( الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الحياة برس )

كي نفهم ما تروج إليه الإدارة الأمريكية فيما يعرف بصفقة القرن لابد من العودة للتاريخ الإستعماري الذي إستهدف فلسطين خاصة وبلاد العرب عامة ...
لدى الرجوع الى صفحات التاريخ نجد أن الفكر الصهيوني الـذي يستند الى ما يعرف ب "بروتوكولات حكماء صهيون"، وباستعراض الوضع العالـمي الذي كان يـسوده استعـمار دول سبعة هي : بريطانيا وفـرنسا وهولـنـدا وبلـجيـكا واسـبانيـا وايطاليا والبرتغال ، للعديد من دول العالـم ، وقد عملت هذه الـدول على اتخاذ اجراءات مختلـفـة لضمان استمرارية سيطرتها وهيمنتها الأستعماريـة وذلك بـدءا بانعـقـاد مؤتمر لرسم الـخطط لـتـنـفـيـذ هدفهـم الأستعـماري ، فكان عـقـد الـمؤتـمـرفي لـنـدن عام 1907 واورد لكـم فيما يلي تفاصيل ذلك ، بما فيها قرارات المؤتمر الـتي اتـخذت اسم " وثـيـقة كامبل السرية 1907 "
وثيقة كامبل السرية عام 1907 و بعض المصطلحات الإستعمارية بترنيمات عربية : علما بأن كامبل بنرمان هو Henry Campbell-Bannerman رئيس وزراء بريطانيا United Kingdom و هو ينتمي إلى الحزب الحر البريطاني أو حزب الأحرار البريطاني من 1899 إلى 1908 والذي سبق له أن خدم في إدارة المستعمرات البريطانية مرتين Secretary of State for War and the Colonies في مكتب Gladstone و Rosebery .
هذا الرجل شغل منصب First Lord of the Treasury أو Prime Minister رئيس وزراء الذي برز خلال مؤتمر 1907 الذي يجب أن لا ننساه أبدا لأنه من أهم المحطات التي أسست لتقسيم العالم العربي والتي تعد الخطوة الثانية بعد إضعاف هذا العالم و خلق منطلق للإنقسامات التي ستعيشها هذه المنطقة لاحقا.
تم التغطية على المؤتمر بشكل غير مسبوق فالدول التي شاركت في المؤتمر كانت تسوقه كمؤتمر لأجل السلام ونزع السلاح مع دول كانت في دائرة محور الشر كالدولة العثمانية وألمانيا مع العلم أن الدولتين لم تكونا مدعوتين إلى المؤتمر
(مثلا في جريدة l'exprees du midi الفرنسية ليوم السبت 11 ماي من سنة 1907).
في ذلك الوقت كان الهدف السيطرة على ألمانيا وتقسيم الإمبراطورية العثمانية وجاءت الفكرة من (الصهاينة) اليهود الملحدين الذين وجدوا في الغرب ما يمكنهم به تحقيق هدفهم.
 قام حزب المحافظين البريطاني عام 1905 بتوجيه الدعوة الى كل من فرنسا وهولندا وبلجيكا واسبانيا وإيطاليا لعقد مؤتمر يتم من خلاله وضع سياسة لهذه الدول الإستعمارية تجاه العالم وبالذات تجاه العالم العربي وفي عام 1907 أنبثقت وثيقة سرية عن هذا المؤتمر سموها " وثيقة كامبل " نسبة الى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك هنري كامبل بنرمان " " إن البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي للإستعمار لأنه الجسر الذي يصل الشرق بالغرب والممر الطبيعي الى القارتين الآسيوية والإفريقية وملتقى طرق العالم وأيضا هو مهد الأديان والحضارات . ويعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان "
 هناك دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية ويوجد تصادم حضاري معها وتشكل تهديداً لتفوقها وهي بالتحديد الدول العربية بشكل خاص والإسلامية بشكل عام "
 لقد دعا مؤتمر بنرمان الى إقامة دولة في فلسطين بالتعاون مع المنظمة الصهيونية العالمية تكون بمثابة حاجز بشري قوي وغريب ومعادي يفصل الجزء الإفريقي من هذه المنطقة عن القسم الآسيوي والذي يحول دون تحقيق وحدة هذه الشعوب العربية ألا وهي دولة إسرائيل.
