتربت من الحقيقة
صورة وطن يختبئ وراء الجدار
يخبئ خارطة،
حفرتها اظافر العار
لشعوب تجتر تاريخها كالأبقار ... "
إلى ان اصل الى المقطع الثاني من النص:

" الصورة تكبر وتكبر
والإطار ما عاد يحتمل سؤالي
الوطن يهرب مني
يبتلع حنيني، قرصا مهدئا. "
الوطن حاضر معي دائما في كل كتاباتي بكل تجلياته الظاهرة منها والمخفية بل هو الحبيب الذي راودني في كل نصوصي .
  • ** ما هو تقييمك للمشهد الثقافي والأدبي في بلدك المغرب الشقيق ، وصولا إلى قراءتك للحراك الثقافي في المنطقة العربية عموما ؟ 
- بالنسبة للمشهد الثقافي في بلدي عرف تطورا مهما من خلال بروز الاقلام الشابة الواعدة و الخروج من الجلباب التقليدي للكتابة نحو الحداثة والتفتح، كذا بروز جمعيات ثقافية تنشط في كل جهات المملكة من خلال الصالونات و المهرجانات الثقافية والفنية. لكن من المؤسف ايضا ان نرى تغييبا او اقصاء لبعض الوجوه المستحقة للتكريم و طفو اخرى لا علاقة لها بالثقافة و الفن تأخذ نصيب الأسد في المنابر الاعلامية و الحضور الثقافي.
  • ** حديثنا عن جمعية بسمة الإبداع للثقافة والفنون وما قدمت من نشاط خلال الفترة الماضية ..؟ 
- جمعيتي بسمة الإبداع للثقافة والفنون التي ابتدأت بصالونها الأدبي تأسست عام " 2013 " وهي مستمرة الأن من خلال مهرجاناتها، القائمة على توطيد فكرة الاعتراف بالمبدعين في جميع الميادين الأدبية والفنية و اخراج الشباب المبدع الى الضوء. وللجمعية ايضا ادوار اخرى نبيلة خيرية لا أحب التحدث عنها لكي لا نظهر بمظهر المتباهين . الاحلام تتوالد مادام في القلب رغبة في الحياة. ظهور العديد ، و نشاطات جمعيتي بسمة الإبداع للثقافة والفنون، ممتدة عبر الربوع .
بغض النظر عن قلة الدعم و الحروب الباردة التي تلقيتها، فجمعيتي والحمدلله كانت قائمة بمالي الخاص وبجهود طاقمها وأنشطتها التي تدرس جيدا.
أيضا من أولوياتها أن ترقى بأدباء هذا الوطن ومثقفيه وتعنى بتكريماتهم لتكون في أحسن حلة وحال. فالتكريم تشريف لهم وتكليف لنا .. يبقى عندي هاجس أبدي بالرقي بالثقافة والابداع المغربي والعناية بكافة التفاصيل الصغيرة والكبيرة، مررنا بفترة توقف وسنواصل نشاطنا قريبا .. ستعود جمعيتنا و نحن على قدم وساق لإخراجها في حلة جديدة تواكب تطلعاتكم .. فالخطوة الثابتة تبقى أثرا وبصمة في النفوس .... دعمكم تكليف لنا وسنكون حاضرين قريبا.
  • ** طقوس الكتابة تختلف من شاعر لآخر، فماهي الطقوس التي تسهم بانهمار حرفك وتجعلك تمسكين القلم لتسطيرين خلجات الروح ...؟ 
- الكتابة بالنسبة لي وليدة احساسي الكبير بالذات والمحيط ايضا. وهنا كان التنوع في كتاباتي فتجدها ما بين فلسفة الذات والتصوف و تجد اخرى صرخة على الوضع الذي يعيشه العالم العربي خاصة والعالم برمته من سلوكيات لا انسانية. يسكنني الانسان بكل تجلياته ويشغلني كل شيء حولي فترى حواسي المرئية منها و اللا مرئية كلها شاعرة بما حولها . وهنا أقول ان الشاعر كتلة احاسيس لا يمكن ان نحصرها وان الكتابة شعرية لغة جسد وروح . وروح الشاعر لا تفنى بفناء جسده . بل هو ملحمة متوارثة من جيل إلى جيل.
