( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
عندما كنت طفلا في الخامسة عشر، تمتعت برحلة الى الساحل الفلسطيني والى مدننا وقرانا في 48، وصليت في القدس وشاهدت الأسواق والناس هناك، تناولت الكعك المقدسي والزعتر اللذيذ وشاهدت الزخارف المرسومة بإحتراف فوق اوانِ فخارية ولازلت أحتفظ بواحدة منها، في الساحل الفلسطيني كنت أنظر الى تاريخنا الممتد عبر ما يتحدث عنه مرشد الرحلة، كانت الطريق مليئة بالشجيرات الخضراء والنباتات العطرية والزهور البرية، ولازلت حتى اليوم وبعد أكثر من ثلاثين عاما، أتذكر كل التفاصيل وكل الوجوه، أتذكر الفرحة التي انتابتني وانا في داخل المسجد الأقصى والباحات وصوت الآذان والزخرفة المعمارية التي لا يمكن إلا أن تآسر الناظرين لها، لقد مر هناك صلاح الدين حكيما وحليما وفاتحاً، وقرأنا ما تيسر من القرآن في حضور آلالاف الشهداء عبر مئات من السنين، وعبرنا الى قيسارية وشواهد الفتوحات الاسلامية وعبق التاريخ، كنا في الناصرة وفي البشارة وفي عكا وفي السور العظيم وهزيمة طغيان الفرنجة وبونابرت، ولازالت أمواج البحر تداعبني وهي ترتطم بالشاطيء الفلسطيني لتصنع مشهدا اسطوريا، وأجمل ما كان هناك هو أهل القدس بلهجتهم الجميلة وطيبتهم، ولازلت أتوق لأن أكون بينهم بل أقضي بقية عمري هناك في القدس الحبيبة وكم أحن الى كل شيء فيها. 
 الجنون البريطاني سرق منا كل ذلك وعصابات القتل الصهيونية شردت اجدادنا وذبحتهم وحرقتهم أحياء من أجل افراغ الأرض في مشروع عنصري احلالي، لازال العالم يراوح مكانه دون أن يغير شيئا مما شارك فيه عبر السنوات الطويلة.
 ولربما يتساءل القاريء ماذا يريد الكاتب من المقال، وما الذي أعاده الى رحلته التي قد يعتبرها البعض أنها بسيطة وان الالاف تمتعوا بها، ولكن هدية من القدس تصلني الى غزة عبارة عن زعتر مقدسي، كفيلة بأن تعيد بي الذاكرة الى ما سبق، وبل تمدني بطاقة لا حدود لها، انه الوطن الواحد والارض الواحدة مهما حاول الاحتلال تهويد قدسنا أو سرطنة ضفتنا بالمستعمرات اليهودية ومهما كبلنا الانقسام وأفسد حياتنا، كل شيء لنا، وواقعية حياتنا تفرض علينا بعض الوقفات للمرور في التاريخ، ولكن لا يمكن أن يمحى هذا التاريخ وستبقى ذاكرة الأجيال حاضرة ولن تنسى وستهزم نظرية زعماء الاحتلال ومؤسسي هذا المشروع الصهيوني، وحين نكتب ويجب أن نكتب عن تجاربنا نعيد المشهد لحقيقته برغم كل الدماء والوجع والنكبة والنكسة والتهجير والالام.
 نحن نعيش داخل حلما وداخل واقعنا وفوق أرضنا، ونحن حراسها، ونحافظ على بقائنا من خلال تفاعلنا مع تاريخنا ومع ثوابتنا ومع حضارتنا، وبل تفاعلنا مع كل شيء حولنا بشكل مستمر لتبقى الذاكرة حاضرة، وها نحن نرسم ذاك التفاعل والمخزون عبر سنوات طويلة مما يؤكد أن قضيتنا حية ومستمرة.
ملاحظة: الى أصدقائي في القدس سلوى والدكتور أحمد وأصدقائي في كل مدينة فلسطينية لكم السلام من هنا من غزة التي لا يمكن إلا أن تبقى في حدود جغرافيا الوطن والتاريخ والدولة، نشتاق لكم ولنا لقاء.