يشكل هذا المؤتمر النواة الأساسية والتي انبثق عنها كل من اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور ومؤتمر فرساي ومؤتمر سان ريمو ومعاهدة سيفر ومعاهدة لوزان وبصدور قرار التقسيم 181 بتاريخ 29/11/1947 وإعلان قيام دولة إسرائيل بتاريخ 15/5/1948 وبتاريخ 11/5/1949 تبوأت اسرائيل مقعدها في الأمم المتحدة بصفتها العضو 59 في المنظمة الدولية
لقد اكتشف الغرب في بداية القرن العشرين النفط العربي وبالذات عام 1905 وأدركوا أن المنطقة العربية من أقصى الشرق الى أقصى الغرب تضم في جنباتها أكبر مخزون للنفط في العالم وبدأ الصراع بين الدولة العالمية الفتية الولايات المتحدة وبين دول أوروبا الباردة في السيطرة على منابع النفط منذ عام 1905.
وقبل التطرق الى وثيقة السير هنري كامبل بنرمان رئيس وزراء بريطانيا (1905-1908) لا بد لنا أن نتوقف عند محطتين رئيستين من محطات التاريخ حتى تتضح لنا الصورة كاملة
1: المؤتمر الصهيوني الأول
لقد تم عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية عام 1897 بمشاركة كافة ممثلي الجاليات اليهودية في العالم من أجل إنشاء وطن قومي لليهود بزعامة ثيودور هرتزل وتم اتخاذ القرارات التالية
• إن هدف الصهيونية هو إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين بالوسائل التالية . تشجيع الهجرة اليهودية الى فلسطين . تنظيم اليهود وربطهم بالحركة الصهيونية . واتخاذ السبل والتدابير للحصول على تأييد دول العالم للهدف الصهيوني( إعطا ءه شرعية دولية).
• تشكيل المنظمة الصهيونية العالمية بقيادة ثيودور هرتزل
• تشكيل الجهاز التنفيذي " الوكالة اليهودية " لتنفيذ قرارات المؤتمر ومهمتها جمع الأموال في صندوق قومي لشراء الأراضي وإرسال المهاجرين لإقامة المستعمرات لليهود في فلسطينبعد انتهاء أعمال المؤتمر الصهيوني الأول خرج ثيودور هرتزل على الصحفيين والإبتسامة العريضة تعلو شفتيه وقال لهم لقد قررنا إنشاء الوطن القومي لليهود وقد تضحكون إذا أخبرتكم أن هذا الوطن سيتحقق خلال خمسة أعوام وعلى الأغلب خلال خمسين عاماً على الأكثر . وفي عام 1948 تم الإعلان عن إنشاء دولة إسرائيل في أرض فلسطين المقدسة في قلب العالم العربي وفي قلب العالم الإسلامي.
 2: السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد
قام ثيودور هرتزل بإرسال رسالة الى السلطان عبد الحميد الثاني وهذا نصها " ترغب جماعتنا في عرض قرض متدرج من عشرين مليون جنيه استرليني يقوم على الضريبة التي يدفعها اليهود في فلسطين الى جلالته . تبلغ الضريبة التي تضمنها جماعتنا مائة ألف جنيه استرليني في السنة الأولى وتزداد الى مليون جنيه استرليني سنويا ويتعلق هذا النمو التدريجي في الضريبة بهجرة اليهود التدريجية الى فلسطين. أما سير العمل فيتم وضعه في إجتماعات شخصية تعقد في القسطنطينية . مقابل ذلك يهب جلالته الإمتيازات التالية ...الهجرة اليهودية الى فلسطين التي لا نريدها غير محدودة فقط بل تشجعها الحكومة السلطانية بكل وسيلة B وتعطي المهاجرين اليهود الإستقلال الذاتي . المضمون في القانون الدولي وفي الدستور والحكومة وإدارة العدل في الأرض التي تقرر لهم (دولة شبه مستقلة في فلسطين) ويجب أن يقرر في مفاوضات القسطنطينية الشكل المفصل الذي ستمارس به حماية السلطات في فلسطين اليهودية وكيف سيحفظ اليهود أنفسهم النظام والقانون بواسطة قوات الأمن الخاصة بهم.