  • ** هناك من يطلق مصطلح على تسمية الإبداعات الأدبية النسائية بــ" الأدب النسوي" ، ما رأيك في هذا الاصطلاح الذي انتشر عندنا في الوطن العربي مؤخرًا، هل نحتاج إلى تصنيف أدبي نسوي تحت يافطة ( جسدنه الأدب ) ..؟ 
- الكتابة ليست بحكر على احد، والأدب زاخر بالنساء اللاتي خلد التاريخ اسماءهن على سبيل المثال الخنساء وغيرها. غير ان بيئتنا العربية تقزم احيانا من بروز الكاتبات (النسائية) خصوصا ذات الآفاق المتحررة او التي تكسر التابوهات فتجد محاربة كبيرة ومقص الرقابة بالمرصاد . أنا لا اؤمن بالكتابة وسط مربع او نمط تقليدي، لكن لا اشجع الاباحية ايضا في الكتابة لاستفزاز انتباه القارئ دون خدمة الموضوع او النص، وهذا ما نراه في الكثير من الاحيان في بعض الكتابات لبعض الاديبات او الادباء على حد سواء. او ما اسميته بجسدنه الأدب، البيئة العربية عرفت تطورا هاما فمن الانغلاق التام إلى الإنفتاح الكبير وظهور وسائل التواصل والاتصال، اثر ذلك بشكل كبير على قيم الكتابة الادبية واصبحنا نرى كتابات اباحية " ايروتيكية " بعيدة كل البعد عن مفهوم الأدب وجمالية الشعر ايضا، صحيح ان الشعر والأدب الجاهلي و ما بعده كان به من الوصف الجسدي واعتبر حينها خادشا ومستفزا في بيئته لكن كان وليد موضوع و جمال لغوي، عكس ما ظهر الأن، حيث تطغى " الايروتيكية " مبتعدة عن موضوع النص و جمالية الطرح.
  • ** كيف تقيمين دور الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي وهل أسهما بزيادة الحراك الثقافي والأدبي في المنطقة العربية ، وهل ستعوض عن اللحظات الحميمية ومتعة القراءة في الكتاب الورقي ...؟ 
- الشبكة العنكبوتية كما قلت آنفا لعبت دورا كبيرا في الصلة والتواصل بين المجتمعات و بادلت الافكار والاذواق بين الشعوب ، وفتحت مجالا واسعا امام طالبي العلم والمعرفة كل حسب تخصصه، لكن اكيد امام كفة الايجابيات هناك الكفة الاخرى السلبية ولا داعي لذكرها كلها، فقط ما يهمنا الان وهو تأثيرها على القارئ العربي، فكما فتحت أمامه ابواب المعرفة على مصرعيها واصبحت الكتب الالكترونية متاحة وفي المتناول خلال التطبيقات المجانية وبصفة مكثفة، نرى العزوف عن الكتب الورقية التي اصبحت رهينة الرفوف، هذا عدا فئة كبيرة من الشباب الذين لا يتابعون بأي شكل من الأشكال والمصيبة الأكبر هناك ممن يدعون الثقافة والكتابة لا صلة لهم بالقراءة وقد واكبت ذلك من خلال تجربتي الجمعوية واقترابي أكثر من الشباب وبعض بين قوسين (الأدباء). وعلى سبيل الطرفة في احدى الامسيات الشعرية ومن خلال دردشتي مع شاعر كبير جاء اسم الشاعر ( أمل دنقل ) فقال لي بالحرف لا أعرفها، لأصحح له فيما بعد أنه شاعر وليس بشاعرة ... الكتاب الالكتروني صحيح ساعد على انتشار أفق القراءة والاطلاع، لكن يبقى الكتاب الورقي له نكهته وقيمته التي لا يضاهيها شيء.
