الحياة برس -  قصي الفضلي 
الفنان والنحات خالد إسماعيل جازية نحات فلسطيني من مواليد دمشق ١٩٦٧ ، عضو الاتحاد العام للفنانين الفلسطينيين فرع سوريا ،عضو تجمع فناني فلسطين ،خريج معهد الفنون التطبيقية بدمشق ، خريج الأكاديمية الوطنية للفنون الجميلة ، مشارك في الكثير من الفعاليات والمعارض الجماعية داخل القطر وخارجه ، حاصل على العديد من التكريمات والشهادات التقديرية .. " وكالة الحياة برس " وعبر الأثير ضيفته وأجرت معه الحوار التالي :
  • ** حدثنا عن نشأتك وترعرعك في أحضان إحدى مخيمات الشتات الفلسطيني في بلدكم الثاني سوريا ..؟ 
-كباقي أفراد وطني الجريح فلسطين فأن خالد جازية نشأ وترعرع في أحضان إحدى مخيمات الشتات الفلسطيني في سوريا في كنف أسرة بسيطة مؤلفة من تسعة أخوة وأخوات ، الأب فيها يكد ويعمل من أجل قوت أطفاله والأم تكد وتعمل دون كلل أو ملل طوال يومها من أجل رعاية أطفالها وهذا الحال حال معظم بيوتات المخيم تقريبا ولكن بالرغم من حالة الفقر والبساطة التي تعم أرجاء المخيمات الفلسطينية في تلك الفترة , إلا أن هناك حالة من الحراك الفكري والثقافي ، والاهتمام بالتعليم كسلاح في هذه الحياة فنحن لا نملك غير ذلك فقد تربينا منذ الصغر على حكايا وقصص الجد والجدة عن فلسطين ونكبتها وعن مجريات الأحداث التي جرت في تلك الفترة عن معاناتهم وكيفية تهجيرهم من قراهم وحالة القهر والمعاناة التي رافقتهم حتى وصولهم إلى تلك المخيمات في مناطق الشتات الفلسطيني وكيف حط بهم الترحال في سوريا هذا البلد الذي تربينا وترعرعنا فيه وأحببناه حيث كنا نرى فلسطين من خلال مخيماته فلقد تربينا على أشعار محمود درويش وسميح القاسم وفدوى طوقان وغيرهم من الأسماء التي لها وقع وحضور في أعماقنا ونهج تفكيرنا فكان لا يخلو بيت من بيوتات المخيم تقريبا من إحدى دواوين وأشعار محمود درويش وأغاني الشيخ إمام فكان المخيم بالنسبة لنا كفلسطينيين مهجرين ذاكرتنا الجمعية فكانت كل حارة أو شارع منه بإسم قرية أو ومدينة فلسطينية أو إسم شاعر أو مفكر قدم روحه رخيصة من أجل فلسطين فهناك عطا لزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي وغيرهم من الأسماء التي أصبحت فيما بعد ذاكرتنا وثقافتنا ونهج تفكيرنا المقاوم فالمخيم خصوصيته ووقع الخاص وانعكاساته وتأثيره على بناء جيلنا لاسيما في الفن والأدب .
  • ** كما ذكرت : فقد تربيتم منذ الصغر على حكايا وقصص الجد والجدة عن فلسطين الجريحة ونكبتها ، وعاصرتها وأنت ترعرع في أحضان إحدى مخيمات الشتات الفلسطيني في سوريا ، ما تأثير هذه الملحمة على مسيرتك الفنية وهل أسهمت في تحديد مسار معين لك ..؟ 
-تماما لتلك الملحمة تأثيرها الكبير عل محطات متعددة من محطات مسيرتي الفنية ولكن دعنا بداية أن أتحدث عن مرحلة الطفولة وأهميتها فمرحلة الطفولة ، مما لاشك فيه مرحلة مهمة جدا لأي إنسان حيث تنطبع الصور وتختزن الكلمات في الذاكرة لتصبح شريطا للذكريات المؤلمة والمفرحة فيما بعد ، فكيف لا وهذه الصور صور الألم والجرح الذي عاش معنا ونما وترعرع فينا منذ الصغر على حكايا وقصص الجد والجدة عن المعاناة والتهجير عن صور القتل والدم من خلال المجازر التي ارتكبت بحق شعبنا الفلسطيني قبل النكبة وبعدها فهناك دير ياسين والطنطورة والصفصاف قبية وكفر قاسم كلها أسماء لمجازر محفورة في عمق ذاكرتنا والتي أصبحت فيما بعد ذاكرتنا الجمعية ... لكن لكل مرحلة وقعها وخصوصيتها فعندما كبرنا و ونضجت تلك الحكايا في أعماق نفوسنا أصبحنا نعي ما معنى تلك الأبجدية من الصور والكلمات وكيف أصبحنا نستشعر الألم عندما نسترجع ذلك الشريط المؤلم من تاريخ شعبنا الفلسطيني من خلال تعمقنا وقراءتنا عما حصل لشعبنا على أيدي الطغاة من عصابات الغدر( الهاغانا وشتيرن والأرغون ) من مجازر وحشية كيف كان الطفل والجنين يقتل بدم بارد ...