قد يأخذ الإتفاق الشكل التالي يصدر جلالته دعوة كريمة إلى اليهود للعودة الى أرض آبائهم . سيكون لهذه الدعوة قوة القانون وتبلغ الدول بها مسبقاً.
3: وثيقة كامبل السرية Campbell
bannerman 1907
 دعا حزب المحافظين البريطاني كلا من فرنسا وهولندا وبلجيكا واسبانيا وايطاليا عام 1905 الى عقد مؤتمر سري استمرت مناقشاته لمدة عامين وتم التوصل في نهاية المؤتمر الى وثيقة سرية عرفت بوثيقة كامبل نسبة الى رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت هنري كامبل بنرمان ولقد توصل المجتمعون الى نتيجة مفادها " إن البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي للإستعمار لأنه الجسر الذي يصل الشرق بالغرب والممر الطبيعي الى القارتين الآسيوية والإفريقية وملتقى طرق العالم وأيضا هو مهد الأديان والحضارات والإشكالية في هذا الشريان أنه يعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان" وإن أبرز ما جاء في توصيات هذا المؤتمر الإبقاء على شعوب هذه المنطقة مفككة جاهلة متأخرة
وعلى هذا الأساس قاموا بتقسيم دول العالم بالنسبة اليهم الى ثلاث فئات :
الفئة الأولى : دول الحضارة الغربية المسيحية ( دول أوروبا وأمريكا الشمالية وأوستراليا ) والواجب تجاه هذه الدول هو دعم هذه الدول ماديا وتقنيا لتصل الى أعلى مستوى من التقدم والإزدهار
الفئة الثانية : دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية ولكن لا يوجد تصادم حضاري معها ولا تشكل تهديداً عليها ( كدول أمريكا الجنوبية واليابان وكوريا وغيرها) والواجب تجاه هذه الدول هو احتواؤها وإمكانية دعمها بالقدر الذي لا يشكل تهديداً عليها وعلى تفوقها
الفئة الثالثة: دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية ويوجد تصادم حضاري معها وتشكل تهديداً لتفوقها (وهي بالتحديد الدول العربية بشكل خاص والإسلامية بشكل عام) والواجب تجاه هذه الدول هو حرمانها من الدعم ومن اكتساب العلوم والمعارف التقنية وعدم دعمها في هذا المجال ومحاربة أي اتجاه من هذه الدول لإمتلاك العلوم التقنية. محاربة أي توجه وحدوي فيها
ولتحقيق ذلك دعا المؤتمر الى إقامة دولة في فلسطين تكون بمثابة حاجز بشري قوي وغريب ومعادي يفصل الجزء الإفريقي من هذه المنطقة عن القسم الآسيوي والذي يحول دون تحقيق وحدة هذه الشعوب ألا وهي دولة إسرائيل واعتبار قناة السويس قوة صديقة للتدخل الأجنبي وأداة معادية لسكان المنطقة.
