( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )
الندوة التي عقدها معهد الأمن القومي الفلسطيني في قاعة الهلال الأحمر يوم الأحد المنصرم كان محورها الرئيسي هو الاستعداد الفلسطيني لإمكانيات التغير السياسي في إسرائيل عشية الانتخابات الإسرائيلية. 
وبادئ ذي بدء فإنني أُثمن عالياً ما طرحه الإخوة قادة العمل الوطني والحزبي، وكذلك ما تفضّل به الإخوة من الأكاديميين والباحثين الناشطين، فقد عكست تلك الندوة الهامة، ذلك القلق العميق لمستقبل شعبنا وبلادنا جراء الهجوم غير المسبوق علينا من قِبل إدارتين متطرفتين لا تقيمان وزناً للقانون الدولي، أو حتى للأعراف الدبلوماسية.
وإذ أننا نشكر معهد الأمن القومي على تنظيم هذه الندوة، فإننا نرى أن طرح النقاش حول المرحلة القادمة ومخاطرها، بشكل علني وشامل، خطوة في الاتجاه الصحيح تماماً، بحيث ينخرط في ذلك كل فعاليات المجتمع الفلسطيني وفئاته، فكما قال الرئيس أبو مازن: فإن الأيام القادمة هي أيام صعبة بشكل خاص، وإذا سمحت لنفسي أن أُفسّر هذه الجملة، فإنها تعني – ضمن أمور أخرى – إقدام إسرائيل على التخلص من كل ما يتعلق باتفاق أوسلو تماماً، وذلك من خلال تعزيز كيانية في غزة أولاً، وهو ما يحصل فعلاً بموافقة علنية أو ضمنية من قِبل حركة حماس، وثانياً، من خلال العمل على ضم أجزاءً كبيرة من الضفة الغربية المحتلة، وهذا ما أكد عليه بنيامين نتنياهو عندما قال إنه سيضم المستوطنات من خلال التنسيق مع الإدارة الأمريكية الحالية.
إن سياسة تقوم على تشجيع أو دعم كيانية في غزة من خلال الإغراء أو القوة – من خلال وساطة أو سكوت أو دعم عرب وعجم – وضم للضفة أو أجزاء كبيرة منها، إنما يعني الخروج من أوسلو والدخول في مرحلة جديدة تقوم ملامحها على تفتيت الشعب الفلسطيني وتشتيت وحدة التمثيل وتكريس الاحتلال وتأييده، من خلال إعادة إنتاجه، إذ يفصل بين السكان وأرضهم، وبين حاضرهم ومستقبلهم، وبين كرامتهم وحرياتهم.
وبغض النظر عمن سيفوز في انتخابات إسرائيل الحالية، فإن "المكتوب يُقرأ من عنوانه" كما يقولون، فالفائز هو اليمين، ولا شيء غير اليمين، وهو يمين متبجح ومتغطرس ومسلّح بإدارة أمريكية تفوقه وتتقدم عليه يمينيةً وتطرفاً.
اليمين الفائز – بغض النظر عن نتنياهو أو غانيتس– فهو يمين لن يعطينا أي شيء، ولن يفاوض انطلاقاً من مرجعية دولية أو حتى مرجعية أوسلو، سيفاوضنا هذا اليمين من مرجعية جديدة تماماً، تتمثل في عنجهية أمريكية بالغة التطرف والعمى وفي عنجهية يمينية إسرائيلية تعتقد أنها انتصرت ولم تعهد بحاجة إلى الفلسطيني بعد أن استسلم له العالم العربي أو معظمه.
الفائز الإسرائيلي الجديد لن يفاوضنا على دولة في الضفة وغزة، هذه حقيقة لابد من مواجهتها تماماً، وهو لن يذهب إلى حتى محاولة إرضائنا بشكل تظاهري، أعتقد حازماً أن الفائز اليميني الجديد سيبادر غلى تنفيذ المخطط الجاهز أصلاً، وهو فرض التسوية اليمينية التي تظهر في كل عدد من السنين، وهي ما سمي في حينه خطة أيغورا ايلاند، وتتلخص في احتفاظ إسرائيل بالغور والقدس والسفوح الشرقية لجبال الضفة الغربية وتغيير ذي معنى في ما يسمى بالخط الأخضر وتفكيك الوجود الديموغرافي الفلسطيني والتحكم به من خلال شبكة استيطانية أمنية، تبقي وتيرة تطور هذا الشعب بيد المحتل، هي خطة استعمارية بالغة الحذق والحرفية، تعفي الاحتلال من مسئولياته الاقتصادية والاجتماعية، فيما تستحوذ على الأمن والثروة والسيطرة دون كلفة.
وإذا كانت إسرائيل لم تتغير في أهدافها، فإنها تتغير بأدواتها وأساليبها وأشكال احتلالها وقمعها، وهي تمعن في تفتيت الشعب الفلسطيني من خلال تعميق الانفصال أو خلق البدائل أو محاصرة الفعل الفلسطيني وكسر الإرادة الوطنية من خلال التشويش والإحباط والقمع وعمليات الضغط غير المسبوقة، وصولاً إلى هذه اللحظة التاريخية التي يبدو فيها المشروع الصهيوني وكأنه تجاوز الفلسطيني من خلال الهدايا المجانية من إدارة أمريكية متظرفة، ومن خلال دفئ عربي مرتعب وخائف.
ما العمل إذن؟؟
هل نستسلم؟ هل نرفع الراية البيضاء؟
بالتأكيد لا، هذا شعب عظيم ولا يمكن له أن ينكسر، وهذا ما أرغب أن أُشير إليه.
فبالإضافة إلى الموقف الشجاع والتاريخي للرئيس محمود عباس، الذي قال "لا" لأعتى قوة كونية، وهي كلمة كابحة للإقليم كله، وبالإضافة إلى موقف الفصائل الفلسطينية والشعب المساند والداعم لموقف زعيمه، فإن من الواجب التأكيد على ما يلي:
أولاً: أن القيادة الفلسطينية تستطيع أن تصارح شعبها – وشعبها من الذكاء والحكمة بحيث يعرف – أن الاتفاق مع إسرائيل في الماضي والحاضر والمستقبل لا يمكن الركون إليه أو الوثوق به، وأن ما كان لا يمكن له أن يستمر.
ثانياً: أن القيادة الفلسطينية التي خبرت الحرب والسلم والمنفى والوطن والسجن وخارجه، ما تزال قادرة على القفز عن الحصار أو النكران أو التجاوز، وتستطيع أن تضع خطط (ب) و(ج) على الطاولة بسرعة وبإحكام، دون القفز في الفراغ أو العبث أو الفوضى.
ثالثاً: أن شعبنا الفلسطيني العظيم لقادر أيضاً أن يتولى الأمر، بمعنى، أن لكل مرحلة تاريخية أبطالها وشعاراتها، وعلى إسرائيل أن تعرف أن قمع هذا الشعب وعمد إعطائه الأمل بالحياة والمستقبل، لقادر أن يكتب رسالته بطريقة قد لا تجد في إسرائيل كلها من يستطيع الإجابة عنها.
على اليمين الإسرائيلي الفائز في الانتخابات أن يراجع عنجهيته وغطرسته، وأن يعرف أن أمنه لا يأتي من البيت الأبيض، وإنما من بيوت الفلسطينيين الضعفاء والمحاصرين.