لهذه الصور والأحداث التي توالت بعد ذلك منذ اجتياح الكيان الصهيوني لبنان سنة ١٩٨٢م وانتفاضة الحجارة سنة ١٩٨٧ م
والعديد من الأحداث المفصلية التي حدثت في المنطقة كان لها تأثيرها وانعكاساتها على شخصيتي كفنان مبتدأ في تلك المرحلة ... بالتأكيد هي مرحلة مهمة جدا كيف لفنان في ريعان شبابه يعيش الهم ووجع البيت الفلسطيني كونه جزءا من نسيجه أصبح يرتشف الوجع الفلسطيني مع كل إشراقة صباح مع فنجان قهوة محمود درويش مع صوت وأنغام الشيخ إمام بصورة العشق للأرض والوطن ... هذه فلسطين أبو سلمى ..التي أغفت على ربوة حالمة بالمجد والغار ومازالت تذكرنا بألمنا ووجعنا كل ذلك كان له تأثيره على شخصيتي كإنسان وعلى نهج تفكيري .
ولتلك الأحداث ومجرياتها التي تركت أثارها في أعماق هذه النفس التواقة للحرية والانعتاق من براثم الظلم والعبودية طبعا كان لها الدور الأكبر والمهم في بناء شخصيتي كفنان يحمل هموم وألام شعبه ويلامسها ويعيشها فبدأت هذه الصور تؤثر على محطات مهمة من مساري الفني فكانت تهزني من الداخل وتحرض مخيلتي وتفكيري للتعبير عن حجم الألم الذي يعتصر الفؤاد ويأجج مشاعر الحزن من خلال ما أملك من أدوات ومفردات تعبيرية ومخزون معرفي وفكري لمخاطبة وجدان وعقل الإنسان العربي ككل لاسيما وأن محور الصراع في المنطقة واحد وألا وهو الكيان الصهيوني وأعوانه كونه المحرك الأساس لمعظم القضايا الساخنة في المنطقة .

  • ** متى تجسدت شخصيتك كفنان ونحات فلسطيني يحمل هموم وألام شعبه وقضيته ..؟ 
-مثلما أسلفت آنفا ً فأن المخيم نسيج متنوع رغم بساطته فهناك العامل المفكر والأديب والمثقف فلقد عشقت الفنون البصرية والسمعية من خلاله فمنذ مراحل طفولتي الأولى كنت مهتما بالرسم والموسيقى كثيرا فكانت أساتذتي في المرحلة الابتدائية يكلفوني برسم بعض الرسومات التوضيحية الموجودة في الكتب المدرسية ، ولكن هذا الفن كان فطريا إلا أنه بقي ملازما معي كظلي ولكن لكل مرحلة خصوصيتها فالمرحلة الإعدادية والثانوية كانت أكثر نضجا حيث بدأت أصقل موهبتي عن طريق الدراسة الأكاديمية فتعمقت بداية بدراسة الموسيقا بإشراف أساتذة مختصين ، وبعد فترة وجيزة شكلت فرقة موسيقية مع بعض الأصدقاء وكان همنا وهاجسنا قضيتنا الفلسطينية فكانت أعمالنا تصب في بوتقة العمل الفني الملتزم الذي يخاطب عقل ووجدان الإنسان الفلسطيني تجاه قضاياه لاسيما مرت أحداث مفصلية في حقبة الثمانينات من القرن الماضي ، ولكن هذه المحاولات بقيت متواضعة إلى انتسبت إلى المعهد العالي للموسيقى ومن هنا بدأ عشقي للفن التشكيلي يزداد وذلك من خلال الجلسات مع الأصدقاء الفنانين والحوارات الجادة عن هموم وآلام شعبنا الفلسطيني .