لقد تم عرض مئات من البحوث ومن الدراسات والأوراق كثير منها لم يتم الكشف عنه . ولعل أكتشاف النفط في العالم العربي والى ظهور منافس قوي في هذا المجال ألا وهو الولايات المتحدة قد سَرع في تنفيذ مقررات هذا المؤتمر من أجل السيطرة على هذه الثرة واحتلال العالم العربي وتقسيمه . فنجم عنه اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 و وعد بلفور عام 1917 ومؤتمر فرساي عام 1919 ومؤتمر سان ريمو عام 1920 ومؤتمر سيفر عام 1920 ومؤتمر سان ريمو عام 1923 وتم تتويجه بقرار الأمم المتحدة الظالم رقم 181 بتاريخ 29/11/1947 القاضي بتقسيم فلسطين الى دولتين عربية ويهودية وإلغاء السيادة العربية على القدس وتبعه تاريخ 15/5/1948 بوثيقة إعلان دولة إسرائيل وبتاريخ 11/5/1949 تبوأت إسرائيل مقعدها في الأمم المتحدة بصفتها العضو 59 في المنظمة الدولية
من أوائل الشخصيات اليهودية ا Samuel Barbasch الذي بدأ بتطبيق الفكر الصهيوني عن طريق المؤسسات المصرفية هو و أولاده وقد كانت لديه مراسلات مع Theodore Herzl مؤسس الكيان الصهيوني
  درس إبنه و يدعى Boris هذا الأخير درس ببالجيكا في المدرسة العليا للتجارة و عمره 18 سنة حسب ما حصلنا عليه من الآرشيف وفي أواخر 1880 إنتقل Samuel إلى أوديسا Odessa وكان يشتغل بنكيا و قد قام بالفعل بإنشاء بنكه الخاص في مدينة أوديسا يدعى Bankovskaya Kontora Barabasha، كما جاء في l’Echo Sioniste في دجنبر 1902أن هذا البنك أصبح فيما بعد يعرف في الإمبراطورية الروسية ب Общество по поддержке еврейских фермеров и ремесленников в Сирию и ПалестинуSociété pour le soutien des agriculteurs et les artisans juifs en Syrie et en Palestine جمعية دعم الفلاحين و الحرفيين اليهود بسوريا و فلسطين لكن في الواقع كانت هذه الجمعية غطاء لمساندة هجرة اليهود إلى فلسطين وسوريا بسبب التمييز العنصري والقتل الممنهج الذي زادت حدته بين 1881-1884 وفي بعض البحوث التاريخية يقال أن الصهاينة أنفسهم موّلوا حملات عنصرية ضد بني جلدتهم لتحفيزهم على تحقيق نبوءة الهجرة الى أرض الميعاد. فأنشأوا لجنة أوديسا وكان مقرها بنفس المدينة التي إنصبت على دراسة الوسائل التطبيقية لإنشاء مستعمرات ذات طابع فلاحي بفلسطين وسوريا.
وبالفعل بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وخضوع فلسطين للإنتداب البريطاني بدأت مرحلة التنفيذ الفعلي لإنشاء المستعمرة الإسرائيلية التي أعلن عن قيامها في 15/05/1948م مع إعلان إنتهاء الإنتداب البريطاني على فلسطين وتوالت حلقات تنمية وتدعيم هذه المستعمرة التي أكملت إحتلال فلسطين في حرب 1967م، وإطلاق يدها للإستيطان في الأراضي المحتلة، واليوم تسعى الإدارة الأمريكية إلى تثبيت هذه المستعمرة وإنتزاع الإعتراف العربي بها ودمجها في المنطقة العربية وضمان الأمن والسلام لها وتطبيع علاقاتها بالدول العربية، وذلك على حساب الحقوق الشرعية الطبيعية والتاريخية والسياسية والقانونية للشعب العربي الفلسطيني في وطنه فلسطين، وإيجاد أي حل إلحاقي للشعب الفلسطيني سواء بالمستعمرة الإسرائيلية أو ببعض الأطراف العربية.
فالمشروع الإستعماري الصهيوني هو نفسه يتجدد ويتطور كما رسم له في مؤتمر كامبل بنرمان وما نتج عنه من خطة إستعمارية تتولى فصول تنفيذها ولذا الواجب العربي دعم نضال وصمود الشعب الفلسطيني هو وحده الكفيل بإسقاط وإفشال هذا المخطط القديم الجديد المسماة اليوم (صفقة القرن).
هذا الشعب الفلسطيني الذي وقف صامداً في وجه هذا المشروع منذ بدايات القرن العشرين وإلى اليوم يواصل كفاحه ونضاله من أجل إستعادة حقوقه المشروعة وإسقاط هذا المشروع الإستعماري فوق أرضه ووطنه، ليس دفاعاً عن حقوقه فقط وإنما دفاعاً عن الحقوق العربية والإسلامية والمسيحية في المنطقة ويمثل روح العصر والإنسانية في مواجهة (المستعمرة الإسرائيلية) التي تمثل العنصرية والإستعمار البغيض الذي يذكي نار الصراع في المنطقة، ويهدد الأمن والسلام العالمي.
أ. نظمي القطب
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض 9 / 4 / 2019م