  • ** حدثينا عن رحلة التزود بالمعرفة مع دواوين الشعراء والأدباء , وهل يجب على المثقف ان يقرأ ويستمع أكثر مما يكتب.؟ 
- القراءة والتزود من افكار الآخرين والاطلاع عليها لها دور اساسي في البناء الفكري لأي مثقف و أديب وشاعر فلا يمكن ان نكتب وليس لنا رصيد فكري ولغوي . فالفطرة يطورها الاكتساب من المهد الى اللحد . على ان يكون للكاتب فكره الخاص دون سرقة ادبية او نقل .
وأنا بصراحة منذ طفولتي كان لي ميلاً كبيرا للمطالعة و اصدقك القول انه في مراحل مبكرة كنت اقرأ للعديد من الشعراء والأدباء كجبران خليل جبران و مي زيادة، وغيرهم كثير جداَ ، ايضا تشبعت من الشعر الجاهلي والشعراء في العهود ما بعدهم اعشق شعر المتنبي وابي تمام و المعري. اعشق الشعر الفلسفي والصوفي ايضا، وكل ما يسمو بالذات، لا أنسى ايضا شعراء الأرض والوطن كمحمود درويش واحمد مطر، وشعراء وادباء وشعراء وادباء مغاربة كالأديبين أحمد الصباغ والعربي بنجلون كذلك للأدب الفرنسي مساحة شاسعة في تربيتي الفكرية والأدبية والاعمال المترجمة للأدب الروسي والاسباني. والصراحة كان للتعليم الاولي في حياتي البنية الاساسية في غرس اللغة العربية وجماليتها في نفسي، فقد كان معلمو تلك الفترة لا يلقنون المنهج فقط لكن يثقفون الطالب ويزرعون فيه حب الادب والشعر. وهذا للأسف ما يفتقر اليه التعليم في وقتنا الحال.
  • ** هل وصلت الى مرافئ تحقيق الاحلام والتطلعات ، وما هو مشروعك المستقبلي ، كيف تحلمين به .؟ 
- لازلت على الطريق امشي، بعض الاحلام تحققت، والكثير منها لازال ينتظر تقدمي بخطوات ثابتة، فلست من يسعى لتحقيق احلامه من خلال اعمال لا تقنعني. فانا شديدة الحرص حتى في تنفيذ طموحاتي وهذا ما احاوله من خلال جمعيتي بسمة الإبداع للثقافة والفنون التي ابتدأت بصالونها الأدبي عام " 2013 " وهي مستمرة الأن من خلال مهرجاناتها، القائمة على توطيد فكرة الاعتراف بالمبدعين في جميع الميادين الأدبية والفنية و اخراج الشباب المبدع الى الضوء. وللجمعية ايضا ادوار اخرى نبيلة خيرية لا أحب التحدث عنها لكي لا نظهر بمظهر المتباهين . الاحلام تتوالد مادام في القلب رغبة في الحياة. ظهور العديد .
  • ** كلمة أخيرة لضيفتنا الشاعرة المبدعة ابتسام بنبراهيم نختم بها حوارنا الذي نتمنى أن نكون قد وفقنا في إدارته من خلال تنوع ما طرح من أسئلة .. 
- ككلمة اخيرة اشكر منبركم الإعلامي في شخص الصديق الأديب قصي الفضلي لما يبذله من جهد في جمع الجسد الثقافي العربي من خلال النشر الجيد والتعريف بالأدباء واقلامهم. واود ان اركز على شيء هام : ان القراءة بحر وان العقل سفينة فعلموا ابناءكم السباحة في بحرها واختاروا لهم الجيد منها لنخلق جيلا قارئا وواعيا.