  • ** في خضم الأحداث المتسارعة ، متى بدأت في رحلة البحث عن صيغ و مفردات تعبيرية جديدة ومتفردة ..؟ 
-رحلة البحث عما أريد , وعن الأقدر والأعمق تعبيريا ، من هنا بدأت حكايتي ومشواري مع الفن التشكيلي عموما كلغة تعبيرية و عن النحت ومفرداته كمسرحي الخاص من خلال انتسابي إلى معهد الفنون التطبيقية كما ذكرت بكم مسبقا ، وبعد تخرجي بدأ مشواري الحقيقي مع فن النحت وبعد ذلك تعمقت بدراسة فن النحت في الأكاديمية الوطنية للفنون التشكيلية في اختصاص النحت وكانت مرحلة جديدة في البحث عن مفردات وصيغ تعبيرية جديدة تواكب مجريات الأحداث في المنطقة .
  • **نشأت التعبيرية سياقاً فنياً في ألمانيا عام 1905م , وقد كانت فكرتها في الأساس هي أن الفن ينبغي أن لا يتقيد بتسجيل الانطباعات المرئية , بل عليه أن يعبر عن التجارب العاطفية والقيم الروحية ، برأيك هل هي قفزة عصرية مهمة ومميزة للفن التشكيلي على المدرسة الانطباعية ؟ 
-طبعا بداخل كل فنان ثورة وثائر متمرد ودائما تراه تواقا للبحث عن مفردات وصيغ كلغة جديدة للتعبير فهناك مثلا تيارات وقوالب فنية ظهرت في القرن التاسع عشر على أيدي فناني ذلك العصر الفنان الهولندي( فنسنت فان كوخ وبول جوجان) حيث تعتبر المدرسة الانطباعية بمثابة ثورة وتمرد على المدرسة الكلاسيكية في تلك المرحلة وهم أنفسهم أيضا من مهدوا لظهور المدرسة التعبيرية في نهاية القرن التاسع عشر فقد تعمدوا التشويه الإرادي للطبيعة والإنسان وعملوا على مزج القلق بالرمزية ومن هنا وضمن هذا السياق الفني فقد تطورت هذه المدرسة التي رسم خطوطها فان كوخ فقد تطورت هذه المدرسة التعبيرية في ألمانيا سنة ١٩٠٥م على أيدي فناني ذلك العصر مثل ( هيكل وشميدت وروتلوف ) وغيرهم نتيجة لمجريات الأحداث وحالة الاضطراب في المجتمع مع ظهور النازية فكان لابد للفنان وهذا أمر طبيعيا وصحيا برأي الشخصي للبحث عن لغة للتعبير عن روحه وقلقها وانعتاقها وتمردها وعن حالة الاضطراب والاختلاجات التي تعيشها هذه النفس فلجؤا إلى التعبير اللوني العنيف الصاخب واختزال الأشكال والعناصر والذي بدوره يحدد الموضوع والفكرة أمثال ( كوكوشكا وبيلمان ) وغيرهم من الفنانين التعبيرين فقد عانوا بطش واضطهاد النازية لهم ولفنهم ولكن وبالرغم من ذلك فقد حققت المدرسة التعبيرية قفزة عصرية ومهمة على المدرسة الانطباعية كونها مدرسة تعبر عن الذات وأكثر تعبيرا عما يجول في النفس البشرية من مكنونات واختلاجات .
  • **قلت يوماً : المرأة بالنسبة لي دلالة رمزية فهي أشبه بالأرض تماما ومنبع للعطاء والحب والحنان والحضن الدافئ الذي يتألم دون أن يتكلم وهي تعطي دون مقابل ، لكن المتلقي يرى بأن ظهور المرأة في أعمالك هي متشحة بالحزن ...؟ 
كيف لا والأرض والأم كيان واحد ...-
وطن يسكن قلبي ووجداني حيث يتغلغل بأعماق تفكيري فيهز كياني
, كيف لا تتشح بالحزن وأنا أعبر عما يجول في أعماقي من ألم يختلج القلب والفؤاد عن مشاعر الحزن والألم على وطن مغتصب يبكي ويأن بصمت رهيب يحرك كل اختلاجاتي فيجعل من هذا البركان في أعماقي يثور وينتفض ليترجم بأعمال نحتية , فتارة تجد الأم فيها هذه الأم العطوف التي تفني نفسها من أجل أن ترسم بسمة على شفاه أطفالها رغم الألم الذي يعتصر فؤادها رغم الدمعة التي تقف في الأحداق رغم مسحة الحزن البادية على وجهها فهي أشبه بالأرض تماما . هي الوطن هذا الحضن الدافئ الذي يحتضن أبناؤه رغم الألم والوجع بكل عطف وحنان فالأم أجسدها في أعمالي كدلالة رمزية للعطاء والبناء لزرع القيم والانتماء فهي رمز للأرض للخصب للعطاء ... فكيف لا تتشح بالحزن وهي بالنسبة لي كإنسان وفنان كل ما ذكرت .؟
  • **ما رؤيتك الفنية للعلاقة بين النحت والغرافيك وهل هناك قواسم مشتركة بينهما ..؟ 
-هناك بفن النحت ما يسمى بفن( الرولييف ) وهذا القالب الفني له خاصيته وأسلوبه وطرق معالجته فهناك النحت الغائر والنحت النافر على سطح الصخور أو السيراميك أو المعادن فهذا النوع من النحت يعتمد الاختزال والحفر ويحتمل الكثير العناصر كفن لغرافيك تماما فهذه الفنون برأي تتلقى مع بعضها من حيث الأسلوب وطرق معالجة الموضوع على سطح الخامة المراد العمل عليها بعيدا عن تقنيات الطباعة والأدوات المستخدمة فيها بالنسبة لفن لغرافيك فكلاهما أيضا يعتمد على إظهار الظل والنور والنور لإظهار الشكل والموضوع .
  • **برأيك هل المشهد التشكيلي اليوم يعاني من إشكالية وأزمة على الصعيد الفكري والبصري .؟ و كيف تنظر للواقع الفني في المنطقة العربية عموما ً ..؟ 
-للأسف الشديد اليوم هناك افتقار حقيقي للفن الراقي الذي يلامس قضايا المجتمع وهمومه باعتباره مرآة له ..وعلى وجه الخصوص في هذه المرحلة المهمة والمفصلية على الصعيد الديمغرافي والجغرافي على إتساع رقعة وطننا من مشرقه إلى مغربه ..في الحقيقة هناك فجوة وهوة أخذت تتسع يوما بعد يوم على رقعة الساحة الفنية العربية ، المشهد التشكيلي اليوم يعاني من إشكالية وأزمة على الصعيد الفكري والبصري ..فهناك تساؤلات كثيرة تستحضر في الذهن لاسيما ونحن نتكلم عن الفن وإشكالياته ...فهل إستطاع الفن حقيقة أن يرتقي إلى مستوى الحدث في المنطقة العربية ..؟ هل إستطاع أن يلامس هموم وآلام الناس ..؟ هل إستطاع الفن أن يكون مرآة حقيقية غير مشوهة للمجتمع في ظل هذه الأحداث المتسارعة في المنطقة والتي تنعكس سلبا على الفرد في مجتمعاتنا .. ؟
ولكي نكون موضوعيين أكثر يجب أن نتكلم بكل شفافية ومصداقية ولكي نكون منصفين على إعتبار الفن ليس مختصا برصد أحداث المشهد السياسي فحسب ، لكن وبحسرة أقول :
هل إستطاع الفن في وطننا أن يحافظ على قيمه الفنية ومفاهيمه الجمالية بعيدا عن التلوث البصري ..هل أستطاع الفن أن يرتقي بالذائقة البصرية لدى المتلقي كعنصر أساسي ومهم كونه عنصر من عناصر العمل الإبداعي ما بين الفنان وعمله الفني .. بكل آسف فأن التلوث الفكري والبصري يغزو المشهد التشكيلي وبحسب رأيي الشخصي هناك مؤسسات ثقافية وإعلامية أسهمت فعليا في ذلك إلى حد بعيد من خلال ترسيخهم لمفهوم التكتل والمحسوبيات على حساب سوية العمل الفني وقيمته الإبداعية.
  • **هل وصلت مرافئ تحقيق الأحلام والطموحات ..؟ 
-أنا ما زلت كفنان أقود دفة صغيرة في يم كبير لا شاطئ له أبحر فيه باحثا عن ثيمات ومفردات لفك طلاسم هذا العالم الفسيح الذي يجعلك تغوص في أعماقه لتبحث عن أسراره وتكتشف خفاياه ..
عالم فيه من السحر والروعة والجمال الشيء الكثير ..
عالم يجعلك تتغلغل في أعماق النفس البشرية ومكنوناتها ،
الطاقة الإبداعية لدى الفنان لا تنضب طالما هناك هذا العالم الذي يؤثر فيه ويحرك مشاعره وإحساسه ويهز كيانه ووجدانه ويحرض العقل والفكر لديه وينفض الغبار عنه ،
فحجم الطموحات والأحلام كبير لكنها سوف تبقى تبحث عن مرفئ لها طالما في كل لحظة نعيشها في هذا العالم تتسع الأفق فيه وتتغير الرؤى والمفاهيم والقيم .

--------------